المرأة.. فـي الطليـعة

قلم: رانيا أبو زيـد

عدسة: أندريا بروس

أحرزت النساء في كل من بوليفيا ونيوزيلندا وأفغانستان مكتسبات عظمى على درب نيل السلطة السياسية. لكن كثيرات منهن ما زلن يواجهن مقاومة ثقافية -بل حتى العنف أحيانا- مع تنامي نفوذهن.

اعتقدت العمدة البوليفية أنها ميتة لا محالة.
كان ذلك يوم 6 نوفمبر 2019، حين أُضرمت النار في مبنى البلدية إثر انتخابات رئاسية مثيرة للجدل في شهر أكتوبر، تلتها موجة احتجاجات أطاحت بالرئيس "إيفو موراليس". نجت "ماريا باتريسيا آرسي غوزمان" من الدخان وحاولت جاهدة تفادي الحشود الهائجة خارج المبنى. آرسي هي عمدة مدينة فينتو -التابعة لمقاطعة كوتشابامبا- وعضو حزب موراليس، "الحركة نحو الاشتراكية" (أو "ماس" اختصارًا). هنـالك أطلقت آرسـي -البالغة من العـر 48 عامًا- ساقيها للريح، رغم آلام في الركبة؛ فظلت تركض في شوارع مدينة فينتو حيث شغلت منصب العمدة منذ يونيو 2015. فقدت حذاءها، ومع ذلك لم تتوقف. بعدها، "أمسكوا بي وطفقوا يهتفون بأنّي قاتلة"، كما أخبرتني فيما بعد. هنالك بدأت محنة دامت ساعات. فلقد غمرها المحتجون بالبنزين، وفاحت منها رائحة البول والسائل المُبَيِّض. وتعرضت للرفس والضرب بالعصي والرشق بالحجارة، وسُحبت حافية القدمين نحو موقع قُتَل فيه شاب عشريني يدعى "ليمبيرث غوزمان فاسكيس"، خلال اشتباكات بين أنصار الرئيس اليساري المخلوع وخصومهم من اليمين. اتهم معارضو موراليس آرسي بدعم وتمويل اليساريين المتورطين في أعمال العنف التي أودت بحياة الشاب. تقول آرسي: "ظننتهم سيقتلونني، ويضرمون النار في جسمي".
سكب عليها رجل طلاء أحمر، وقصت امرأة شعر آرسي العسلي الذي بلغ الخصر طولًا. "أحسستُ كما لو أنها كادت تنزع فروة رأسي". هدد بعض من في الحشد بأنهم سيقتلون ابنيها، وطالبها آخرون بالاستقالة وإدانة موراليس الذي أُعلن فائزًا بالانتخابات وسط مزاعم بتزويرها. وسرعان ما استقال موراليس بعدما فقد دعم الجيش والشرطة. راجت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو أظهرت آرسي في وضع صعب وقد أحاط بها محتجون ملثمون، ومع ذلك ظلت رابطة الجأش. قالت في أحد المقاطع: "لن أصمت. وليقتلوني إن أرادوا". أخيرا، قام أشخاص لا تعرفهم بإبعادها على متن دراجة نارية وسلموها للشرطة من أجل حمايتها. كشف الهجوم على آرسي عمق الانقسامات المريرة في المشهد السياسي البوليفي؛ لكنه كذلك ألقى الضوء على مفارقة مفادها أن بوليفيا التي تشتهر بتشجيع تمثيلية النساء في الهيئات الحكومية الوطنية والمحلية، هي نفسها من أخطر البلدان على النساء في أميركا الجنوبية. إذ تسجل بوليفيا أعلى معدل لقتل الإناث (قتل النساء بسبب جنسهن) في القارة؛ بواقع 2.3 جريمة قتل بين كل 100 ألف امرأة عام 2018. فيما شهد عام 2019 مقتل 117 امرأة. وتشير التقديرات إلى أن 70 بالمئة من البوليفيات تعرضن للاعتداء الجنسي أو البدني.
ولذلك السبب تقول آرسي ونساء أخريات كثيرات في عالم السياسة ببوليفيا، إن ذلك الهجوم نابع جزئيا من الثقافة الذكورية السائدة؛ وهي تمظهر للتحيز الذي يتحدى القيادات النسائية في بلدان العالم، ومنها بوليفيا حيث ينص قانون صدر عام 2010 على إلزامية تمثيل النساء ما لا يقل عن نصف المرشحين الحزبيين للمناصب الفدرالية والولائية والمحلية. وتشغل النساء اليوم 53 بالمئة من مقاعد المجلس التشريعي الوطني في بوليفيا. لمّا تعرضت آرسي للاعتداء، كانت ثلاث نساء أخريات من حزب موراليس يشغلن مناصب عمدة في مقاطعة كوتشابامبا، لكنها كانت الوحيدة التي استُهدفت جسديا. تُرجح أن ذلك راجع إلى برامج لتمكين النساء كانت قد ناصرتها، وتَخَصّ تدريبات مهنية مَهَارِية من قبيل نسج السلال ودروس الطهي، غايتها تعزيز الاستقلال المالي للنساء. تقول آرسي إن تلك البرامج لم تحظ بشعبية لدى بعض الرجال. ويتهمها المنتقدون أنها توظف الموارد العامة للتحريض على العنف، وهو ما تنفيه قائلة إن "ثمة كثيرا من النزعة الذكورية. أعتقد أنهم أرادوا تلقيني درسا وجعلي عبرة لغيري". عادت آرسي إلى مكتبها في كوتشابامبا بعد أسابيع على تعرضها للهجوم، لتكمل فترة انتدابها. صباح يوم حار من ديسمبر، جلست إلى مكتبها -وقد بدأ شعرها البني الداكن ينمو- وكان أطول قليلا من شعر حليق. حدثتني فقالت: "ما زال الخوف حاضرا. لا أشعر بالأمان هنا".
غُطيَت نوافذ مكتبها بقطع بلاستيك ترفرف بلطف بعدما حُطم زجاجها إبّان أعمال الشغب. وزينت صور موراليس الجدران، ولم تكن هناك صور لخليفته المحافظة، "خيانين أنييز"، التي لا تؤيدها آرسي. ذرفت آرسي الدموع وهي تتحدث عن مَنصبها: "لقد ناضلنا نحن النساء للحصول على مساحة [سياسية]، ولا سبيل إلى التخلي عنها. لو غادرتُ وتركتهم ينتصرون، فأي رسالة ستصل إلى الناس.. إلى أولئك النساء اللواتي أحثهن على مواصلة المسيرة؟".

لطالما تعرضت النساء الطامحات إلى السلطة السياسية للمقاومة على مر التاريخ وفي كل بقاع المعمورة، وتراوحت تلك المقاومة بين الافتراء الصّرف والاغتيال. صحيح أن النساء حققن مكاسب جمة، لكنهن ما زلن يواجهن عراقيل مألوفة، ولا تُستثنى من ذلك بلدان منحت المرأة سَهمًا أكبر في تدبير الشأن السياسي. وفي أزيد من نصف دول العالم، ومنها بوليفيا ودول تمزقها الصراعات كأفغانستان والعراق، فإن حصص النوع -أو الجندر- التشريعية تضمن للنساء المشاركةَ السياسية الرسمية. لكن هذه الحصص مشوبة بالقصور، إذ تُنتَقد في بعض الديموقراطيات الليبرالية بكونها غير ديموقراطية، وتمييزية، وتُتَّهم بتقويض مبدأ الاستحقاق بتفضيلها النساءَ على الرجال على أساس الجنس فقط. وكما هو الحال في بوليفيا، فإن تلك التشريعات -بالمقابل- لا تَحُول دون اتّخاذ نقد النساء في مواقع المسؤولية نبرةً سيئة ذات تمييز جنسي بين الفينة والأخرى. ثمة أيضا تفاوتات بنيوية تاريخية في الأنظمة السياسية القائمة على الاستحقاق بصرف النظر عن الجنس. وهذه الأنظمة التي لا تتبنى معيار الحصص، كالولايات المتحدة، قد تمنح الأفضلية للفئات المهيمنة داخل المجتمع، كالذكور والبِيض والأثرياء. ويشكل تجاوز العراقيل لولوج عالم السياسة أحد التحديات؛ ويكمن الثاني في ما يمكن للمرأة أن تفعله -أو ألّا تفعله- حين توليها دفة القيادة. قد يُدرج دخول النساء إلى حزب أو برلمان ضمن خانة المساواة بين الجنسين، وقد يظل مجرد رمز إذا نُظِر إلى السياسيات ولم يُسمع صوتهن إلا لماما. فضلا عن ذلك، تطرح أسئلة حول أي النساء يصل إلى ردهات السلطة، وعن مدى تمثيلهن لغيرهن؛ وهي أسئلة تهم دولا كثيرة، منها نيوزيلندا وأفغانستان. ورغم الترهيب والعنف وعراقيل أخرى، فإن النساء حول العالم يعتصمن بمواقفهن في سبيل أخذ زمام السلطة السياسية وتعزيزها.

وقد أحرزت بعض الحكومات تقدما كبيرا على صعيد مشاركة النساء في السياسة من دون اعتماد نظام الحصص. وتحتل نيوزيلندا، وهي أول دولة منحت المرأة حق التصويت، عام 1893، المرتبة 20 عالميا فيما يتعلق بإدماج المرأة في البرلمان. وتأتي الولايات المتحدة في المركز 81، وفقا لـ "الاتحاد البرلماني الدولي"، المنظمة العالمية التي تتخذ من سويسرا مقرا لها. لكن دخول البرلمان ليس سوى جزء من التحدي. ففي بعض البلدان لا يُترجم وجود المرأة في مواقع صنع القرار إلى مساواة أكبر بين الجنسين. وبالنسبة إلى بعض النساء، كالبرلمانيات العراقيات، فإن الوجود في موقع السلطة لا يعني دائما حيازة السلطة.
وكان العراق فيما مضى في طليعة الركب في مجال حقوق المرأة في الشرق الأوسط. إذ قَيَّد "قانون الأحوال الشخصية" لعام 1959 تعدد الزوجات وزواج الأطفال وجرَّم الزواج القسري وحَسَّن حقوق المرأة عند طلاقها وحضانة الأطفال والميراث. وكرَّس دستور 1970 الذي دبَّجه "حزب البعث" العلماني بقيادة "صدام حسين" تساوي جميع المواطنين في الحقوق. وزادت معدلات محو الأمية في أوساط النساء وتعليمهن ومشاركتهن في القوى العاملة، بفضل سياسات سخية من قبيل مجانية رعاية الأطفال، وإجازة الأمومة مدة ستة أشهر مدفوعة الأجر. لكن، ما لبث ذلك الزخم أن انقلب بسبب العقوبات الدولية وعقود من الحروب المتتالية. كان صدام حسين ديكتاتورا، إلا أن سقوطه عام 2003 فسح الطريق لصعود برلمانيين ورجال دين محافظين سعوا إلى الاقتطاع من حقوق المرأة. تقول "هناء أدور"، التي تنشط في مجال حقوق الإنسان منذ ما يزيد على 50 عامًا، إن الأحزاب السياسية الدينية "لا تؤمن بتولي النساء مناصب رفيعة". وينص دستور عراق ما بعد عام 2003 على تخصيص رُبع مقاعد البرلمان للنساء، لكن -كما تعلم النساء في كل مكان- وجودهن في الغرفة لا يعني بالضرورة الإنصات إليهن. تقول "نورة البجاري"، برلمانية من الموصل انتُخبت أول مرة عام 2010، إن الكتل والأحزاب الدينية المهيمنة في البرلمان "تعد وجود النساء في المجلس مسألة أرقام فحسب، ولا دور لهن في صنع القرارات الكبرى".
لا وجود للنساء في الحكومة العراقية أو أي مناصب رفيعة. وتقــول البجـاري إن البرلمانيات العراقيات لسن حليفات. "ينبغي لي أن أكون صريحة؛ فنحن النساء لا ندعم بعضنا بعضا أو أنفسنا، بسبب الغيرة والأنانية والمنافسة". وتقول أدور إن المُشَرِّعات العراقيات البالغ عددهن 84 قد يشكلن كتلة مهمة في برلمان يتألف من 329 مقعدًا إنْ اجتمعن على كلمة سواء. وإلى حدود عام 2018، أخفقت كل محاولات تشكيل تجمع نسائي في البرلمان. شاركت أدور في تأسيس العديد من الهيئات من قبيل "جمعية الأمل" عام 1992، و"شبكة النساء العراقيات"، وهي ائتلاف يضم أزيد من 90 منظمة نسائية. تحاول أدور تغيير المواقف في البرلمان عبر ورشات لمُشرعين ذكور وإناث حول التمكين السياسي وقضايا المرأة. تقول: "نحن لا نقصد المواجهة بقدر ما نسعى لإنشاء قناة تعاون حتى مع الذين يعارضون مواقفنا". وقد بدأت أدور تجني ثمار عملها. إذ تقول: "كان بعضهم متدينين؛ وقد وغيروا أفكارهم. لكن المشكلة لا تكمن في إحداث التغيير، بل في الأصوات العالية لمن يعارضون التغيير. إنهم مجموعة صغيرة جدا، لكنهم في غاية العدوانية، ويحاولون إسكات باقي الأصوات". تقصد أدور بكلامها أشخاصا كالبرلمانيين المحافظين الذين أقدموا عام 2014 على دعم مشروع قانون عُرف باسم "قانون الجعفري"، من بين مواده البالغ عددها 254 بند يقضي بإضفاء الشرعية على زواج الفتيات في سن التاسعة، فيما يعفي بند آخر الزوجَ من النفقة على زوجته إن كانت أصغر سنا أو أكبر من أن تلبي رغباته الجنسية. كانت ناشطات حقوق المرأة القوة الدافعة لمعارضة مشروع القانون هذا، ونجحن في حذفه من جدول أعمال البرلمان، كما أجهضن محاولة أخرى عام 2017 لتمرير مشروع مماثل. تقول أدور: "لقد أججنا الرأي العام ضده. وسعدت كثيرا لما علمت أن أصواتنا لم تكن الوحيدة؛ فأصوات الرأي العام في العراق عارضت المشروع بشدة. كانت تلك أسعد لحظة".

واجهت الأفغانيات، على غرار نساء العراق، عقودا من الحروب والتدخلات العسكرية الأجنبية وصعود "حركة طالبان" المتشددة ثم أفول نجمها وعودتها إلى الواجهة مرة أخرى، وتفاقم عدم الاستقرار السياسي وغياب الأمن. لكن بعض الأفغانيات -وعلى خلاف البرلمانيات العراقيات اللائي تأخرن في تشكيل مجلس نسائي- استطعن إنشاء تجمع نسائي منذ أزيد من عقد من الزمن. وتُخصَّص 27 بالمئة من مقاعد مجلس النواب الأفغاني للنساء، أي 68 مقعدا من أصل 249. انتخبت "شينكاي كاروخايل" نائبة برلمانية أول مرة عام 2005، لتمثل العاصمة كابول. أدت دورا محوريا في إنشاء التجمع النسائي، وقد حفّزها على ذلك مشروعُ قانون عُرف باسم "قانون الأحوال الشخصية الشيعي". كان شبيها من حيث مضمونه بمشروع قانون الجعفري في العراق، واستندا معًا إلى المرجعية الدينية نفسها. تقول كاروخايل عن بنود المشروع: "لقد ضمت أمورًا فظيعة".
تقول كاروخايل، التي تلقت تهديدات بالقتل لمعارضتها مشروع القانون: "كانت المشكلة أن صناع القرار الرئيسين في هذا المجتمع هم الرجال، لا النساء. وحتى إن أصبحنا سياسيات فإن الكلمة الأولى والأخيرة للرجل. كنتُ تحت ضغط كبير. قلّصتُ تحركاتي واستعنت بحراس شخصيين. كان وقتا عصيبا". لا تشكل البرلمانيات سوى 24 من 150 عضوا في التجمع البرلماني النسائي الذي يضم نساء من المجتمع المدني والقضاء والإعلام. تقول كاروخايل: "أهم شيء أننا تماسكنا وتساءلنا: ما هي أولويتنا؟ إن خصصت لنا في البرلمان مقاعد بحكم نظام الحصص فإنها تأتي مصحوبة بالتزامات علينا الوفاء بها. علينا العمل من أجل نساء أفغانستان". أُجريت على مشروع القانون تعديلات، ورغم تواصل احتجاجات الناشطات، تم إقراره عام 2009، أي في العام نفسه الذي اعتُمد فيه "قانون القضاء على العنف ضد النساء"، الذي دافع عنه التجمع النسائي.
تواجه الأفغانيات اليوم تحديا جديدا وإن كان مألوفا، ألا وهو عودة حركة طالبان بمواقفها القمعية تجاه النساء. في عام 2001، قادت الولايات المتحدة غزوا أطاح بحكومة طالبان إثر أحداث 11 سبتمبر، عقابا للجماعة على إيواء زعيم "تنظيم القاعدة"، "أسامة بن لادن"، في أفغانستان. وفي فبراير 2020، وقّعت الولايات المتحدة اتفاق سلام مع طالبان لإنهاء حرب دامت 18 عاما. ليس واضحا حجم النفوذ الذي تحتفظ به طالبان داخل هذا البلد الذي مزقته الحرب، ولا كيف تنوي توظيفه بعد انسحاب القوات الأميركية. أشارت كاروخايل إلى إقصاء الأفغانيات من مفاوضات السلام بين الولايات المتحدة وطالبان، قائلة: "لا نعرف حتى الآن ما تريدنا طالبان أن نفقده أو نضحي به. النساء دوما خاسرات في الحرب، ولا نريد أن نخسر في اتفاق السلام. هذا همنا. لسنا ضد السلام، ولسنا ضد عودة طالبان [إلى السياسة] في أفغانستان لإنهاء هذه الحرب الطويلة على الأقل"، لكنَّ "نساء اليوم لسن كنساء الأمس" والمرأة -حسب قولها- جديرة بمقعد على طاولة المفاوضات. كانت "جميلة أفغاني"، الباحثة الإسلامية والناشطة البارزة في مجال حقوق المرأة، إحدى النساء القلائل اللائي حظين بلقاء طالبان. كانت ضمن الوفد النسائي الذي التقى مسؤولين من طالبان في محادثات السلام في الصيف الماضي بالدوحة. كانت تلك النساء الإحدى عشرة جزءا من مجموعة أكبر من الناشطات المدنيات الأفغانيات. تقول أفغاني: "من سوء الحظ أن الفرصة لم تسنح خلال الاجتماعات الرسمية للحديث" عن حقوق المرأة، لكننا "ناقشنا معهم المسألة خلال فترات تناول الشاي والغداء". خرجت أفغاني منزعجة من ذلك الاجتماع الذي دام يومين. "قال مسؤولو طالبان إنهم سيقرون الحقوق التي منحتها الشريعة للمرأة"، أو بتعبير أدق، تأويلهم لتلك الحقوق، وهو ما تراه أفغاني "غير مقبول البتة وغير إسلامي"، نظرا لما يفرض على النساء من قيود. تقول: "لا مجال للعودة إلى سابق عهدنا في ظل حكم طالبان. لقد كانوا يمنعون النساء من الذهاب إلى المدرسة والعمل. لا يمكننا السماح بذلك".
منذ الإطاحة بطالبان عام 2001، عملت أفغاني على تمكين النساء عبر الإسلام؛ إذ كَوَّنت نحو 6000 إمام في سائر أنحاء البلد في مجال حقوق المرأة، من خلال "منظمة نور للتربية وتنمية القدرات". فضلا عن ذلك، قدمت هذه الباحثة دروس محو الأمية والتربية الدينية لنحو 50 ألف شخص، بين فتاة وامرأة. قالت إنها تلقت تهديدات من طالبان "مرات عديدة ومتعددة"، وفي العامين الماضيين، اغتيل ثمانية أئمة في شبكتها لأنهم درَّسوا إسلامًا لا يوافق رؤية طالبان. تريد أفغاني ناشطات أخريات "ذوات معرفة بالإسلام" للعمل معا على تقديم تأويلات للشريعة بدائلَ لتأويلات طالبان. لكن كاروخايل تقول إن أفغاني وأفكارها لا يمثلانها؛ ذلك أن "عقليتها مختلفة" عن جل الأفغانيات -حسب كاروخايل- التي تستطرد قائلة إنه من المهم أن تشارك النساء في محادثات السلام مع طالبان، لكن "أي النساء نقصد؟.. لا يمكن الحديث عن تمثيل النساء من خلال نخبة سياسية صغيرة". لقد سمعت أفغاني انتقادات كهذه من قبل. تقول: "أحيانا أتساءل: أين أولي وجهي؟ فالمجتمع المدني معتدل؛ والمجتمع المدني يعتقد أني محافظة أو إسلامية، وبعض الإسلاميين يقولون إني أقدم إسلاما جديدا. صحيح أني لا أمثل الجميع، لكني على يقين أني أمثل عددا غير يسير من النساء اللائي يؤمنن بالقيم الإسلامية".

ذلكم سؤال يخامر أيضا ديموقراطيات غربية مسالمة وتقدمية عريقة كنيوزيلندا: فصوت أي النساء يُسمع؟ ومن أية جماعة؟ وباسم من يتحدثن؟ تُعد زعيمة نيوزيلندا الحالية، "جاسيندا آردرن"، البالغة من العمر 39 عاما، ثالث رئيسة وزراء لهذا البلد بعد كل من "جينيفر شيبلي" التي شقت الطريق عام 1997، و"هيلين كلارك" التي خلفتها بعد عامين. لم تنتخب نيوزيلندا قط رئيس وزراء، ذكرا أو أنثى، من "الماوري"، وهم سكانها الأصليون الذين يشكلون نحو 16.5 بالمئة من ساكنة البلد البالغ تعدادها 5 ملايين نسمة. لقد دخل الماوري البرلمان منذ عام 1868 بعد صدور "قانون تمثيلية الماوري" عام 1867 الذي خصص لهذه الفئة 4 مقاعد من أصل 120 في مجلس النواب الذي يتألف من 71 عضوا منتخبا و 49 عضوا تعينهم الأحزاب. واليوم، بعد أزيد من 150 عاما، يوجد في المجلس 7 نواب من الماوري، و 29 في البرلمان ككل، 11 منهم نساء. ضَمن الماوري في نيوزيلندا حقوقهم عبر الكفاح ضد المستعمر البريطاني وإرغامه على توقيع "معاهدة وايتانغي"، الوثيقة التأسيسية للدولة، عام 1840. وثمة مئات المزاعم من الماوري أن الاتفاق لم يُحترم. في عام 1877، أعلن السير "جيمس برندرغاست"، كبير قضاة نيوزيلندا، بطلان المعاهدة، مُعلّلًا ذلك بقوله إنها عُقدت "بين أمة متحضرة وجماعة متوحشين" غير مؤهلين لإبرام معاهدة. ولم يُعترف بها من جديد إلا في سبعينيات القرن العشرين.
قبل الاستعمار، كانت المرأة الماوري "تتقاسم مع الرجل سلطة متساوية ومتكاملة"، حسب قول "مارغريت موتو"، أستاذة دراسات الماوري لدى "جامعة أوكلاند"، ورئيسة برلمان شعب "إيوي" الأصلي، وزعيمة قبيلتها، "نغاتي كاهو". تقول إن النساء تَقلّدن مسؤولية الرفاه الروحي لشعوبهن، فيما تكفل الرجال بالعالم المادي. وتستطرد موتو قائلةً: "كانت النساء جزءا أساسيا من صنع القرار وممارسة السلطة"، مضيفة أن التقاليد الأبوية للمستعمر الغربي، ولا سيما المسيحية، "ألحقت ضررا جسيما بذلك النظام". في أواخر القرن التاسع عشر، نظمت نساء من الماوري، ونخص بالذكر "ميري تي تاي مانغاكاهيا"، حملةً للمطالبة بحق المرأة في التصويت والترشح للبرلمان. تقول موتو: "لم يدر بخلد نساء الماوري قط ألَّا دورَ لهن ولا صوت، كما تفعل النساء البيضاوات اليوم". تم تعميم ثقافة الماوري في نواح كثيرة، رغم أن الإدماج قد يكون شكلا من أشكال الاستعمار. من ذلك مثلا أن تحايا الماوري -من قبيل "كيا أوراري"- تُستعمل على نطاق واسع، وأطفال المدارس يُلَقَّنون أداء رقصة "هاكا" القتالية. وعلى الرغم من حالة شبه الاندماج، تظل العلاقات المجتمعية بين الماوري وغيرهم محفوفة بمشاكل ونزاعات عالقة حول الأرض ومزاعم مفادها أن الدولة ظلت متحيزة ضد نساء الماوري.
رشَّحَ حزبُ العمال "كيريتابو آلان"، وعمرها 36 عاما، فصارت واحدة من الأعضاء الماوري الـ 29 في المجلس المؤلف من 120 عضوا. تَذكر المرأة لمّا كانت في الـ 17 من عمرها تستوقف السيارات في ويلينغتون لتصل إلى عَبَّارة تُقلُّها إلى حقول الكرز حيث تعمل. وتَذكر أنها كانت في الطريق تنظر إلى بناية البرلمان، المعروفة باسم "بي هايف" (خلية النحل)، وتتساءل عن الشرخ بين الواقع و"ردهات السلطة تلك وغُرفها. كيف يمثلني هؤلاء القابعون هنا؟ وهل يفهمون أشخاصا مثلنا؟". جدَّدت آلان العهدَ بمقاعـد التحصـيل لتـدرس القانون والسياسة. وكانت قد التحقت بحزب العمال وهي بعدُ طالبة في الجامعة، وخاضت فترة تدريبية في مكتب رئيسة الوزراء آنذاك، "هيلين كلارك". آلان شابة من الماوري من عائلة متواضعة. تقول إنها شقت طريقها إلى البرلمان عام 2017 بكثير من الحظ والعمل الدؤوب، لا بفضل سلالم معدَّة لارتقائها؛ "فسواء أكنتِ شابة ومن شعب أصلي، أو شابة ومختلفة العرق، أو شابة وامرأة، وتعيشين حياة بلا امتيازات.. فإن ثمة تحديات كبرى عليك تجاوزها". تعتمد نيوزيلندا نظام حصص حزبية طوعية. في عام 2013، أصبح حزب العمال أول حزب يُدخل حصة النوع إلى النظام ليضمن أن نصف أعضاء برلمانه من النساء. وفي عام 2015، أعلن "حزب الخُضْر" أن نصف وزرائه سيكون من النساء.
تَصَدَّر اسم رئيسة الوزراء "جاسيندا آردرن" عناوين الأخبار بوصفها امرأة حبلى غير متزوجة تَقود دولة. وتَذكر آلان أنها لمّا أحضرت رضيعها البالغ من العمر أربعة أشهر إلى البرلمان، أثار ذلك "معارضة شديدة. فكيف تجرؤ أم على الحضور إلى البرلمان وهي تعتني بطفلها؟ إذا أردنا تشجيع مزيد من النساء على العمل وتولي مناصب المسؤولية والقيادة، فعلى النساء أن يتولين القيادة في مجالاتها الحَقَّة". في خطاب آلان الأول المؤثر أمام البرلمان عام 2017، التحفت عباءةً من ريش الكيوي تَوارثتها عائلتها، وحكت كيف أن جدتها، التي تحمل الاسم نفسه، عوقبت في المدرسة لتحدثها بلغتها الأصلية، وكيف تم تغيير اسمها من "كيريتابو" إلى "كيتي". وقالت آلان في كلمتها: "في تلك المدرسة جُرِّدَت جدتي من هويتها الثقافية، ومن صوتها أيضا كما قد يقول بعض الناس. جدتي، ها أنا ذي أقف في هذا المجلس لأكرم اسمك وأمنح صوتا لمن لا صوت لهم، لمن لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم لظروف شتى". إنه موروث قوي تعدّه آلان جزءا رئيسا من مَهمتها. أَلهمت قضايا متصلة بالقانون وحقوق الإنسان والسلطة العامة والتأثير في المجتمعات الأصلية، آلانَ في محاولتها لتصير محامية ثم سياسية. تقول إن تلك القضايا "قد حفزت مسيرتي لفهم القانون وتطبيقاته، وكيف أن القانون قد يوظَّف وسيلة للقمع أو وسيلة للتحرير أو تقييد القمع على أقل تقدير".

ومع ذلك فإن مجال فعل القانون واسع. لكن تشريع الإصلاح يكون محدودا، لا سيما إن لم تتغير المواقف المجتمعية أو ساد التساهل في تطبيق القوانين الراهنة. على الورق، يضمن دستور بوليفيا لعام 2009 للنساء المساواة في الحقوق، ويُجرِّم قانون 348 الصادر عام 2013 العنف ضد النساء ويفرض عقوبة السجن 30 عاما دون إفراج مشروط على من قتل أنثى، لكن معدلات الإدانة تظل منخفضة، فأقل من 4 بالمئة من حالات قتل النساء تُفضي إلى إصدار حكم. في أبريل 2019، دعت "شيرلي فرانكو رودريغيز"، البرلمانية البالغة من العمر 32 عامًا، والعضو البارز في "حزب الوحدة الديموقراطي" في بوليفيا، إلى تشكيل لجنة تحقيق في التماطل القضائي بشأن حالات قتل النساء واغتصابهن. تقول: "تكمن المشكلة الحقيقية في وجود قوانين وحقوق وعقوبات وغياب آليات لفرض الامتثال؛ لذلك فكل شيء لا يعدو أن يكون مجرد خطاب لا حقيقة".
لقد تفشى العنف ضد النساء في السياسة إلى درجة أن بوليفيا بادرت عام 2012 بسنّ قانون لمحاربة الظاهرة. يُجَرم القانون 243 أفعالا، منها نشر معلومات زائفة عن السياسيات بهدف تشويه سمعتهن أو -كما في حالة العمدة آرسي- الضغط عليهن لحملهن على الاستقالة من منصب انتخبن له والاعتداء عليهن جسديا. تقدمت العمدة بشكوى رسمية، لكنها لا تدري إن كانت العدالة ستأخذ مجراها. في عام 2019، تلقت "الجمعية البوليفية لنساء المجالس" -وهي هيئة غير حكومية تضم أعضاء مجالس وعمدات للدفاع عن الحقوق السياسية للمرأة- 127 شكاية حول أشكال شتى من التحرش والترهيب. بلغ العدد 117 في عام 2018، و 64 في العام الذي سبقه. تُشكّك "بيرناردا ساروي بيريرا" -المديرة التنفيذية للجمعية- في صحة الأرقام، إذ تعتقد أنها أعلى بكثير. وتظن أن الخوف يمنع النساء من التبليغ عما يلحقهن من أذى. تقول: "حين تتقدم امرأة بشكوى رسمية، يتضاعف اضطهادها ومضايقتها ويزيد إزعاجها ووصمها".
لا تشغل النساء سوى 33 منصب عمدة في بوليفيا من أصل 339، تقدمت 11 منهن بشكاوى. تعمل البوليفيات اللائي استُهدِفن في كافة مستويات السلطة بما فيها البرلمان، وينتمين إلى مختلف الأطياف السياسية. لا تقتصر المضايقات على منطقة بعينها، ولا على نساء من عرق محدد في بلد 48 بالمئة من سكانه أصليون. تقول بيريرا إن القوانين الراهنة معطَّلة بالنظر لعدم تطبيقها على نحو فعال، واستطردت قائلةً: "يقتصر الأمر على النساء اللواتي يمارسن السلطة السياسية. إن تحقيق العدالة يتطلب جهدا كبيرا". بعض العمدات، مثل "بيرثا إليانا كويسبي تيتو"، مُنِعن من دخول مقرات عملهن، وتعرضن لاعتداء جسدي، وهُددت عوائلهن. في عام 2015، كانت كويسبي في الـ 27 من عمرها لمّا صارت أول عمدة أنثى لكويانا، المدينة الريفية الصغيرة التي يقطنها نحو 5000 نسمة من شعب "أيمارا" الأصلي. تقول هذه العضو في "حزب الحركة نحو الاشتراكية" إن مشكلاتها بدأت لمّا عزمت على تنظيم قطاع تعدين الحجر الجيري المحلي. ذات ليلة من سبتمبر 2016، أوسعها أشخاصٌ مقنَّعون ضربًا بعدما غادرت مكتبها. لم يكن هجوما عشوائيا ولا محاولة سرقة. تقول كويسبي: "هددوني بأنّني إن لم أستقل، فستدفع شقيقاتي وعائلتي الثمن. قالوا أشياء مختلفة، منها: إن لم أستقل فسيحرقون بيت والدي ويأخذون قطيع الماشية". اختُطِف أربعة من زملائها في المجلس للضغط عليها لسحب شكايتها بشأن الهجوم. فرضخت، وأُطلق سراح المختطَفين، لكن لم يُتابَع أحد بتهمة الاختطاف. أُغلقت أبواب البناية التي تعمل فيها وأُحيطت بلبِنات، مما اضطرها للانتقال إلى مدينة أخرى من أجل سلامتها. وهي الآن غير متأكدة من خوض الانتخابات مرة أخرى. أما عمدة مدينة إل آلتو، "سوليداد تشابيتون تانكارا" -وهي من شعب أيمارا وتبلغ من العمر 39 عاما- فمن الجانب الآخر من الطيف السياسي. إنها عضو في "جبهة الوحدة الوطنية"، أطاحت برجل من حزب الحركة نحو الاشتراكية، وجعلت من محاربة الفساد المستشري في مدينتها ذات المليون نسمة -والمدينة الثانية كبرًا في بوليفيا- حجر الزاوية في عملها.
تعدّ تشابيتون نفسها محظوظة لأنها لم تكن في مبنى البلدية يوم 17 فبراير 2016، حين أضرم أحدهم نارا أودت بحياة ستة مسؤولين، وتعتقد أنها كانت مستهدَفة بسبب عملها في مكافحة الفساد. وفي شهر أكتوبر الماضي، بُعيدَ الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل، تعرضت تشابيتون لهجوم آخر، لأن "كثيرا من الناس قالوا إن حزب الحركة نحو الاشتراكية فقد الدعم في إل آلتو بسببي أنا". أُحرق مكتب العمدة والبيت الذي تتقاسم مع والديها. انتقلت إلى مكتب مؤقت، وكان على عائلتها المشتتة الانتقال إلى أماكن متفرقة لم يعلَن عنها. بحثَتْ في هاتفها، وكشفت بعض التهديدات التي تتلقى بانتظام على تطبيق "واتساب". ورد في إحدى الرسائل أن تشابيتون "ستدفع ثمن أخطائها"، وجاء في أخرى أن "هذه العاهرة تفعل كل هذا.. سنستولي على مكتب العمدة وجل المناطق لتحييدهم، نريدها أن تستقيل".
لا تنوي تشابيتون فعل ذلك، وتقول: "لم يساورني الشك في أي لحظة. كنت أعلم أني أقوم بما يلزم على أكمل وجه".
موضوعات ذات صلة
  • رفيعـة غبـاش

    تُعدّ الدكتورة "رفيعة غباش" أول امرأة إماراتية تتخصص في الطب النفسي، وذلك عام 1984. وهي أول امرأة تتولى عمادة "كلية الطب والعلوم الصحية" لدى "جامعة ال

  • الآن الآن.. زمن الفتيات في العلوم

    لا تستطيع "شريا ريدي" وقد بلغت الآن سن السادسة عشرة، أن تتذكر زمنًا لم تكن فيه مولعة بالعلوم. ففي ربيعها السابع، كانت قد قرأت كتبًا في علم الأحياء مع

  • صور النسوة العتيقة

    تمثّل الصور الأرشيفية سجلًا نفيسًا يوثق للعهود التي التُقطت فيها. عندما نظرنا في ملفّاتنا العتيقة بحثًا عن صور لتوثيق العدد الخاص الذي بين أيديكم، وكذ

  • نساءٌ كتبنَ التاريخ.. والجغرافيا

    هؤلاء نساءٌ أسهمن في تمهيد السبيل لأجيال جديدة من مستكشفات ناشيونال جيوغرافيك. المرأة: قرن من التغيير سلسلة على مدار العام "احرصي على أن تكوني أول

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ