النظرة القاتلة

01 - سبتمبر - 2018

بقلم: جويل سارتوري

عدسة: جويل سارتوري

قـبـل أعـوام عـدة، وخلال إحدى مهامي لمصلحة ناشيونال جيوغرافيك، دلفتُ إلى داخل كهف في أوغندا لتصوير مجثمٍ يضم زهاء مئة ألف "خفاش فاكهة مصري" (Rousettus aegyptiacus). ورغم أن الخفافيش شائعة الوجود في عموم إفريقيا، إلا أن مجثمها الكهفي هذا كان متميزاً في تكوينه المقوس الذي يتيح تسلل الضوء إلى فضائه عبر طرفيه. أما السقف فكان منخفضاً، ما يعني أن الخفافيش ستكون قريبة، فيسهل تصويرها.
ارتديتُ قناع تنفس كإجراء وقائي. ظننت أن الخطر الحقيقي الوحيد يكمن في الثعابين وكوبرا الغابات، التي تنسل عبر أرضية الكهف لتصيد الخفافيش التي تهوي من السقف. أنا بخير طالما توخيت الحذر في خطواتي. أو هكذا ظننت.
انهمكت في العمل بضع ساعات، قبل أن أخرج من الكهف عند الغسق. حزمت معداتي، وبدأت رحلة العودة الطويلة إلى الطريق الرئيسة مع دليلي. كنت متسخاً ومنهكاً ومتحمساً في الآن نفسه للصور التي التقطتها، وكذلك لحقيقة أن الخفافيش غضَّت الطرف عن وجودي في ذاك المكان.
كنا قد ابتعدنا قرابة مئة خطوة عن الكهف، وخلعت للتو قناع التنفس والنظارة الواقية، عندما سمعت جلبة ميكانيكية هائلة من فوقي، وكأنها أزيز ألف من محركات لعب الأطفال تصدح في اللحظة ذاتها. ثم هبت نسائم هواء قوي معبق برائحة الأمونيا بينما كانت أسراب الخفافيش تتدفق من داخل الكهف إلى عتمة المساء، تمهيداً لبدء رحلة البحث عن الطعام ليلاً.
تطلعت إلى أعلى للحظة كانت كافية لتسقط قطرة لزجة من ذرق خفاش في عيني اليسرى. كانت ساخنة حارقة. وأدركت على الفور أنني تعرضت لما نسميه "تلامسٌ رطب"، وهو أمر لا يقل في خطورته عن عضة الخفاش ذاتها.
وثّقتُ بعدستي الحيوانات على مدار عقود، وتمرستُ في كل ما يلزم من تدريبات، وعلمتني الخبرة أن الخطر الأكبر لا يكمن في الكائنات الكبيرة مثل الدببة أو الأسود، بل في تلك الأصغر والأهون. تعرضتُ من قبل ليرقات ذباب طفيلية دفنت نفسها في يديّ وأسفل ظهري. ثم أصبت بـ"داء الليشمانيات المخاطي الجلدي" وهو مرض تسببه الطفيليات آكلة اللحم، وتطلب الأمر شهراً من العلاج الكيميائي. وغني عن القول إن والديّ كانا يعيشان في خوف دائم طيلة وجودي في المناطق المدارية.
عدتُ إلى معسكر الانطلاق، حيث بادرت بالاتصال بالفرع الأوغندي التابع لـ"مراكز مكافحة الأمراض واتقائها بالولايات المتحدة"، حتى أعرف ماهية الخطر الذي تعرضت له بالاحتكاك مع تلك الخفافيش. صمتَ محدثي لفترة طالت، قبل أن أسمع رده: "ما كان ينبغي لك أن تذهب إلى هناك. ذلك أن فيروس ماربورغ كامنٌ في ذلك الكهف".
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ