المـاء.. الحاضر الغائب

قلم: بول سالوبيك

عدسة: جون ستانماير

تكشف رحلة على امتداد 3900 كيلومتر عبر الهند عن سحر الأنهار المقدسة.. وعن أزمة تهدد بنسف أسلوب حياة بأكمله.

"هـل تـؤدون الحيَـل السحريـة؟" سؤال يتردد على مسامعنا من أهالي قرى راجستان إذ يشاهدوننا نمُرّ في ضياء "صحراء ثار" القائظ. لم نغتسل منذ مدة، ونحن ملطخون بغبار خشن وسحناتنا مسْمرّة من الشمس وكأننا فزّاعات متفحمة تتجول في ربوع الهند بحمار يحمل أثقالًا. يظننا الأهالي مَسْرحيين جوّالين أو دجّالين أو من الرُحل الذين يطوفون بسيركهم من قرية إلى قرية. ويظنون كذلك أننا سَحَرة. نجيبهم: بلى. نحن كذلك طبعًا. إننا نحمل سحرًا؛ وكذلك يفعل جميع البشر. يكمن ذلك السحر في الماء.
فالبشر آبار متنقلة تحمل في جوفها مياهًا خفيفة الملوحة.
فكما يَعلم كل تلميذ، فإن نسبة الماء التي تحويها أجسامنا هي نفسها تقريبًا التي تغطي سطح الأرض. وهذا التناغم ليس لغزًا. نحن كائنات مائية وُلدت على كوكب مائي. فالماء في كل مكان.. وليس في أي مكان. إنه عنصر لا يهدأ: فهو غير ثابت، ولا يكف عن التنقل، ودائم التحول في حالته المادية من الغازي إلى السائل إلى الصلب ومن ثم يعود إلى حالته الأصلية. ذرة أوكسجين. ذرتان من الهيدروجين. لجزيئات الماء شكل منحنٍ مثل رأس السهم. مثل كوع. وهذا يساعد على منح الماء قطبيةً معينة: شحنة متناهية الصغر في كل طرف. وتلكم هي الطريقة التي يشكل بها الماء واقعنا على نحو جماعي. إنه العنصر السحري المُذيب والمُلصق لعالمنا الملموس. إنه المُركَّب الذي يفتت -وكذلك يربط- خلايا أدمغتنا، والسلاسل الجبلية، والبخار الصاعد من فنجان الشاي الصباحي، والألواح التكتونية. ومع ذلك، ليس ثمة من ماء شروب إلا قليلًا! فالمحيطات الأجاج تحتفظ بنحو97 بالمئة من كل المياه على الأرض. أما قُطبا هذا الكوكب وأنهاره الجليدية، وإنْ كانت تذوب اليوم بفعل تداعيات التغير المناخي، فتحمل منه زُهاء 2 بالمئة. وليس هناك سوى قطرة ضئيلة جدا من إجمالي إمدادات الماء في العالم، أي أقل من 1 بالمئة، متاحة لبقاء الإنسان: المياه السائلة العذبة. ومع ذلك، نهدر هذا الكنز الثمين مثل حمقى تاهوا في الصحراء.
أنا أمشي حول العالم. على مرّ الأعوام السبعة الماضية، تتبعت خطى "الإنسان العاقل"، الذي خرج من إفريقيا في العصر الحجري وراح يستكشف العالم البدائي. في الطريق، أجمع الحكايا والقصص. ولم أصادف في أي مكان خلال رحلتي هذه -لا في دولة ولا قارة أخرى- مشكلة بيئية أوسع نطاقًا من أزمة المياه التي تلوح في أفق الهند؛ حتى إن المرءَ لَيكاد يُصاب بالدوار من التفكير فيها.
تحتل الهند المرتبة الثانية من حيث عدد السكان في العالم، إذ تؤوي أكثر من 1.3 مليار شخص؛ وتحوي مناظر طبيعية تحدد معالمَها أنهارٌ شهيرة: "السند" و"الغانج" و"براهمابوترا" وجميع روافدها العظمى. لكن الهند تتأرجح اليوم على حافة حالة طوارئ مائية لا أحد يعرف عواقبها. فقد يَعُبُّ ما يقرب من 100 مليون شخص في 21 مدينة عملاقة هندية -ومنها دلهي وبنغالورو (بنغالور) وحيدر آباد- آخر قطرة من مياههم الجوفية في نهاية عام 2020. ويعاني المزارعون في إقليم البنجاب بشمال الهند، الذي يُعد سلة غذاء آسيوية مهمة، انخفاضَ منسوب المياه الجوفية التي تُستنزَف بلا هوادة، إذ تَغُور بمقدار 12 إلى 18 بل حتى 30 مترًا خلال جيل واحد فقط. ولا تنتهي المشكلة عند نقص الإمدادات. فقد أدى التلوث، المتمثل في النفايات الصناعية، ومياه الصرف الصحي بالمناطق الحضرية، والجريان السطحي الزراعي، إلى تسميم نُظُم نهرية برمّتها. وفي المجموع، يعيش زُهاء 600 مليون نسمة -أي ما يقرب من نصف سكان الهند- من دون مياه نظيفة كافية. وفي الوقت نفسه، يولد 20 مليون إنسان كل عام في هذا البلد، ويحتاج كل منهم إلى الماء كي يعيش.
أسير بتثاقل منذ ما يقرب من عام ونصف العام عبر السهول النهرية في شمال الهند. أتسكع فوق الجسور الخرسانية السريعة، وأمشي فوق قناطر السكك الحديدية، وأجلس على حقيبتي الظهرية في زوارق صغيرة حيث أبحر في نهر تلو نهر. هناك المئات من هذه الأنهار. وكل واحد منها، حسب الديانة الهندوسية، مقدس؛ بل حتى إله. (فمثلًا يُعدّ الغانج، أو "غانجا" باللغة الهندية، إلهةً شاحبة تُصوَّر على أنها ذات أربع أذرع وتمتطي تمساحًا). ومستقبل الهند ومصيرها يتأرجحان داخل تيارات هذه الأنهار المُشبَعة بالطمي. يسألنا أهالي ثار: "هل ستقدمون لنا عرضًا سحريًا؟". الأطفال يقفون إلى جانبنا وهم حفاة يضحكون ويتقافزون تحت شمس الصحراء. تنشر أشجار "الخجري" المنتصبة كالحرّاس ظلالَها الفضية الباهتة على رمال بلون المغرة الصفراء. الآبار المحلية ههنا ملوّثة بقدر كبير من الحديد والفلوريد. أَيُريدونَ سِحرًا؟ سُنريهم سحرًا بالتأكيد. دعونا نسمي هذا العرض السحري: مشهد الاختفاء الكبير.
نسير على الرقع الأرضية الملفوحة بالشمس حول "بحيرة سامبهار الملحية"، في أرض رطبة تُحتضر من الجفاف في ضاحية مدينة جايبور. هنالك نلمح المئات من الأجسام البشرية المتشحة بملابس رثة وهي تتحرك من بعيد. يتراءى لنا مشهدها إذ تسير ساعة بعد ساعة إلى الوراء فتكشط السهل أبيض اللون بمِدَمّات خشبية. تلكم نسوة عاملات في جمع الملح. تبتلع الحرارة الزئبقية سيقانهن النحيلة فتغيب عن أنظارنا إذ يكتنفها السراب، ثم ما تلبث أن تعود إلى العالم تارة أخرى. إنها تعويذة سحرية جهنمية! لا ليس كذلك، في الواقع. بل يتعلق الأمر بنا نحن -بني البشر- في عالم بلا مياه.

السنـد: سيـد الأنهـار
اشتُقت كلمة "الهند" من "هندو" بلغة فارس القديمة، والتي يعود أصلها للكلمة السنسكريتية "سِندهو"، وتعني النهر. أين نهر السند الأسطوري.. سيد الأنهار؟ أَنْضَم إلى "أراتي كومار راو"، مصورة فوتوغرافية في مجال البيئة، فنشُقُّ طريقنا ببطء على المسالك الخلفية في جنوب مدينة أمريتسار. ههنا تتلوى خمسة روافد كبيرة لنهر السند عبر شمال غرب الهند: "جيلوم" و"تشيناب" و"رافي" و"بياس" و"سوتليج". نحن نبحث عن بياس. لكن سرعان ما نتوه وسط متاهة من المشروعات الزراعية ذات النطاق الصناعي. نُمضي كل يوم هنا وكأننا في محرقة. إذ نتصبب عرقًا وسط حقول قمح قائظة رباعية الزوايا. نمُرّ بمعابد سيخ تعلوها قباب بيضاء فسيحة، حيث يقدم المتطوعون وجبات بسيطة من طعام "الدال" والأرز لجميع المارة. نتفادى أساطيلَ جراراتٍ متمايلة. يَصدح كل منهما بالموسيقى الشعبية البنجابية الصاخبة من خلال مكبرات صوت مثبتة على مقاعد السائقين. لماذا؟ يستحيل معرفة السبب. هل بمقدور السائقين سماع الموسيقى وسط هدير محركاتهم؟ لو مرت كائنات فضائية في سماء البنجاب لنظرت بعجب ودهشة إلى ما يجري في الأسفل؛ ولَوَضَعت أصابعها في آذانها. وستظن أنها تشاهد طوائف بشرٍ صُمٍّ تؤدي بلا انقطاع نوعًا من الطقوس: حفر الأرض في شكل دوائر بالآلات، وغناء يصل صداه إلى عنان الكون. لكنْ كلَّا: إنهم ببساطة مزارعون بنجابيون يعملون.
ها أنا الآن قد فهمت ولو متأخرًا: لقد وجدنا نهر السند فعلًا! فمنذ أيام -بل أسابيع- ونحن نسير وسط الوجود المنتشر المتمدد لهذا النهر. إذ تم تحويل تياراته واستنزافها وتوجيه دفتها ونشرها وتمديدها وتشتيتها في قنوات وأنابيب وسدود وأخاديد لا تُعد ولا تحصى. وهذا النظام الشعري الذي صنعه الإنسان شوّه شكل القنوات الخضراء القديمة لروافد السند وجعلها تفقد كثيرًا من هويتها البصرية بوصفها كيانات جغرافية. فكل رأس من رؤوس القمح الناضجة التي تعد بالمليارات في البنجاب، يحمل في خلاياه ذرّات من مياه السند.
كانت الهند من أوائل البلدان التي خاضت غمار الثورة الخضراء. إذ أدت البذور عالية الإنتاج والأسمدة والمبيدات الحشرية والجرارات ومضخات الآبار ذات المحركات، إلى زيادة كبيرة في غلة المحاصيل بدءًا من ستينيات القرن الماضي. فأصبحت الهند تطعم نفسها اليوم بعدما كانت مضرب مثل في المجاعات، وصار مزارعوها يبيعون للعالم سيولًا من الحبوب والفواكه. لكن هذا الانتصار المذهل على الجوع تأتَّى بكلفة باهظة. فالمواد الكيميائية المستخدَمَة في الزراعة تلوث روافد نهر السند، ومن المحتمل أنها تُسهم في انتشار بؤر الأمراض الخطيرة كالسرطان. وها هي ذي الهند تؤدي فاتورة عقود من الإنتاج غير المستدام: خسارة مذهلة في كميات المياه الجوفية المحدودة. وقد أضحت الزراعة نشاطًا غير مضمون في البنجاب، حيث يفر ملايين السكان ويهاجرون إلى الشرق الأوسط وأميركا الشمالية وأماكن أخرى. "من الصعب ألّا يشعر المرء بالحنق"، تقول كومار راو صائحةً إذ نسير على طريق قناة تتأرجح من ثقل جرارات تسحب أكياسًا من القش بحجم المنازل. كيف لا وقد أمضت هذه المرأة سنوات في التوثيق بعدستها للاستنزاف الذي تتعرض له الموارد المائية في الهند. تستـطرد قائلـةً: "إن تجاهلنا [أزمة المياه] شكلٌ من أشكال العمى الجماعي". وتسعى كومار راو للعثور على مخلوق أعمى آخر، ألا وهو دلفين نهر السند (Platanista gangetica minor) المهدد بالانقراض؛ وهو من أبناء عمومة الدلفين البحري الشهير، عدا كونه يعيش في المياه العذبة. "لم يعد هناك أي 'بولان' هنا!"، يقول رجل أنيق يطلق على نفسه لقب "الرائد هندوستاني"، على مقربة من "حاجز هاريكي المائي". وبولان هو الاسم المحلي لدلفين نهر السند.
الرائد هندوستاني سائق دراجات نارية استعراضي يعمل لدى سيرك متنقل صغير. يشمِّر عن ساعده فتبرز عضلات ذراعه المفتولة ثم يشرع في أداء مشاهد مثيرة لنا: إذ يجلس بقدم واحدة على مقعد دراجته الكبيرة المتحركة، ونحن نشاهده بذهول من على ضفة نهر بياس الهادئة الموحلة والبالية. هكذا هو المسير في الهند؛ فالمرء يلتقي جميع أنواع البشر وفي أماكن غير متوقعة. لكنْ تَبَيَّن أن الرائد هندوستاني "أعمى" أيضا؛ فهو لم يرَ دلفين نهر السند. تُصدر كومار راو زعيقًا. إذ تلمح دلافين في المياه القريبة من الساحل. أنثى وعجلها. كانا يصعدان وينزلان وسط التيارات البُنّية اللامعة لنهر بياس، فيخترقان صفحة السطح بصوت مثل قُبلات هامسة. تشير دراسة مسحية حديثة إلى وجود أحد عشر من دلافين نهر السند، على أقصى تقدير، في نهر بياس.

تشامبال: الظـلـــم الشـــائع
اِمنح وقتًا كافيا للماء وستراه يهزم أي شيء تقريبًا: الحجر.. الحديد.. العظام. بل إن الأنهار تنهش حتى طبقات الزمن نفسها. إلا النظام الذكوري، فهو يصمد ههنا. أَتَدرونَ ما الظلم الأكثر شيوعًا الذي يمكن رصده خلال مسيرة عبر العالم؟ ليس قمع الأقليات العرقية. ليس التعصب الديني المتجذر. ليست فوارق الدخل المادي. كلَّا: إنه استبعاد النساء من سِجِل المكافآت والفرص. ولا يوجد مجتمع محصَّن بالكامل ضد هذه الآفة. إذ يُحرَم نصف تعداد "الإنسان العاقل" -الذي يتجاوز السبعة مليارات اليوم- من الوصول المتكافئ إلى السلطة السياسية، ويُجبَر على العمل بكدّ أكبر وبأجور أقل؛ لا لشيء إلا لأن لديه اثنين من الكروموسوم (X).
تقول "بريانكا بوربوجاري"، وهي مراسلة مستقلة تنضم إلى مسيرتنا عبر حوض نهر "تشامبال" الخلّاب في راجستان وماديا براديش: "لدي الكثير في جعبتي، وأنا الموسومة دائما بكاتبة 'قضايا النساء البُنّيات' في العديد من اللقاءات والمؤتمرات الصحافية. ألا يمكنني أن أكون شيئًا آخر؟ كاتبة في شؤون الاقتصاد؟ محللة سياسية؟ مراسلة أجنبية؟". قبل وصولنا إلى الحجر الرملي الوردي لتلال تشامبال، نتوقف في مزرعة أرز. مزرعةٌ تُديرها النساء فقط. في الهند، حيث يهيمن هرمون التستوستيرون، يُعد هذا أمرًا مثيرًا للاهتمام. "نحن ندير الأمور هنا. إنه أمر ضروري"، تقول "ساروج ديفي ياداف"، وهي امرأة صلبة تبلغ من العمر 62 عامًا؛ وتضيف موضحة: "جميع الرجال يعملون في المدينة". يعمل زوج ياداف في توصيل طلبات المطاعم في جايبور البعيدة، فيما تمكث وحفيدتاها المراهقتان في المنزل لسقي الحقول. وهن يقطفن العلف. يرعين الأبقار والجواميس. يُنظمن عمليات شحن الحليب إلى المدينة في علب صفيح متدلية من دراجات نارية. ويَحدث النشاط نفسه في المزارع القريبة. عندما تغرب الشمس فوق رقعة ياداف الصغيرة المخضرة، تتقاسم الشاي وأكلة الكاري مع حفيدتيها.
"لقد تزوجتُ في الثالثة عشرة من العمر"، تقول ياداف وهي تحرك يدها بشكل يوحي بعدم رغبتها في تذكر ذلك. تستطرد قائلةً: "كانت الأمور مختلفة آنذاك. لم يكن أحد يأخذ رأينا نحن الفتيات. أما اليوم فتحصل الفتيات على خيارات عديدة. وصرن يتزوجن في سن متأخرة". إنها قصة قديمة وُلِدتَ رويدًا رويدا من رحم اختلالات التحضر العمراني. فاختلاط الشعوب المتنوعة في المدن الكبرى المزدهرة زعزع حواجز النوع الاجتماعي العتيقة. ومع ذلك، ففي الهند، حيث تشكل النساء ثلثي القوى العاملة في الزراعة، بالكاد تمتلك 13 بالمئة منهن أرضًا. فرغم أنهن يحملن العمل الزراعي على عواتقهن في الأرياف، فإن الموارد الطبيعية في الهند لا تزال في قبضة الرجال. مياه تشامبال نظيفة، وهي تشكل ملاذًا لحيوان "الجاريال" ذي الخطم الطويل -الشبيه بالتمساح- في الهند. فيما مضى كانت منابع هذا النهر الجبلية تؤوي أشهر امرأة من قُطّاع الطرق في الهند، واسمها "فولان ديفي"، وهي شخصية على شاكلة "روبِن هود" يُحكى أنها قتلت زُهاء 20 غريمًا مسلحًا في تبادل لإطلاق النار. "مهلًا يا هذا!"، تصرخ بوربوجاري. إنه رجل بدين يقود سيارة رباعية الدفع باهظة الثمن على طول طريق ذات إسفلت ساخن. يتوقف أمامنا. يسد طريقنا. يصورنا من نافذته بهاتفه النقال: شخصين من بين ملايين الناس يتجولان على جوانب الطرق الجافة في الهند. ترفع بوربوجاري يدها. تُخاطب الرجلَ: "هل طلبتَ إذننا؟ يَردّ عليها: "لم أكن أعلم بأنني كنت بحاجة إلى إذن". عندها تقف بوربوجاري لدى نافذته متخذة وضعًا قتاليًا لا تحبّذه عادةً، كما أقرَّت بذلك في وقت لاحق. تقول له بصوت حازم: "لا بد لك من إذن".

بيتـوا: عمـال مقـالـع الرمـــال
أسير في مشارق الأرض منذ شهور. أتنقل عبر الحقول الذهبية اللامتناهية على امتداد الأمسيات الهندية المديدة. ينطلق مسار نظام "جي. بي. إس." الخاص بي عبر مزارع أبقار حلوب هزيلة، في ربوع ماديا براديش وأوتارا براديش، حيث ينسج خيوط قرى صغيرة تخلى عنها ركب التنمية حتى بدا أهلها وكأنّ أحدًا لم يزرهم منذ الاستقلال في عام 1947. (يسألونني: "هل أنت إنجليزي؟"). أنام على طاولات من الألواح الخشبية في مطاعم على جانب الطريق تسمى "دهاباس"، أو في أَسرَّة محبوكة من حبال في منازل المزارعين، أو في المساجد أو معابد الهندوس. وحتى من دون أن أعرف ذلك -إذ تَمَهَّدت السهول النهرية المجعَّدة في الهند بفعل الحرث منذ آلاف السنين- أسير من حوض نهري إلى آخر. هناك عشرات منها. هي اليوم تغذي نهر الغانج. في مكان يسمى "سيوندا"، تقبع قلعة ضخمة إلى جانب منحنى هادئ من نهر السند. تعلو البواباتَ الشاهقة لهذه القلعة التي تعود إلى القرون الوسطى، نتوءاتٌ حديدية حادة طولها 30 سنتيمترًا، كان الغرض منها صَدُّ أفيال الحرب في الزمن الماضي. في أحد الحصون ههنا، ما زال يعيش آخر سليل لعشيرة "بونديلا راجبوتس" التي شيدت هذا المعقل. أخيم بين جدران هذا الحصن المظلمة ليلة كاملة، لكني لا أرى هذا الرجل أبدا.
عند التيارات البنية البطيئة لنهر بيتوا، أقابل عمال مقالع الرمل. يشكلون جيشًا بائسًا من الرجال الهزيلين الذين يجرفون قاع النهر بالمجارف والحفارات الميكانيكية. ويمكن أن تُنقل الرمال إلى مواقع بناء بأماكن بعيدة قد تصل إلى مدينتَي لاكناو ونيودلهي، على بعد 500 كيلومتر تقريبا. كثيرٌ من عمليات استخراج الرمال هذه غير قانوني. الرمال سلعة مربحة في الهند، إذ تغذي طفرة بناء، وسوق سوداء، تسطو عليها وتتحكم بها العصابات الإجرامية؛ فيؤدي هذا النهب إلى تدمير موائل الكائنات المائية وخلخلة المنظومة الهيدرولوجية، (حسب دراسة لمنظمة "الأمم المتحدة"، فإن نهب البشرية المتزايد لرمال البناء -بأكثر من 40 مليار طن سنويا- يفوق بمقدار الضعف حجم الرواسب التي يُحدثها مجموع الأنهار في العالم بشكل طبيعي). وقد قتلت تلك العصابات ضباطَ إنفاذ القانون الذين حاولوا وقف نهب أنهار الهند، واغتالت الصحافيين الذين كشفوا عن نشاط التعدين في المسطحات المائية المخالف للقانون. "تابـع السيـر ولا تتوقـف"، يصيـح أَحْـدَثُ شريــك لي في مسيرتي، خبـير حفـظ الأنهـار، "سـيدهارث أغـاروال"؛ فيـما يصرخ علينا عمال مقالع الرمل للتوقف. نَتظاهر بالصمم. ننزل إلى ضفاف نهر بيتوا، وننادي صيادًا عابرا بزورقه فننقل حقائبنا الظهرية إلى متن الزورق عند الضفة، ومن ثم نجدف معه إلى الضفة المقابلة. نسير في الظلام -لنكمل مسيرة 40 كيلومترًا في يوم واحد لبلوغ قرية عرفنا من خلال مواقد النيران في الهواء الطلق ودق الطبول والهتافات أنها تحيي مهرجانًا هندوسيا. يرحب بنا المحتفلون وهم مذهولين. يُعدّون لنا طعام "الدال" و"الروتي". ويجهزون لنا أَسرّة "الشاربايس" المنسوجة لننام عليها. كرم الضيافة التلقائي شائع على طول مسيرتي في ريف الهند، وهي أرض استضافت أفواج الحجيج سيرًا على الأقدام منذ العصر البرونزي. يسألهم أغاروال، بحذر شديد، عن عمليات استخراج الرمال. يُبدي أهالي القرية نوعًا من اللامبالاة إذ يردّون على أغاروال قائلينَ: "وماذا عسانا نفعل؟
العصابات والسياسيون وأتباعهم يسيطرون على الحياة هنا. وهذا صحيح؛ فنهر بيتوا، الذي تم تجريفه حتى القاع، يتدفق اليوم بشكل غير منتظم أكثر من ذي قبل. زد على ذلك الأمطار الموسمية غير المتوقعة -بسبب التغير المناخي- التي جعلت الزراعة أصعب. ويضطر الناس لحفر الآلاف من البرك الصغيرة المطرية لسقي حقولهم الجافة. لكن الحكومة تضع خطط إنقاذ جذرية: تحويل مجرى نهر كامل، واسمه "كين"، إلى قناة نهر بيتوا لإنعاش منسوبه المتقلص. "الربط بين النهرين.. آمال زائفة"، يقول أغاروال متنهدًا. وخصصت الهند زُهاء مليارَي دولار لتطبيق خطة مثيرة للجدل تستهدف ربط الأنهار: برنامج هائل لتخفيف أزمة المياه، يقوم على الربط بين 30 نهرًا هنديا رئيسًا عبر أكثر من 15 ألف كيلومتر من القنوات الخرسانية. وسيشكل ربط نهر كين بنهر بيتوا أولى تجارب هذه الخطة. إذ يخطط المهندسون لشفط تدفقات الأمطار الموسمية "الزائدة" لنهر كين وتوجيهها إلى بيتوا "الأكثر جفافًا". ولكي تنجح هذه العملية، ينبغي إنشاء كثير من السدود والحواجز المائية لتغمر المياه 90 كيلومترا مربعًا من الأرض. وقد دفع ذلك أنصار البيئة إلى الدخول في معركة قضائية ضد المشروع. "أين هي هذه المياه الزائدة المزعومة؟"، يسألني "راغو تشونداوات" بنبرة حادة، وهو أحد رواد أنصار البيئة في الهند، في "منتزه بانا الوطني" القريب من المنطقة، وهو ملاذ للببور (جمع ببر) المهددة بالانقراض. ويستطرد قائلًا: "لن تشاركنا الحكومة بيانات الجريان المائي لديها. ولا أعتقد حتى أنها تعرف ما تداعيات ذلك". ومن التداعيات المعروفة لتحويل آلهة النهر إلى أنابيب سِبَاكة، أن جل الأراضي المغمورة بمشروع كين-بيتوا تقع ضمن محمية الببور.

غانجا: النـهـــر المقــدس
أسير على ضفاف "ما غانجا" -الغانج الأم- حتى أبلغ نقطة تتجه فيها تياراته العريضة صوب الشمال، حيث تخترق السهولَ الصفراء في طريقها إلى "فاراناسي" مثل شفرة فولاذية لامعة. بدت هذه المدينة الأقدس لدى الهندوس مغمورة بغبار من الطوب. يقصف الآلاف من العمال جدران "الحي العتيق" في فاراناسي بمطارق ثقيلة وعتلات، وهم يُسوّون الأزقة العتيقة والمباني غير المتوازنة، تنفيذًا لبرنامج تجميل حضري. تم إجلاء السكان وقد منحتهم الحكومة تعويضات مالية. قليل منهم فقط يبدو سعيدًا. فالتناسخ مسألة شاقة. تُعرف فارانـاسي لـدى الهنـدوس المتدينـين باسـم "كـاشي"، أو المكان "حيـث يشرق النـور الأعـظم". تتـداعى الـدرجات الحجرية الـ 88 في المدينة المقدسة إلى الأسفل نحو الغانج في سلالم بالية لكنها جميلة. في أسفلها، يغسل المتدينون خطاياهم في تيارات النهر القاتمة الملوثة، ويشربون ويستحمون في ماء يحوي معدلات عالية من البكتيريا البرازية. عشرات الآلاف من الحجاج كل عام يأتون ليموتوا ويُحرقوا عند هذه الدرجات. فأن تُحرَق جثة المرء في فاراناسي، فتلك أضمن طريقة ليحقق "موكشا"، وهي الانعتاق من دورة الحياة والموت المؤلمة. يُعفى من هذه المحرقة، المواليد الأموات والرجال المقدسون الخالون من الذنوب؛ إذ إن جثتهم -بدلًا من ذلك- تُربَط إلى الحطام العائم لتسبح باتجاه مجرى النهر. أو تُغرق في الغانج باستخدام الحجارة.
أجلس وأشاهد كل شيء يتعلق بالبشر -أكاليل الأقحوان الأصفر البرّاقة والبراز- وهو يندمج في الغانج وينصهر فيه. لون النهر هنا أزرق داكن ومملوء برماد العظام المحروقة. وهو نفسه نهر ضخم يتمنّع عن التطهّر. عند الفجر، تخترق طيور السنونو الهواء البرونزي كالرماح. أفكر في مصير أحبّائي الذين اختطفتهم يد المنون، وفي صراعاتي الداخلية. فاراناسي مكان جيد لانتظار خلق العالم أو فَنائه. لكن من الأفضل أن أنهض وأسير. هكذا أنشد الزعيم الروحي "باسافانا" في إحدى قصائده: يا رب الأنهار المتعانقة، إن الأشياء المتوقفة، مآلها السقوط أما المتحركة فلها الخلود.

بــراهمــابـوتـرا: مَـنِ المواطـن الهنـدي؟
النهــر.. طريقٌ.
في إقليم بيهار، أسير في نهر "سون" المنهَك من الجفاف. وفي إقليم البنغال الغربي، أسير في نهر "تيستا" الذي استنزفه أحد السدود. يجري نهر "براهمابوترا" الأسطوري في إقليم آسام محمَّلًا بمياه الأمطار والجريان السطحي من الذوبان الكارثي للأنهار الجليدية. على ضفافه الرملية، يمشي رجال ونساء يبدون بعمر الألف وهم حاملينَ سلالًا من الأرز. أمُرُّ بزوارق راسية في الشط. أمُرُّ بحقول أرز تلمع في ضوء الشمس الضبابي مثل مرايا عتيقة تَقشَّر إطاراتها الفضية. يجري براهمابوترا إلى جواري، وهو حزام مياه بطول 2900 كيلومتر يتدفق فوق منحنى العالم. يحمل في جوفه المليارات من الأسماك غير المرئية، ومعها الهمس والوشوشة والضجيج والخوف في القرية. "إرهابيون"، يُهسهس سكارى القرية مستهجنينَ رؤيتنا. كثيرًا ما أُستجوَب أنا وأغاروال في شمال شرق الهند. إنها نُذُر التوتر السياسي. فلقد اشتبكت باكستان والهند مرة أخرى حول إقليم كشمير المسلم المتنازع عليه. رُهاب الأجانب ههنا في أوجه. التقيت في آسام امرأةً طيبة تدعى "روبالي بيبي"، كانت تختبئ مثل هارب من العدالة. لماذا؟ لأنها قد تُرحَّل من موطنها، وهي سليلة عائلة من مسلمي بنغلادش الذين هاجروا إلى الهند منذ ما يقرب من 100 عام! بيبي مزارعة أرز في الأربعينات من عمرها؛ قالت لي عندما كنا في بيتها المسقوف بالقش على سهل براهمابوترا الفيضي: "حضرَ إلى منزلي شرطيٌ وناولني إشعارًا يفيد بأنني 'أجنبية' وقال: "أنتِ شخص مشبوه". وقد تم استبعاد هذه المرأة من السجل الرسمي للمواطنين، شأنها كشأن زُهاء مليونَي شخص آخرين في إقليم آسام. لا تقبل السلطاتُ وثائقَها الثبوتية. على أن الحكومة الهندية تفتح مسلكًا لمنح الجنسية للاجئين الدينين؛ ما عدا المسلمين. وخلال الأسابيع الأولى من جائحة "كوفيد19-"، ألصقَ السياسيون الهندوس اليمينيون "تهمة" الإصابة بالفيروس لنحو 200 مليون مسلم هندي. وتم تسجيل حالات اعتداء على المسلمين في بنغالورو من قبل مجموعات مسلحة بعصي الكريكيت.
مَن الهندي؟ ومن ليس كذلك؟ هل يمكن للهند المتنوعة والعلمانية التي أرسى دعائمها "غاندي" و"نهرو" أن تنجو من الانزلاق إلى الشعبوية القبَلية؟ ما من ضمانات لتحقق ذلك. وبطبيعة الحال، فإن هذه الآلهة المائية التي تربط الهند.. لا تبوح بمثل هذه الأمور. أقطع كيلومتراتي الأخيرة بتثاقل مغادرًا الهندَ أثناء الأمطار الموسمية الصيفية. تفيض أنهار إقليم مانيبور، الواقع مباشرة عند حدود ميانمار، بالمياه الغزيرة. هنا تضج التلال الخضراء باللغات الصَّفِيرية للمياه الجامحة: قعقعة الشلالات، تنهد الجداول التي لا حصر لها، ودقات المطر الثقيلة على الأسطح القصديرية. أصوات مبهجة. أنتف العلق من على ساقيَ وأنا أتذكر أغرب نهر صادفته في الهند: "ساراسواتي"، ذلك "النهر المفقود" الأسطوري الذي تمجّده الكتب المقدسة. يعتقد بعض العلماء أنه توقف عن الجريان منذ آلاف السنين؛ إذ حولت الزلازل مجراه أو ربما تبخر بسبب التغير المناخي.
عبرتُ قاعَه المفترَض في صحراء راجستان. أخدود واسع من الحصى المتربة. رياح ساخنة. لا وجود ولو لجزيء ماء. يخبرني المزارعون الذين يكابدون القحط أن المهندسين الحكوميين كانوا يحفرون آبارًا تجريبية في الجوار. كانوا يأملون إثبات أنّ.. النهرَ حقيقي.
موضوعات ذات صلة
  • كَثُر البشرُ وشَحَّ الماءُ

    يضم الشمال الهندي شبكةَ مياهٍ متراميةِ الأطراف، تمتد من الروافد المُوحِلة لنهر "الإنـدوس" غـربـاً إلى ضفـاف نـهـر "الغـانْج" المقدس، على طول السهول ال

  • على خطى المهاجرين..

    يتعقّب "بول سالوبيك" رحلة خروج البشرية من إفريقيا، ليؤرّخ قصة ستتناقلها أجيال عديدة. قصة هجرات جماعية يبحث فيها ملايين الأشخاص عن مكان أفضل للعيش.

  • هل من ماء لغسل اليدين؟

    هل سيحصل فقراء العالم على حاجتهم من الماء النظيف لغسل أيديهم.. وللشرب؟ "أَأتيتَ من مومباي لتعلمنا غسل اليدين؟". لم يتمالك أهالي القرية أنفسهم من الضح

  • شبح أزمة في الأفق حول.. المياه

    يعتمد نهر "السند"، وهو من الأنهار الجبّارة في العالم، على الأنهار الجليدية لجبال الهيمالايا والسلاسل الجبلية المجاورة لها، والتي تمده بتدفق مستمر من ا

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ