إطعام التنين

بقلم: تريسي ماك ميلان

عدسة: جورج ستاينميتز

أحسستُ وأنا أشاهد "جيانغ وانيان" وزوجته "بينغ تسويشيانغ" وهما يجنيان سُدُس فدان من محصول الدايكون في إقليم "غانسو" وسط شمال الصين، كأنّي أسافر عبر الزمن إلى الماضي.

في واد جاف تحفّه جبال قاتمة، على أرض معبدة بالطوب، كان جيانغ يسوق جرارا صدئا يحصد نباتات دايكون يابسة تبلغ الخِصر طولا. وكلما وقعت النباتات، غرست فيها بينغ مذراة محلية الصنع، لتجهيزها لمرور الجرار مرة أخرى. وفي نهاية المطاف، ينضم الزوجان إلى بعضهما بعضاً للعمل معاً، بوجهين نحيفين أسمرين. كان اليوم قائظا، ومع ذلك كانا يرتديان ثيابا على ثياب لتقيهما الغبار ولفحات الشمس. وجهاهما وسيمان خطّت تقاسيمهما سنوات من العمل الشاق في الهواء الطلق. كانا يرفعان وجهيهما كلما ألقيا الهشيم في الهواء يراقبان البذور تتهاوى. واصلا العملَ على هذا النحو ساعات. راحت بينغ تصدر صوتاً غنائياً رتيباً تحث به الرياح على الهبوب، فتهمس "ألا هُبّي، هبّي!". بإمكان الآلات إنجاز هذا العمل في دقائق معدودات، إلا أن جيانغ وبينغ لا يستطيعان إلى شرائها سبيلا، لذلك ما زالا يَدرسان الدايكون باليد، كدأب المزارعين قبل قرون.
يمثل جيانغ وزوجته بينغ فصلا من فصول حكاية الصين ومزارعها. تقل مساحة ما يزيد على 90 بالمئة من مزارع الصين عن هكتار واحد، حيث يُعَد متوسط حجم المزارع من بين الأصغر في العالم. لكن ليس هذا مجمل الحكاية. ففي غضون العقود الأربعة الماضية، لحقت الصين بركب التطور الزراعي الذي استغرق الغرب 150 عاماً لتحقيقه؛ بل وزادت عليه لمساتها الخاصة. وأضحت كل ضروب الزراعة تُمارس هناك اليوم: مزارع عائلية صغيرة، ومصانع تهييء اللحوم والألبان، ومزارع مستدامة ذات تقنية متطورة، بل ومزارع عضوية في المناطق الحضرية.
لكن الصين اليوم تواجه إشكالية عويصة تتجلى في إطعام نحو خُمس سكان العالم بالاعتماد على أقل من عُشر مَزارٍعه، مع مسايرة الأذواق المتغيرة. قبل ثلاثين عاماً، عاش نحو رُبع سكان الصين في المدن، لكن هذه النسبة ارتفعت إلى 57 بالمئة مع حلول عام 2016، فصار أهل الحواضر يعيشون في بلد أغنى موارد وأكثر تطوراً تقنياً وذي نظام غذائي يزداد شبها بنظيره الغربي. إذ ارتفع استهلاك الصينيين للحوم بمقدار ثلاثة أضعاف عمّا كان عليه الأمر عام 1990؛ وتضاعف استهلاك الحليب ومشتقاته أربع مرات بين عامي 1995 و 2010 في أوساط سكان المدن، فيما زاد بنحو ستة أضعاف لدى سكان الأرياف؛ وارتفع ما تشتري الصين من الأغذية المصنَّعة بمعدل يناهز الثلثين بين عامي 2008 و 2016.
بالنظر إلى تواضع موارد الصين الزراعية، فإن تلبية حاجات هذا النظام الغذائي الجديد تستلزم التوجه إلى الخارج، فيقود الحكومة لحث الشركات الصينية -ومساعدتها- على اقتناء أراض زراعية وشركات غذائية في بلدان كالولايات المتحدة وأوكرانيا وتنزانيا وتشيلي. لطالما تغنّت الصين بالاكتفاء الذاتي من الحبوب الرئيسة -الأرز والذرة والقمح- من منطلق الأيديولوجيا والاستجابة لمبدأ العزلة السياسية؛ فكان لذلك التوجه تداعيات على الحقول في البلد أيضا. في عام 2013، ناقش الرئيس الصيني "تشي جين بينغ" السياسة الغذائية مع مسؤولين ريفيين فقال لهم: "ينبغي أن تكون أطباقنا ممتلئة بالغذاء الصيني أساسا"، وهذا ما يثير السؤال الصعب: إذا كان الصينيون ينوون الأكل مما تصنع أيديهم، وتناول كميات أكبر كالأميركيين؛ فكيف سينعكس ذلك على طرائق زراعتهم؟

قد يبدو التباين بين العرض الزراعي والطلب في الصين عَقَبة يستحيل تجاوزها؛ فثمة 135 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة التي يعاني منها حوالى 15 مليون هكتار التلوثَ، أو تُركتْ جانبا من أجل الاستصلاح. وثمة 1.4 مليار نسمة تنتظر من يطعمها، لكن من شبه المستحيل أن تُستنسخ في الصين تجربة المزارع العملاقة التي تُطعم المستهلك الغربي، ومَرَدُّ جزء من ذلك إلى كون مساحات شاسعة في الصين ذات طبيعة جبلية أو صحراوية، فضلا عن توزّع الأراضي الزراعية على قرابة 200 مليون مزرعة. إن المشهد الزراعي في الصين مجزأ متشظٍّ أكثر منه موحد.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ