نِعْــمَ النعـام

قلم: ريتشارد كونيف

عدسة: كلاوس نيغي

حان الأوان لمحو الصورة النمطية عن النعامة: فهي طائر فطِن استطاع النجاة في عالم يعج بالحيوانات المفترسة.

يحـلو لكثير من الناس تـداول التصـوّر الكرتوني الوحـيد عن النعامة بوصفها ذلك الطير الكبير الذي يدفن رأسـه في الرمال حيـن يكـون فـي ورطة، ظـنّا منـه أنـه إذا لم يرَ الخطـر، فإن الخطر سيتجاهله. وهكذا أصبحت النعامة في مخيّلتنا الجماعية، ذلك الحيوان ناقص الذكاء. بل حتى الإنجيل ينعتها بالبلادة، ويصفها بالأم السيئة أيضًا. والحال أن دَسَّ الرأس في الرمل فكرةٌ رَثَّة قد أكل الدهر عليها وشرب، إذ يعود تاريخها إلى 2000 سنة خلت، حينما كتبها وتداولها عالم الطبيعة الروماني، "بليني"، الذي كان في بعض الأحيان يَقصّ حكايات متوارثة لا سند لها. فإذا فكرنا في الأمر مَلِيًّا، فسنجد أن البِنْية الجسدية للنعامة من المُستبعَد أن تجعل منها كائنا يدفن رأسه في الرمل. فهي تمتلك ساقين عَظْميين طويلين يحملان جذعًا مثل طوف عائم كبير من اللحم والريش، ورقبةً مثل منظار للأفق، يعلوه رأس على شكل إسفين بعيون أكبر من عيون فيل وطول يبلغ حتى 2.75 متر.

في الواقع، تقوم النعامة في كثير من الأحيان بخفض رأسها عنـد الأرض -وليـس تحـتها- لتـتغذى على النباتات أو لتعتني بعُشّها. لكن رقبتها خفيفة ومرنة وتحوي 17 فقرة عنقية -مقارنة بسبعة لدى البشر- تتحرك بسهولة إلى الأعلى وإلى الأسفل ومن اليمين إلى اليسار ومن الأمام إلى الخلف. وتساعدها عيونها الضخمة على مراقبة الوضع حواليها من كثب. ولديها سبــب وجيــه لمراقبة الوضع والبقاء يقظة. فهي بالأساس دجاجة كبيرة الحجم (غير قادرة على الطيران) تعيش في موائل مأهولة بالأسود الجائعة والنـمــور والضـبــاع والكـلاب الــبرية الإفريقية والفهود الصيادة (الشيتا). وعـلى الـرغم من أن النعــامة البـالغـة ضخمــة الهيـأة إلى درجـة لا تجــعلها فريسة سهلـة المنـال -يمكـن لركلتها أن تكسر العظام وبوسع أكبر مخلبَيها أن ينزع أحشاء الخصوم- فإن قدرتها على الفرار أفضل بكثير من القتال، إذ تمتلك سرعة هروب قصوى تناهز الـ 70 كيلومترًا في الساعة.
وما يجعل النعامة يقظة كذلك، الأخطار الكثيرة المحدقة بنسلها. فهي تبني عشها -وهو مجرد رقعة أرض جرداء- في العراء، حيث يمكن أن يتهشّم بيضها من قِبَل أي فيل، فضلا عن وجود الحيوانات المفترسة الجائعة. (وعليها هي نفسها أن تحتاط من الحيوانات المفترسة). ويتطلب إتمام فترة التعشيش والحضانة بنجاح حظًا بعيد الاحتمال. إذ ينبغي لهذا الطائر الأكبر على وجه الأرض، وأحد أبرز الطيور مظهرًا، أن يُبقي على عشه بعيدًا عن الأنظار -أو يذود عنه باستماتة- مدة تتجاوز الشهرين، من وضع أولى البيضات إلى موعد الفقس. ويُعدّ فشل النعامة في ذلك أمرًا شائعًا؛ وهذا هو الدافع الأساسي وراء سلوك التعشيش الجماعي الذي تتقنه. من الأماكن الأنسب لمشاهدة النعام، "منتزه تارانغيري الوطني" في شمال تنزانيا. تبلغ مساحته 2850 كيلومترًا مربعا من التلال الجافة والسهول العشبية على طول نهر "تارانغيري". وتنتشر الفيلة ههنا ضمن قطعان كبيرة، إلى جانب الآلاف من حيوان الحمار الوحشي والظبي الإفريقي. النعام شائع أيضا، ولكن عندما انضممت لعملية بحث عن أعشاشه مع "فلورا جون ماغيغي"، خبيرة سلوك النعام وعالمة البيئة المتخصصة في الحيوانات البرية لدى "جامعة دار السلام"، كان أول عش اكتشفنا.. فاشلًا.
إذْ كانت هناك تسع بيضات متناثرة على مساحة تناهز الـ 25 مترًا. شرعت ماغيغي في تمشيط المنطقة كأنها محقق يعمل في مسرح جريمة قتل. أشارت إلى كشط خافت في التراب حيث كان العش، وإلى جواره جُحر خنزير أرضي حُفِر حديثًا. اعتقدت العالمة أن الخنزير لم يكن مذنبا. فمن المرجح أن العش دُمّر من قِبَل حيوان مفترس جائع، ولكنه ليس كبيرًا، لأن جميع البيض كان لا يزال سليمًا. ربما كان ابن آوى إذن؟ على أي حال، فقد هجر ذكر النعام وأنثاه المكان، كما يفعلان في الغالب عندما يُعبَث بعشهما. ومن الممكن أنهما سيُنشئان معًا عُشًّا مرة أخرى. على أن النعام يعيش في موســم التوالد حالــةً محمومــة من الفوضى الجنسية؛ إذ يسعى كــل مــن الذكـر والأنثى إلى التزاوج مع شركاء متعددين. ولا شك في أن لديهما أسبابهما الخاصة. ولكن من منظور تطوري، فإن تلك التعددية الجنسية تشكل طريقة لإدخال تنوع وراثي في أكبـر عدد ممكن من الأعشـاش من أجــل التعـويض عـن فشـل جُلّها.
في الساعة 10:30 من صباح أحد الأيام، لَمَحنا ذكرًا وأنثى يتزاوجان على بعد 500 متر عن الطريق الرئيس للمنتزه. ثم انفصلا عن بعضهما بعضًا. وبينما طفق الذكر يمشي، تبعته تلك الأنثى واثنتان أخريان. وسرعان ما شرعت إحدى هاتين الأخيرتين في مغازلته، مُفرِدةً جناحيها وهي تهزّهما مثل كرتين منفوشتين مزركشتين. في موسم التوالد، يمكن للإناث إنتاج بيضة واحدة في أحشائهن كل يومين اثنين، وتبقى الحاجة ماسة إلى تخصيبها من قبل الذكور. لكن غالبا ما يكون هناك نقص في عدد الذكور، ربما لأن الغيرة تدفع هذه الأخيرة إلى حراسة مجال نفوذها "الجنسي"؛ ممّا يجبر بعض المنافسين على الهجرة بعيدًا. لِنَعُد الآن إلى مشهد المغازلة.. حيث تَجاهل الذكر تلك الأنثى. تابعَت مجموعة النعام هذه سيرها على طريق متعرج مرورًا بأشجار سنط باسقة منتشرة وأشجار باوباب ذات جذوع ضخمة تعج بندوب خلّفها الكشط المتواصل للأفيال. على جانب الطريق، حاولت الأنثى إغراء الذكر مرة أخرى، إذ طفقت تهز جناحيها وكأنها ترتعش. هنالك مرت مركبة سفاري مسرعةً فألقت بسحابة من الغبار على العَرض الرومانسي للأنثى. واصل الذكر سيره غير عابئ بها؛ لكنها لم تفقد عزمها إذ اتخذت من الغبار ذريعة لتتقدم في السير أمامه خافضةً جناحيها المرتعشين. "لكنه لم يقتنع بعَرْضها"، تقول ماغيغي.
استغرق عرض الغزل والإغراء ذاك أكثر من ساعة. بعدها، شقّت المجموعة طريقها إلى شط رملي عند نهر تارانغيري. وبينما راحت الأنثى تمشي، خَرَّ الذكر على الأرض وقد أذعن لإغرائها أخيرًا. ثم بدأ يقدم عرض ما قبل التزاوج الكامل، مثل عازف قيثارة يهز برأسه متفاعلا مع اللحن: الجناحان يتصاعدان بشكل لولبي، والجسد يتأرجح بشدة من جانب إلى آخر، فيما الرأس يتراجع عن الجسد وكأنه يرتد عن الأضلاع وهو يتمايل من جهة إلى أخرى. بعدها، راحت الأنثى تتجول، غير مبالية الآن. ولكنهما في نهاية المطاف اجتمعا في قاع النهر الجاف. تلوّى عليها الذكر مدة دقيقة أو دقيقتين وهي رابضة بشموخ على شاكلة "أبو الهول" ورأسها يناطح عنان الهواء. في تلك اللحظات من النشوة العارمة، اكتشفت الأنثى شيئًا لذيذًا على الرمال فمدّت إليه عنقها لتلتهمه. بعد ذلك، بدأت مجموعة النعام تشرب وتأكل على طول النهر وكأنه مشهد لنزهة نعام. حان موعد مغادرتنا -نحن أيضًا- لتناول طعام الغداء. وعندما توقفنا مؤقتًا لإلقاء نظرة أخيرة، كانت الإناث الثلاث تقترب من الذكر وهي تُفرد أجنحتها وتهتز بهدوء.

لقد تبعنا هذه المجموعة من النعام آملينَ أن تقودنا إلى عش، ولكن من الصعب رؤية عش النعام حتى عند معرفة موقعه تحديدًا. عادةً ما يحرسه الذكر بالليل، حيث يجلس رافعًا رأسه للمراقبة؛ فيما تتولى الأنثى حراسته نهارًا. عندما تُفرد ريش ذيلها إلى الأسفل خلفها وتدفع برقبتها الطويلة إلى الأمام، فإنها لا تبدو نعامةً بل مثل تلة نمل أبيض قديمة أو جذع شجرة. في بعض الأحيان، تكون أسهل طريقة للعثور على عش نعامة هي الجلوس والانتظار حتى تأتي إليه نعامة أخرى زائرة؛ وهو أمر يحدث على نحو متكرر يبعث على الدهشة. في ظهيرة أحد الأيام، اتخذنا موضع مراقبة في سهل مفتوح شاسع، وسرعان ما اكتشفنا موئل نعام مزدهر هنا. في مكان ما، كانت أنثى تجلس في عشها أمامنا. كان شريكها في التعشيش على بعد بضع مئات من الأمتار إلى اليسار ولم يكن يبدو عليه اهتمام كبير. ولكن عندما لاح في الأفق ذكرٌ آخر قادم على بعد كيلومتر تقريبًا، طفق يمشي إليه بطريقة حازمة، ثم بدأ يركض نحوه. فكما هو الحال لدى البشر، يمكن أن يتعايش تعدد الشركاء الجنسيين مع حـب التمـلك: فالذكـر المعشِّش يهدف إلى الاستئثار بشريكته ورفيقاتها معًا؛ وهذا يعني ضرورة صدّه الذكور المنافسة.
لكن ما يثير دهشة أكبر هو تعامل الشريكين المعششَين مع الإناث الزائرات. نَعْلَمُ أن أنواع طيور أخرى طورت آليات دفاع متقدمة لردع "طفيليات الحضنة"، أو تلك الطيور التي تحاول أن تتخلص من أعباء الأبوة والأمومة المملـة عن طريق دس بيضـها في أعشـاش طيـور أخـرى. لكـن النعـام مختـلف. فعندما تقترب أنثى دخيلة من أنثى معششة، غالبًا ما تقف هذه الأخيرة وتتنحى جانبًا لتسمح للزائرة بوضع بيضها في الحضنة نفسها. وتشير دراسات بهذا الشأن إلى أن الأنثى المعششة هي في العادة الأم البيولوجية فقط لنحو نصف البيضات التسع عشرة أو العشرين التي يمكنها احتضانها بنجاح، فيما تُسهم تلك الإناث الثانويات ببقية البيض. ليس ذلك من قبيل التطفل على الحضنات، بل إنه التعشيش الجماعي؛ وهو على غرار الاختلاط الجنسي، يتيح للنعام طريقةً لتحقيق النجاح التناسلي في عالم محفوف بالمخاطر. على أن ذلك لا يعني أن الأمور دائمًا ما تكون مفعمة بالود الأخوي والسعادة. فقد لا يكون لدى الأنثى المعششة خيارات كثيرة، حسب إفادة "بريان بيرترام"، عالم الأحياء الذي قدم أول وصف تفصيلي لسلوك التعشيش الجماعي، عام 1979. ويمكن أن يؤدي رفض الأنثى المعششة الأنثى الزائرةَ إلى نشوب صراع بينهما، ما يجتذب الأسود والحيوانات المفترسة الأخرى. ويمكن أيضا أن ينتج عنه كسر البيض -ومعظمه للأنثى المعششة- فتجتذب رائحته الضباع أو أبناء آوى. فضلا عن ذلك، فإن الأنثى الزائرة عادةً ما تتخذ وضعًا "متعملقًا" على الأنثى المعششة. إذ لاحظ بيرترام أنثى معششة تميل إلى البقاء جالسة، فيما ظلت الزائرة واقفة عندها تنقر على رأسها "برفق" ولكن بثبات مدة 20 دقيقة، إلى أن وقفت النعامة المعششة أخيرًا والغضب بادٍ عليها، فتنَحَّت جانبًا.
يقول بيرترام إن التعشيش الجماعي يوفر للشريكين المعششين فوائد "أنانية" معينة. فبالنسبة إلى الذكر، فإن مغامراته الجنسية تعني أنه ربما يكون الأب البيولوجي لنحو ثلث البيض الذي أضافته الإناث الثانويات إلى العش. أما بالنسبة إلى الأنثى المعششة، فإن وجود بيض إضافي في العش يقلل المخاطر التي تهدد بيضها الخاص. لا أحد يعلم كيف تستطيع هذه الأخيرة تمييز بيضها عن بيض غيرها في العش، لكنها عادة ما تحتفظ به في الوسط وتدفع ببيض الأخريات إلى موقع يسميه بيرترام "الحافة المعرضة للخطر". كما أن وجود مزيد من الفراخ معًا بعد الفقس يَحدّ من احتمال استهداف فراخها الخاصة من قبل الحيوانات المفترسة.

من أكثر الأشياء التي تذهلني بشأن النعام، فضلا عن حجمه، هي الشعور بأنه يتحرك حتى عندما يكون ساكنًا. وينسحب ذلك بصورة خاصة على الأنثى، لأن لونها البني المُصفَر يجعل رفرفة ريشها وخفقانه أوضح وأبرز. أما ريش الذكور ذو اللونين الأسود والأبيض فقد يبدو للناظر مشدودًا أكثر، مثل بدلة رسمية. ولدى كلا الجنسين ريش طويل وممتلئ بشكل يدعو للدهشة، خاصة في الجناحين والذيل. لكنهما يفتقران إلى الخطافات الصغيرة التـي تربـط الريـش بعضـه ببـعض لـدى جـلّ الطـيور الأخرى. وذلك ما يمنح النعام ميلًا آسرًا للانجراف والتهادي مع نسيم الهـواء. ولـه وظيفة عمليـة كـذلك: إذ يمكن للنعامة أن ترخي الريـش لمساعدتهـا في تبديـد حـرارة الجـسم، أو تـشده للحفاظ على الحرارة. وهذا المظهر المكشكَش كذلك هو تلك الميزة التي جعلت عالم الأزياء البشرية يهيم حُبًّا بريش النعام تارةً وينبذه تارةً أخرى. يمر الطريق إلى مركز تجارة النعام عبر ممر ضيق من الصخور الحمراء في جبال "سوارتبورغ" في "إقليم "كيب الغربي" بجنوب إفريقيا. أسفل من ذلك الصدع الطبيعي، تنتشر حقول مزروعة في شكل رقع عبر هضبة شبه جافة تحيط بها الجبال الوعرة. ههنا تقبع منطقة "ليتل كارو" التي تُعد مَوردًا نائيًا معزولًا وغير متوقَّع للإكسسوارات الريشية التي ترتديها الطبقة الاجتماعية الراقية في سباقات الخيل بإنجلترا، وكذا فتيات الاستعراض في مدينة لاس فيغاس. لكن المنطقة المحيطة ببلدة "آوتسهورن" ظلت تشكل القلب النابض لتجارة النعام في العالم منذ أكثر من 150 عامًا.
ولقد أسهم المزارعون في هذه المنطقة بتربية النعام بدءًا من ستينيات القرن التاسع عشر، عندما كانت تجارة الريش تدفع النعام دفعًا إلى الانقراض في بعض المناطق. ولعل الطبيعة الجماعية للنعام قد زادت من قابلية عيشه في الأسر. كما ساعد في ذلك عجزه عن الطيران أو القفز. وتؤوي الحقول (أو "المخيمات") المحاطة بسياجات من أسلاك يصل ارتفاعها إلى الصدر، آلاف النعام الذي يبدو في تناغم جلي، وينتشر أحيانًا مثل قطع شطرنج ريشية، وأحيانًا أخرى يجلس في مجموعات. وقد أتاح التطور للنعام التأقلم على نحو جيد مع الغطاء النباتي شبه الصحراوي في "ليتل كارو" التي أثبتت أيضا أنها مثالية لزراعة بقع خضراء براقة من البرسيم المروي، وهو الغذاء المفضل للنعام المربَّى في الأسر. يتجول المزارعون في تلك المخيمات كل يوم خلال موسم التكاثر، حيث يجمعون البيض لتسليمه إلى وحدات الحضن التجارية: 112 بيضة لكل رف، و 1008 بيضات لكل وحَدة، تدور ببطء، عند 36 درجة. يقول "ساغ يونكر"، وهو مزارع محلي بارز، "في اليوم 42، يخترق الفرخ جيبًا هوائيا في البيضة، ويستنشق الهواء، ومن ثم يحصل على القوة لاختراق القشرة". قد يعيش الفرخ عامًا واحدًا إذا رُبِّي للحصول على لحمه وجلده؛ وقد يعيش حتى 15 عامًا إذا رُبِّي لأجل ريشه؛ إذ يُنتَف الريش كل تسعة أشهر تقريبًا.
ولطالما شكلت تجارة النعام نشاطًا لا يمكن التنبؤ به، حيث تتقلب الأسعار بشدة حسب هوى الموضة العالمية. وتشهد هذه التجارة اليوم منحى متدنيا؛ لذا سمعتُ يونكر وزوجته، "هازل"، يتحدثان بأمل وتفاؤل عن عشق "كيت ميدلتون" لقبعات ريش النعام وعن الوقت الذي ستعود فيه ماركة "لويس فيتون" إلى استخدام جلد النعام في صنع حقائبها. وقد بدأ العصر الذهبي لتجارة النعام وآوتسهورن في عام 1870 تقريبًا، إذ غذّاه الطلب على ريش النعام في قبعات النساء الحريصات على الموضة. ولا تزال "بيوت الريش الفارهة" من تلك الحقبة تزين شوارع آوتسهورن بأبراجها وشرفاتها الملفوفة وزخارفها الفاخرة المعروفة محليا باسم دانتيل "برويكي"، وهي كلمة أفريقانية تعني الملابس الداخلية للنساء. إن هذه البيوت الشبيهة بالقصور مقياسٌ لمدى ازدهار تلك التجارة، إلى درجة أنه في عام 1912، لم تكن البضائع النفيسة التي حملتها سفينة "تايتانيك" ماسًا أو ذهبًا بل 12 حاوية من ريش النعام بلغ سعرها ما يعادل 2.3 مليون دولار بقيمة اليوم. لكن انتهى كل ذلك، في عام 1914، عندما أزاحت الحرب العالمية والسيارات ذات السقف المفتوح، القبعاتَ الكبيرة المزيَّنة بريش النعام من عرش الموضة العصرية على نحو مفاجئ.
في صبيحة يوم في آوتسهورن، قابلت "موريس 'ميكي' فيش"، وهو مربي نعام متقاعد وأحد المتبقين من الجالية اليهودية التي كانت تسيطر في السابق على تجارة النعام العالمية انطلاقًا من آوتسهورن. وقد بدأ المهاجرون اليهود، بعدما نزحوا من أوروبا بسبب القمع السياسي والاقتصادي، بالوصول إلى هذه المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر. ".. وقد استقبلهم الأفارقة بحرارة. واستضافوهم في منازلهم، عدة أيام في بعض الأحيان"، يقول فيش. وكان المهاجرون الأوائل ميالين إلى البيع بالتجوال. لكن الذين جاءوا من بعدهم كانوا كثيرًا ما يتاجرون في البضائع الخام أو الملابس؛ وأتاح لهم شتات الجاليات اليهودية عبر العالم نسج روابط مع العاملين بهذه الحِرَف في لندن ونيويورك ومدن كبيرة أخرى. وهكذا نمت تجارة ريش النعام نموا كبيرًا في آوتسهورن من خلال تلك الروابط، ضمن شبكة امتدت من مشتري الريش الناطق باليديشية (لغة يهود أوروبا) الذي يسافر من مزرعة إلى مزرعة، وصولًا إلى الحِرَفيين الذين كانوا يصنعون منتجات ريش النعام، ومنهم إلى تجار التجزئة الذين كانوا يبيعونها. وفي ذروة هذه التجارة، عاشت المئات من العائلات اليهودية في آوتسهورن، حيث دعمت كنيسَين يهوديين.

تناول فيش كتابًا مفتوحا عن التاريخ المحلي وأشار إلى صورة جدِّه الذي يحمل الاسم نفسه، "موريس ليبشيتز"، ثم قال: "لقد كان أكبر مربي نعام في العالم. عندما توفي عام 1936، كان يمتلك 35 مزرعة". وتحتوي "دار مونتاغ"، وهو البيت الفاره الذي بناه من تجارة ريش النعام، على قاعة رقص وقبو شراب وحوض استحمام بسعة 1500 لتر مرصص بالرخام الإيطالي الفاخر. لا يزال هذا البيت قائمًا، لكنه اليوم مقسَّم إلى مطعم ومتجر ومسكن وعيادة طبيب. وتسهر على تسيير تجارة النعام شركةٌ تعاونية علمانية؛ وتضاءلت أعداد العائلات اليهودية إلى حد كبير، حتى إن الكنيس الوحيد المتبقي صار يُضطر لجلب المصلين اليهود من المنطقة المجاورة لبلوغ النصاب اللازم لإحياء الأيام المقدسة. وبعد 50 عامًا من تربية النعام، ترك فيش أيضا هذا النشاط، من دون أسف، كما يقول. وتتسق وجهة نظره عن النعامة مع ما ورد في "سِفْر أيوب" الذي ينعتها بكونها "لم تُؤتَ" الحكمة، وبأنها لا تكترث حتى لرفاهية نسلها. فالنعامة، كما يقول فيش، "طير غبي ولا شيء فيه سوى الريش الجميل".
لم أسأله عن مهارات النعام في تربية فراخه، لكن كانت لدي فرصة لأكتشف ذلك بنفسي بعد فترة وجيزة. ففي صبيحة يوم لدى "محمية دي هوب الطبيعية" في الطرف الجنوبي لإفريقيا، رُحتُ أشاهد ذكر نعام وأنثى يتغذيان. كانا يشاهداني أيضا، ولكن بعد فترة طفقا يسترخيان؛ بعدها -وكما لو كان ذلك وفق إشارة محددة- خرجت تسعة فراخ نعام من مخبئها. إنها مخلوقات صغيرة ممتلئة الجسم، في أسبوعها الأول أو الثاني، تشبه طائر "الدودو" ولديها رقاب مرقطة قصيرة وهُلب تتعرج على أجسامها. بدأت الفراخ تتغذى، فيما الأبوان يتبعانها من قرب وهما يتغذيان أيضا. وبعد فترة وجيزة، اقتربت ثلاثة قرَدة "بابون" قاتلة عبر أحد الحقول. حملق فيها ذكر النعام بغضب ثم ركض نحوها محاولًا إبعادها. ظلت القرَدة تعود مرارًا وتكرارًا، ولكن الذكر كان يصدها في كل مرة. ثم طفقت كتيبة بابون كاملة تتجه نحو مكان التعشيش. هنالك احتشدت الفراخ مع بعضها بعضًا وقد امتلأت رعبًا، فيما وقف الذكر وأنثاه يرقبان هؤلاء المتسللين بعيون غاضبة. وبتدبّر وحذر، مرت قردة البابون وهي تجول بناظريها في مكان آخر، كما لو أن شطيرة نعام هي آخر شيء في أذهانها.
ما إن ابتعدت قرَدة البابون حتى بدأت السماء تُمطر زخاتٍ عاصِفة، من النوع الشائع في الساحل. عندها جلس الذكر والأنثى على الفور ورفعا جناحيهما إذ هبّت إليهما الفراخ وهي تتسابق من أجل الحصول على غطاء. كان كثير منها يطل من تحت الجناح الأيسر للأب حتى إنها بدت مثل خنازير صغيرة ترضع. ثم مـا لبث الأب أن خفـض جنـاحيه فاخـتفت الفراخ بالكامل محتميةً من المطر. وعندما توقف هطول المطر أخيرا، أطل أحد الفراخ برأسه من خلال ريش الجناح ونظر حواليه، مرتديًا والديه مِعطفًا. إنه مشهد مخالف تمامًا لدفن الرأس في الرمال. عندما تحسن الطقس قليلا، تسلل هذا الفرخ، وهو جاف ودافئ، ليخرج إلى العالم مرة أخرى. قد لا يرى بعضنا أي ذكاء في هذا المشهد، لكنه يشير إلى نوع من العبقرية في البقاء على قيد الحياة. هنالك غادرتُ المكان وأنا أفكر في أننا يجب أن نكون جميعًا آباء صالحين.. تمامًا مثل النعام.
موضوعات ذات صلة
  • مرّ العام.. مرور الطير

    في خضم التناقص المستمر لأنواع الطيور، انضمت ناشيونال جيوغرافيك إلى "جمعية أودوبون الوطنية" و"جمعية الطيور العالمية" و"مختبر كورنيل لعلم الطيور" لتسمية

  • طيور على مائدة القطط

    تقتل القطط مليارات الطيور. ولكن هل يجب قتل القطط لإنقاذ الطيور؟ ثمة عاشقٌ لهما معًا يقترح حلا أفضل. يحب قطي، "بيرنستين"، مشاهدة الطيور بقدٍر يقارب

  • أبوظـبي.. ملاذ "اللوهة" الآمـن

    في شهر أكتوبر من كل عام، تحتشد أسراب هائلة من طيور "الغاق السقطري" (المسمى علميًا Phalacrocorax nigrogularis) للتكاثر على جزر أبوظبي بدولة الإمارات ال

  • النحّام يَأنس بأصدقائه

    اكتشف العلماء حديثًا أن أيقونات عالم الطيور ذات الريش الوردي (أي النحّام) تُنشئ علاقات صداقة طويلة الأمد، أساسُها الإخلاص. وتتباين روابط طيور النحام؛

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ