أول عملية زراعة قلب في العالم

09 - ديسمبر - 2017
دكتورة عائشة ناثو
مركز تاريخ الطب، جامعة إكسيتر
بي بي سي عربي
كان يوم 3 ديسمبر عام 1967، يوماً مشهوداً في تاريخ العالم والطب عندما تمت أول عملية زراعة قلب لمريض في العالم، على يد الجراح "كريستيان برنارد"، بمستشفى "غروت سكور" في مدينة "كيب تاون" بجنوب إفريقيا. ففي ذلك اليوم حصل "لويس فاشكانسكي" (54 عاما) على قلب جديد كان لشابة تدعى "دينيز دارفال" (24 عاما) توفيت قبل دقائق من العملية في حادث سيارة، وأصبحت تلك العملية حديث العالم أجمع.
وتوافد مئات الصحفيين والإعلاميين ومراسلو القنوات التلفزيونية على المستشفى لتسجيل حوارات وعمل تقارير ولقاءات مع الطبيب والمريض وتسجيل كل ما دار داخل غرفة العمليات. وأشادت التقارير الأولية بالعملية ونجاحها الكبير ووصفتها بأنها "ناجحة" و"تاريخية"، على الرغم من أن المريض فاشكانسكي لم يعش أكثر من 18 يوما فقط.
وحققت أول عملية زراعة قلب شهرة هائلة في جميع أنحاء العالم ولفتت أنظار الإعلام بشدة إلى الطب والأطباء، وكانت حقبة جديدة لتحول الطبيب والمريض إلى نجوم عالميين، وظهروا في المؤتمرات الصحفية والتقارير الإخبارية. وأصبحت تلك العملية من أشهر وأهم أحداث القرن العشرين، مثلها مثل الهبوط على سطح القمر بعد ذلك بعامين. وقال عنها أحد الصحفيين، إنها تجسد كل شيء يحلم به المراسل الصحفي. كانت العملية إنجازا تكنولوجيا استثنائيا ينطوي على العضو البشري الأكثر رمزية في حياتنا "القلب"، وقصة رائعة عن شخص يفقد الحياة ويتيح لشخص أخر فرصة الحياة من جديد.
في دائرة الضوء
في جناح "فاشكانسكي" في المستشفى كان يجرى تسجيل نشاطه اليومي وكل حركاته وأقواله ومشاعره دقيقة بدقيقة، سواء كانت الحركة أو الجلوس أو المشي أو النوم او الاستيقاظ وحتى الابتسامة والكلمة، وما يتناوله وما يشربه يوميا، وكانت كل تلك الأشياء تنشر يوميا على صدر صفحات الجرائد. واهتمت وسائل الإعلام أيضا بزوجته ووالد الفتاة التي منحته قلبها، والتقطت صورهما معا وقدمت زوجة فاشكانسكي الشكر إلى والد الفتاة دارفال للموافقة على منح زوجها الحياة من جديد وتقديم هذه "الهدية الغالية هدية الحياة".
وبعد عدة أيام من الجراحة توفى فاشكانسكي بسبب الإصابة بالتهاب رئوي، وتم دفنه بجوار الفتاة التي منحته قلبها. ومع هذا ظل الطبيب برنارد في دائرة الأضواء ومحور اهتمام العالم. وظهر على غلاف مجلة بكاريزماته وصوره الجذابة، والتقى بكبار الشخصيات ونجوم السينما وتجمع حوله المصورون والجمهور أينما ذهب.
ومع هذا بدأ القلق حول زراعة القلب وانقسم الرأي الطبي. وكان العديد من الجراحين الآخرين مستعدين تقنيا لأداء عملية زراعة القلب، وأدت عملية برنارد إلى موجة من النشاط الدولي. في عام 1968، تم إجراء أكثر من 100 عملية زراعة قلب في جميع أنحاء العالم، من خلال 47 فريقا طبيا مختلفا. وصاحب كل عملية دعاية كبيرة عبرت خطوطا جديدة لمهنة الطب التقليدية. وعاش غالبية المرضى الذين خضعوا لهذه العمليات لفترة قصيرة، بل إن بعضهم عاش لساعات فقط، مما أثار حالة عدم ارتياح عام وانتقادات طبية لمعدلات الوفيات الكبيرة. وظهرت قضايا أخلاقية وقانونية معقدة فيما يتعلق بنقل قلب ينبض، وهو المؤشر الرئيسي للحياة والموت، وعما إذا كان هذا بمثابة قتل للمريض المانح.
معضلات أخلاقية
كما تم التشكيك في دافع الأطباء لإنقاذ حياة المرضى الذين يصنفون على أنهم متبرعون محتملون بقلوبهم، خاصة بعد عملية زراعة القلب الثانية التي قام بها الطبيب برنارد، في يناير عام 1968، حين نقل قلب رجل "ملون"، وهو المصطلح المستخدم لوصف السود في جنوب إفريقيا -إبان حقبة الفصل العنصري- إلى رجل أبيض. جلبت "جراحة قطع الغيار" هذه الأمل للبعض والخوف لدى آخرين. وفي حلقة خاصة من برنامج "عالم الغد" على "بي بي سي"، في فبراير 1968، واجه برنارد منتقديه وشهدت الحلقة حدثا رئيسا لبحث الآثار الاجتماعية والأخلاقية.
وشهد الإستديو مناقشة مع برنارد وعشرات من الأطباء البارزين، وتطرقت أيضا إلى تحديد قواعد السلوك المهني المتعلقة بعدم الكشف عن هوية المريض وسرية المريض. وكما هو الحال في أي مكان آخر، تم إجراء أول عملية زراعة قلب في بريطانيا في مايو عام 1968 وسط اهتمام إعلامي كبير، وفي نهاية المطاف ساهمت الدعاية المصاحبة للعمليات المثيرة للجدل في وقفها خلال السبعينيات. واستأنفت عمليات زراعة القلب مع التقدم الكبير في العلاجات المناعية. مثل هذه العمليات توفر حاليا تدخلا جراحيا يطيل الحياة، ولكن الانتقال من عملية برنارد الرائدة إلى الجراحة الروتينية اليوم لم يكن أبدا سلسا.
موضوعات ذات صلة
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ