العالم الخــفي للـحــرب العالمية الأولى

بقلم: إيفان هادينغام
عدسة: جيفري غاسكي

هذا المكان تحديداً، وبعد فترة قصيرة على اندلاع الحرب العالمية الأولى -والتي مضى على بدايتها مئة سنة خلال صيف هذا العام- كان المهندسون العسكريون الألمان يجلسون بالتناوب في صمت مُطبق يصغون بإمعان لأدنى صوت يحدثه أعداؤهم مستخدمو الأنفاق. ذلك أن الأصوات المكتومة وأصوات احتكاك المعاول كانت تعني أن فريق تلغيمٍ عدو ربما يوجد على بعد بضعة أمتار فحسب وكان الخطر يزداد إذا توقف الحفر وسمع أولئك الألمان صوت رص أكياس أو علب صفيحية بهدوء بعضها فوق بعض؛ فلقد كان ذلك يعد إشارة إلى أن العدو يضع متفجرات قوية جدا في آخر النفق. أما ذروة الرعب والتوتر فكان يجسدها الصمت الذي يلي ذلك: ففي أي لحظة قد تنفجر المتفجرات فتقطع المرء إلى أشلاء أو تدفنه حياً يُرزق.
على أحد جدران النفق في مكان قريب منّا، كشف نور مصباحَينا عن خربشات تركها المهندسون الألمان الذين كانوا يتحصّنون في "مركز الاستماع" ذاك. وقد نقشوا أسماءهم وأسماء الأفواج التي ينتمون إليها وجعلوا فوقها شعاراً ألمانيا يقول: "Gott für Kaiser" (إن الرب حليفُ قيصر). وتبدو تلك الأحرف المكتوبة بقلم الرصاص حديثة العهد كما لو أنها بنت الأمس.
ذلك أن القاعدة الصخرية المكونة من الطباشير اللينة والحجر الجيري بمنطقة "بيكاردي" الفرنسية لم تكن، فحسب، مثالية لعمليات زرع الألغام بل شكّلت أيضا سِجلاً مفتوحاً يُخلّد فيه الجنود المشاركون في الحرب العالمية الأولى حضورهم بالتوقيعات والرسوم والكاريكاتير والنقش وحتى النحت المُعَقّد البارز. ولا يُعرف إلا القليل جدا عن هذا النوع من الفنون القابعة تحت الأرض، إذ لا تُدركه سوى ثلة من المهتمين والباحثين المتخصصين في الحرب العالمية الأولى، فضلا عن عُمْدات القرى ومُلّاك الأراضي، ممن سعى غاسكي إلى صُحبتهم على مدى سنوات.
تُلقي صور غاسكي الضوء على ذلك العالم المتواري تحت الأرض حيث عانى الجنود الويلات في سبيل الاحتماء من القذائف المتواترة. فلقد ترك هؤلاء أسماء، وصور نساء، ورموزا دينية، ورسومات كرتونية وما إلى ذلك. يقول غاسكي إن هذه الآثار تكشف عن عالم منسي من الحرب العالمية الأولى يربطنا بصفة فردية بالجنود الذين لم ينج جُلّهم من جحيم حرب الخنادق. بدأ النزاع بإشراك فرق الخيالة، وكان لدى جميع الأطراف المتحاربة اقتناع تام أن الحرب ستضع أوزارها مع حلول أعياد الميلاد. وفي نهاية عام 1914، كان الزحف الألماني قد توقف والجيوش قد أخذت مواقعها، كما حُفرت شبكة واسعة مكثفة من خنادق تمتد من ساحل بحر الشمال إلى الحدود السويسرية. وأدى السباق نحو التسلح إلى أول استخدام شامل للغازات السامة والطائرات الحربية والدبابات المزمجرة. وعلى الجبهة الغربية، هلك ملايين الجنود بهجمات وهجمات مضادة تم شنّها لأسباب جوفاء لا طائل منها في الغالب.

التتمة في النسخة الورقية
موضوعات ذات صلة
  • في تسعينيات القرن الماضي، قام المعماري البريطاني نورمان فوستر بإصلاح "الرايخستاغ" وهو مبنى البرلمان الألماني المُقام في عام 1894، والذي تضرر في الحرب العالمية الثانية. وقد أضاف إلى المبنى قبة رئيسة زجاجية ترمز إلى الشفافية. قصة مدينتين

    تقف مدينتا برلين وأثينا على طرفي نقيض في القارة القديمة جراء الأزمة الاقتصادية العالمية. ارتبطت برلين وأثينا برباط لم ترغب أي منهما في نسج خيوطه: ف

  • في عام 2012، فُجِّرَت هذه الذخائر (وهي من بقايا الذخائر غير المنفجرة زمن الحرب الفيتنامية) لجعل الحقل آمناً. فوهات لاوس القاتلة

    منذ عدة أيام وأنا في "سهل الجِرار" المرتفع، أحاول أن ألتقط صورة أو أعثر على تشبيه أو أُبلْوِر فكرة يمكن أن تعبّر عن معنى أن تكون لاوس من أكثر الدول تع

أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا