عُرى ساحلية وثقى

01 - يونيو - 2020

قلم: هيلين راسل

لعل روابط الدنمارك التاريخية مع شواطئها هي السر في رفاهية هذا البلد.

في الدنمارك، لن تجد نفسك أبدا بعيدًا عن البحر بأكثر من 50 كيلومترًا. فما عدا حدود شبه جزيرة "يوتلاند" مع ألمانيا، فإن الدنمارك محاطة بالكامل بالمياه، بإجمالي 8750 كيلومترًا من الشريط الساحلي، أو "كيستلاند". ولقد "جعلت منها تلك الميزةُ موطنًا مثاليًا لمجتمع الفايكينغ، حيث كان الإبحار أهم وسيلة للتنقل"، كما تقول "ريكي جوهانسن"، قيّمة "متحف سفن الفايكينغ" في روسكيلد. وتضيف: "فرقت الأرض بين الناس؛ فجمعت المياه بينهم". وكان الصيد البحري ضرورةً للبقاء قبل زمن بعيد من تحول الدنمارك -التي تتكون من 406 جزر- إلى دولة زراعية؛ ولكن اليوم، تقول جوهانسن، فإن تلك المياه تعني الترفيه لدى جل الدنماركيين: "إننا نأخذها على محمل الجد؛ إنها أسلوب حياة. فبالنسبة إلى كثيرين منا، يُعد النظر إلى المياه كل يوم أمرًا أساسيًا".
الدنمارك أرض منخفضة بالكامل، شكلتها الأنهار الجليدية والمجاري المائية في العصر الجليدي. لا تبلغ أعلى نقطة في البلد 170 مترًا فوق مستوى سطح البحر، لذا فإن الدنمارك عرضة على نحو خاص للفيضانات والعواصف. وإذ يُتوقَّع أن ترتفع مستويات سطح البحر بنحو متر واحد في أفق عام 2100، يشعر علماء الآثار بالقلق من خطر اختفاء المواقع التاريخية تمامًا على الساحل. في عام 2019، اضطر المسؤولون لجرِّ منارة "روبيرج نود" وإعادتها إلى مكانها؛ وهي التي شُيّدت قبل 120 عامًا على بعد 200 متر من البحر، لكن انجراف الساحل قلص هذه المسافة إلى 6 أمتار فقط. ولحماية الأراضي المنخفضة، تم بناء حواجز على طول 1800 كيلومتر من الساحل، معظمها مغطى بالعشب لتحفيز نمو الحياة البرية. ولحماية مساحات الساحل المكشوفة ضد الانجراف المتسارع، تُجلَب الرمال من مناطق محددة قبالة الشاطئ لتغذية الواجهات الساحلية والشواطئ والكثبان، والتي لولاها لتراجع بعض أجزاء الساحل الغربي بمقدار 8 أمتار كل عام.
على ساحل يوتلاند الغربي العاصف، تُعرف بلدة "كليتمولر" باسم "هاواي الباردة"، بفضل الأمواج التي يبلغ طولها مترين، وكذلك ثقافة ركوب الأمواج. يقول "كاسبر شتاينفاث"، من سكان البلدة وبطل عالمي في ركوب الأمواج وُقوفًا: "ثمة مهابة قوية وتاريخية حيال المياه؛ واحترام كذلك". وأخبرني الرجل عن أسلوب السباحة بحبل مشدود حول الخصر ومربوط إلى رصيف أو أي شيء آخر قوي، لتجنب الانجراف تحت السطح. يقول شتاينفاث: "لدينا في الساحل الغربي قول مأثور مفاده أننا 'ولدنا ضد الرياح'. لكنها تجعلنا أقوى". في الطرف الشمالي من يوتلاند، يلتقي بحر البلطيق مع بحر الشمال في بلدة "سكاجين"، حيث يمكن أن يقف المرء في المياه الضحلة ليشعر بالتقاء مرج هذين البحرين. كانت سكاجين في زمن مضى أكبر مجتمع لصيد الأسماك في الدنمـارك، وتشتـهر اليــوم بكثبــانها الــرملية المتحركة، وبضوئها الطبيعي الفريد الذي لطالما ألهم الناس، من رسامي سكاجين في القرن التاسع عشر إلى الفنانين المعاصرين مثل "بوبلينس نييلس". يقول هذا الأخير: "في سكاجين، حتى الظلال مشرقة". يحظى الساحل الشرقي للدنمارك، حيث أعيش، بحماية أكبر ضد العوامل المناخية. فالخلجان والمضايق البحرية المحمية تتيح ممارسات هوايات أقل شدة، مثل ركوب الأمواج وُقوفًا.
وفي جزيرة "بورنهولم"، قبالة سواحل كوبنهاغن، يمكنك تناول مأكولات راقية والاسترخاء على رمال دقيقة للغاية، حتى إنها كانت تُستخدَم في الساعات الرملية. أما "آييرو"، وهي جزيرة صغيرة جذابة إلى الجنوب من جزيرة "فين" الدنماركية الوسطى، فباتت تُعرف بكونها جزيرة الأعراس الدنماركية. في الصيف، حين يمكن أن تبقى الأجواء مشرقة إلى ما بعد الساعة الحادية عشرة ليلًا، يُمضي دنماركيون كُثر فترة ترفيه طويلة بعد عودتهم من العمل، في الإبحار الشراعي أو الصيد أو التجديف في الكاياك أو ركوب الأمواج. يقول "سورين نيلسن"، صانع مراكب من مدينة روسكيلد: "لن تشعر بالملل هنا أبدًا. يمكنك ترك هاتفك وانشغالاتك خلف ظهرك للخروج إلى الهواء الطلق؛ فتشعر بأنك قريب من الطبيعة". وفي ذلك، يقول شتاينفاث: "الساحل قرة عيني". ولا عجب أن الدنمارك ما تنفك تُصنَّف من أسعد دول العالم؛ ومن جملة من يصنفوها، "دان بيتنر"، مؤلف كتاب "Blue Zones" (المناطق الزرقاء).
تزخـر الدنمـارك بِـ 1300 شـاطئ شبه بكر ولا يقطنهــا ســوى 5.8 مليون نسمة؛ لذا ليس من الصعب أن تجد نفسك وحيدا في هذا الشاطئ أو ذاك. وتوفر العديدُ من المدن ملاجئَ للنوم ومتاجر من الخشب المفروم، لتشجيع المخيمين؛ ويمكنك تناول الطعام مجانًا من بلح البحر الوفير المتناثر في جل أيام السنة. فلن تحتاج سوى إلى قِدر للطبخ وقَدْرٍ من روح المغامرة لدى الفايكينغ.
يقول شتاينفاث: "هناك بالتأكيد طاقة إسكندنافية هنا، وإذا كنت من نسل الفايكينغ فإنك تُطور القدرة على التحمل والمرونة. فالخط الساحلي ساحةٌ يشتبك فيها البحر والبر في معركة أبدية لا هوادة فيها؛ وهما قوتان برّيتان من قوى الطبيعة التي تلهمني وتستصغرني في الآن نفسه.. لكنها تجعلني أشعر بالحياة".
موضوعات ذات صلة
  • كيف وصل دبوس الزينة النادر إلى الدنمارك؟

    ذُهل علماء الآثار لاكتشافهم دبوسَ زينة (بروش) بطول 38 مليمترا على هيئة بومة في جزيرة بورنهولم الدانمركية. وتقول عالمة الآثار كريستينا سيهيوسن: "بدت ال

  • السعـادة بلغات العالم

    من هو أسعد شخص في العالم؟ قد يكون "أليخاندرو زونيغا"، وهو أب في منتصف العمر يتمتع بصحة جيدة ويخالط الناس وقتاً لا يقل عن ست ساعات في اليوم ولديه أصدق

  • جبل الطاقة في كوبنهاغن

    تلال القمامة تتحول إلى مقصد للرياضة والمرح لم تكن كوبنهاغن يومًا وجهة لهواة التزلج؛ والسبب: تضاريسها المنبسطة. لكن مشروع "كوبنهيل" المبتكَر قد حَلّ

  • أرياف ويلز الأسطورية

    اِنطلِقْ في مغامرة ساحلية، ثم امشِ على رسلك على طول الممرات الجبلية. تُطالِع الزائرَ لوحةٌ إعلانيةٌ على جدارٍ يطل على موقف سيارات في "سوانزي" الويل

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ