اللغز الكبير لـ إيفرست

01 - يوليو - 2020

قلم: مارك سينوت

عدسة: رينان أوزتورك

قبل نحو قرن من الزمن، اختفى "ساندي أُرفــــاين" وصاحبه في تسلّق الجبال، "جورج مالوري"، من حافة مرتفعة على جبل "إيفرست". فهل يا ترى نجحا في بلوغ القمة قبل 29 عامًا من نجاح "إدموند هيلاري" و"تينسينغ نورغي" في بلوغها؟ وإذ ما زال العالم يحتفي بهذين الأخيرين بصفتهما أول من بلغ قمة "إيفرست" في العالم، يخوض كاتبنا وفريقه رحلة شاقة لتقفّي خطى أُرفاين بحثًا عن جثته وكاميرته سعيًا وراء دلائل قد تعيدا كتابة تاريخ تسلّق هذا الجبل.

"صاح الرجل في وجهي قائلًا: لا تفعل ذلك! فأنت متعَب للغاية. والأمر لا يستحق المخاطرة". إنه دليلنا ورئيس بعثتنا، "جيمي ماك غينيس". قال ذلك وقد رمقني بعينين محتقنتين غائرتين. كان حينها قد نزع عن وجهه قناع الأوكسجين ونظّارته الشمسية. لم يحلق ذقنه منذ أيام وقد اكتسى بشعر شائب خشن. أما وجهه فكان قد امتُقع وشحب شحوبَ الأموات.
كنا حينئذ نجلس على كومة من الحجارة على ارتفاع 8440 مترًا على "الحافة الشمالية الشرقية" لجبل "إيفرست" في الجانب الصيني، بعيدًا عن زحام درب نيبال. وعلى بعد مئة متر أسفل منّا، كانت تنتظرنا إحداثيات جهاز "جي. بي. إس." التي قد تحل أحد أكبر ألغاز تاريخ تسلق الجبال. إذ أظهر بحث جديد أن المستكشف البريطاني الأسطوري "آندرو أُرفاين" -الذي اشتُهر بلقب "ساندي"- ربما كان قد سقط ولقي حتفه في ذلك الموضع. فهل يا ترى كانت جثته هناك؟ قبل نحو قرن، اختفى أُرفاين وصاحبه في تسلّق الجبال، جورج مالوري، أثناء هبوطهما هذه الحافة. ومُذّاك والعالم يتساءل إن كان أحدهما أو كلاهما قد نجح في بلوغ القمة في ذلك اليوم، قبل 29 عامًا من اعتراف العالم بأن "إدموند هيلاري" و"تينسينغ نورغاي" هما أول شخصين يقفان على قمة إيفرست. ويُعتقد بأن أُرفاين كان يحمل كاميرا صغيرة من إنتاج شركة "كوداك". فإن أمكن العثور على تلك الكاميرا، وكانت تتضمن صورًا ملتقطة للقمة، فإنها ستعيد كتابة تاريخ تسلّق أعلى قمة في العالم. تفحّصتُ معالم الأرض المحيطة بي؛ فوجدت سلسلة من الأجراف القصيرة شديدة الانحدار تكتنفها نتوءات مكسوّة بالثلوج والركام في منطقة من الصخر فاتح اللون تُعرف باسم "الشريط الأصفر". وعلى بعد أربعة آلاف متر إلى الأسفل كانت هضبة التيبت تتلألأ كالسراب. لم أكن قد نمتُ إلا قليلًا في الساعات الثماني والأربعين السابقة، وكنت واهنًا ومصابًا بالغثيان بسبب الارتفاع الشاهق. ولم أكن قد أكلت شيئًا مذْ غادرنا "مخيم الانطلاق المتقدّم"، الواقع على ارتفاع 6400 متر، قبل ثلاثة أيام.. سوى لُقيمات من "الكاري" المجفف بالتجميد، وحفنة من حبوب الكاجو، وأخيرًا قضمة من قطعة حلوى على قمة إيفرست؛ قبل أن أتقيّأ كل ذلك لاحقًا. كنت منهكًا إلى درجة أن دماغي المتعطّش للأوكسجين كان يتوسّل إليّ أن أستلقي على ظهري وأغمض عيني. لكن بقيةً من وضوح الرؤية والعقل فيَّ عرفت أنه لو أنني فعلت، فلربما ما كنت لأستيقظ بعدها من نومتي أبدًا.
تقعقعَتْ حفنة حجارة صغيرة من علٍ، فرفعتُ بصري ووجدت المصوّر، "رينان أوزتورك"، يشق طريقه هابطًا حافة الجبل باتجاهنا. كانت ذراعه ملفوفة بالحبل البنفسجي النحيل الذي مثّل الحبل السري الذي يربطنا بالقمة حيث كنا نقف قبل ساعات عدة. انطلق بحركة انزلاقية فهبط إلى جانبي. التفتُّ إليه وسألته: "ما رأيك؟". فلم يجبني على الفور، إذ كان يحاول التقاط أنفاسه وصدره يصعد ويهبط مع كل شهيق وزفير. وعندما التقط أنفاسه، سمعت صوته المكبوح عبر قناع الأوكسجين وهو يقول: "عليك أن تفعلها". أومأت برأسي موافقًا، وفككت مشبكي عن الحبل، وخطوت أولى خطـواتي الحذرة هابطًا النتوء الصخري المنحدر. وفي اللحظة التي تركت فيها الحبل، صاح "لاكـبـا شيربا" قائلًا: "لا، لا، لا!". لوّحت له بيدي قائلًا: "أحتاج ببساطة إلى أن أتحقق من شيء.. لن أبتعد كثيرًا". لكن الرجل توسّل إليّ قائلًا: "ما تفعله خطر جدًا.. خطر جدا!". كان صاحبنا، بوصفه متسلّق جبالٍ ودليلا متمرّسا اعتلى قمة إيفرست مرّات عديدة، يعرف جيدا أن زلّةً واحدة من قدمي على الهشيم الصخري كفيلة بأن تهوي بي 2000 متر نحو "نهر رونغبوك الجليدي". جزءٌ مني وافقه الرأي وأراد أن يلغي المَهمة. بعد عقود أمضيتها في تسلّق الجبال في مختلف أرجاء العالم، عملت فيها أيضا دليلًا محترفًا، كنت قد وعدت نفسي ألّا أتعدّى أي حد ينطوي على مخاطرة معقولة كبيرة جدًا. كيف لا، وكانت تنتظرني في الوطن عائلة أحبّها حبا جمًّا. لكنني، في تلك اللحظة، تجاهلت ماك غينيس ولاكـبـا والعهد الذي قطعته على نفسي؛ إذ كانت الرغبة في حل لغز اختفاء أُرفاين أقوى بكثير.

كنت قد عرفت منذ زمن طويل النظرية القائلة إن مالوري وأُرفاين ربما كانا أول من اعتلى قمة إيفرست. لكن حمّى العثور على أُرفاين لم تكن قد أصابتني إلا قبل عامين، بعد حضوري محاضرة ألقاها صديقي "توم بـولارد"، الذي سبق له أن اعتلى قمة إيفرست، وكان يعيش على بعد بضعة كيلومترات عن منزلي. هاتفني بعد بضعة أيام على المحاضرة. عندها سألته: "لا أحسبك تعتقد أنك تستطيع العثور عليه حقًا، أليس كذلك؟". قهقه قليلًا وقال: "وما قولك لو كانت لدي معلومة حاسمة لا يمتلكها أحدٌ غيري؟". فأجبته بشوق: "مثل ماذا؟". سكتَ بضع ثوان ثم قال: "مثل الموقع الدقيق للجثة".
كان بـولارد مصوّرًا ضمن "بعثة مالوري وأُرفاين البحثية" التي انطلقت عام 1999، والتي كان متسلّق الجبال الأميركي "كونراد آنكر" قد عثر خلالها على جثة "جورج مالوري" على هذا الجانب من الواجهة الشمالية لإيفرست، حيث لم يغامر بخوض هذا المسار سوى قلة قليلة من متسلقي الجبال. كانت الجثة مطمورة بالحصا ووجهها إلى الأرض وكأنها بُطحت في قالب من الإسمنت الرطب. كان ظهر مالوري مكشوفا تماما، وكانت بشرته المحفوظة شديدة النظافة والبياض إلى درجة أنها بدت كما لو أنها جزء من تمثال رخامي. كان حبلٌ مقطوع مربوط حول خصره قد خلّف علامات في جذعه، ما يدل على أن مالوري كان في لحظة ما قد تعرّض غالبا لسقوط قاسٍ وهو يتدلّى من الحبل. وأكثر ما استوقف نظري، الطريقة التي التفّت فيها ساقه اليسرى باليمنى التي كانت قد انكسرت فوق مستوى الحذاء، كما لو أنه كان يحمي رجله المصابة. وبصرف النظر عمّا حدث، فقد بدا لي جليًا أن مالوري كان حيا -وإن كان لبعض الوقت- عندما وصل إلى مثواه الأخير. افترض آنكر وزملاؤه الباحثون في بادئ الأمر أن الجثة تعود لساندي أُرفاين لأنها اكتُشفت في موضع أسفل مباشرة من المكان حيث عُثر على فأس الثلج الخاصة بأُرفاين على حافة الجبل بعد مضيّ زهاء عقد على اختفائه واختفاء مالوري. ترى.. هل كان مالوري مربوطًا بأُرفاين عندما هوى؟ وإن كان الأمر كذلك، كيف انقطع الحبل؟ ولماذا لم يُعثر على جثة أُرفاين في الجوار؟
أثارت تفاصيل أخرى مزيدًا من الأسئلة. إذ عُثر على نظّارة مالوري الواقية المظللة بالأخضر في جيبه. فهل هذا يعني أنه كان يهبط الجبل ليلًا إذ لم يكن بحاجة إليها؟ كما أن عقارب ساعة يده كانت قد توقّفت بين الواحدة والثانية، ولكن هل كان ذلك ليلًا أم نهارا؟ فضلاً عن ذلك، كان مالوري قد أعلن أنه في حال تمكن من بلوغ القمة، فكان سيترك صورة زوجته عليها. ولم يُعثر على الصورة في ملابس جثته. ثم إنه لم يكن هناك أثر للكاميرا؛ ما دفع كثيرًا من مؤرّخي تسلّق جبل إيفرست إلى استنتاج أنه لا بد من أن أُرفاين كان يحملها. ويبدو ذلك منطقيًا إذا أخذنا في الحسبان أنه كان المصوّر الأقـدر بيـن الاثنين، وأنه كان يـدري أن الجمهور البريطاني سيرغـب حينها برؤية صور لصاحبه مالوري الـذي كان المعجبون به يلقّبـونه باسم "غالاهــاد" (نسبـةً إلى الفارس البطل في أسطورة الملك "آرثر")، بدلًا من صور شريكه أُرفاين الأقل شهرة. أما آخر من رأى الرجلين، فكان رفيقهما في الفريق، "نويل أوديل"، الذي كان قد توقف عند ارتفاع يناهز الـ 8000 متر في يوم 8 يونيو عام 1924، ليلتفت إلى القمة ويحدّق فيها. ووفقًا لما أفاده أوديل، فقد كانت غشاوة كثيفة كالقطن قد حجبت أعالي الجبل، ولكن في الساعة 12:50 ظهرًا، ارتفعت السحب الحائمة مؤقتًا، لتكشف عن مالوري وأُرفاين وهما "يحثّان الخطى" إلى الأعلى وقد فصلهما عن القمة نحو 250 مترًا. وفي تقرير أوديل عن الرابع عشر من يونيو ذلك العام، كان قد كتب التالي: "تسمّرت عيناي على نقطة سوداء صغيرة على خلفية من جرف ثلجي صغير. ثم اقترب أول الرجلين من الدرجة الصخرية الكبيرة ثم ظهر بُعيد ذلك عليها؛ وكذلك فعل الثاني. ثم اختفى المشهد الفاتن وقد غشيه الغمام من جديد".

كنت حتى الآن قد قاومت فكرة تسلّق جبل إيفرست؛ إذ كنت أشعر بالنفور من قصص التجمهر والأغرار الذين ليس من المفترض أن يكونوا على الجبل أصلًا، ونفرت من إلقاء عبء المخاطرة على فرق دعم التسلّق -الذين هم في أغلبهم من قومية "الشيربا"- الذين كانوا يحملون على أكتافهم "الأنا" المضخّمة لمتسلقي الجبال، وكانوا أحيانًا يدفعون حياتهم ثمنًا لذلك عندما كان "كومولانغما" (وهو الاسم التبتي للجبل) يعبّر عن استيائه بإطلاق العواصف والزلازل والانهيارات الثلجية. كان ذلك سببًا لعدم فهمي استحواذ القمة على تفكير بـولارد. ولكنْ إذ واصلنا التحادث خلال الشهور التي تلت المحاضرة، أخذتْ قصة مالوري وأُرفاين تثير فضولي أكثر فأكثر. وأثناء أحد تلك النقاشات، أخبرني بـولارد عن "توم هولزل"، وهو رائد أعمال ومخترع وكاتب وعاشق لقمة إيفرست في التاسعة والسبعين من عمره، كان قد أمضى أكثر من أربعة عقود محاولًا حل ذلك اللغز.
قاد هولزل في عام 1986 أول بعثة للبحث عن مالوري وأُرفاين مع "أودري سالكيلد"، وهي مؤرخة بارزة لعمليات تسلّق جبل إيفرست. لكن كثافة الثلوج غير المعتادة في ذلك الخريف حالت دون وصول فريقهما إلى ارتفاع كافٍ على الجانب الصيني من الجبل. ولو كانت الظروف أفضل لكان من الممكن جدًا أن يعثروا على جثة مالوري التي اكتُشفت فيما بعد على بعد 35 مترا عن الموضع الذي كان هولزل ينوي بلوغه. وكانت خطته تتمثل في استعمال صورة ملتقطة من الجو خلال مشروع لرسم خريطة لجبل إيفرست -بدعم من "الجمعية الجغرافية الوطنية" الأميركية- يرأسه المستكشف "برادفورد ووشبرن"؛ لمحاولة تحديد الموقع المضبوط الذي كان متسلّق جبال صيني يُدعى "شو جينغ" قد زعم أنه عثر فيه على جثة أُرفاين. كان شو حينها نائب قائد البعثة الصينية التي كانت أول من تسلّق الجانب الشمالي من إيفرست في مايو من عام 1960. ووفقًا لرواية شو، فإنه بعد تخلّيه عن محاولة اعتلاء القمة، كان قد سلك أثناء هبوطه الجبل طريقًا مختصرة تجتاز "الشريط الأصفر"، فإذا به يرى جثة قديمة في صدع على ارتفاع نحو 8300 متر. وفي فترة رؤيته الجثة، لم يكن قد مات على ذاك الارتفاع على الجهة الشمالية لإيفرست سوى شخصين هما مالوري وأُرفاين. وبحلول الوقت الذي أدلى فيه شو بإفادته، عام 2001، كانت جثة مالوري قد وُجدت في مكان أخفض على الجبل.
وعندما زرنا -أنا وبـولارد- هولزل في ديسمبر من عام 2018 في منزله بولاية كونيكتيكت، أرانا في صورة يمتلكها بعرض 2.5 متر -وكانت مكبّرة عن الصورة التي التقطها المستكشف ووشبرن- أنه لم يكن سوى مسار واحد بدا من المنطقي أن يختاره شو جينغ طريقًا مختصرًا. وباتباع عملية ممنهجة لاستبعاد الخيارات الضعيفة وبتحليلٍ مفصّل لمعالم الأرض، كان هولزل قد توصل إلى صدع أوحد كان يعتقد أنه موضع جثة أُرفاين، وحدد خطَّي طوله وعرضه بدقة. أشرتُ إلى الحلقة الحمراء على الصورة الضخمة قائلًا: "ما احتمالات أن يكون ما زال هنا؟". فأجابني هولزل قائلًا: "لا يمكن ألاّ يكون هناك [يُقصَد أُرفاين]".

كـان محض حظ ومصادفة، من أوجه عدة، أن يكون أُرفاين قد استطاع تسلّق جبل إيفرست. فالشاب الرياضي الخجول الذي لم يكن قد تجاوز الحادية والعشرين من عمره، كان ما يزال يدْرس لدى "كلية ميرتون" في "جامعة أوكسفورد"، عندما دعته لجنة جبل إيفرست إلى الانضمام للبعثة عام 1923. وعلى خلاف غيره من أعضاء الفريق البريطاني المتمرسين، كانت خبرة أُرفاين في التسلّق محدودة، إذ كان قد اعتلى قممًا متواضعة في جزيرة "سـبـيتسبيرغن" النرويجية وفي ويلز وجبال الألب.. التي لا تقارَن بعمالقة جبال الهيمالايا.
ومع ذلك، فإنه بحلول الوقت الذي كان فيه الفريق قد وصل إلى الجبل، كان هذا العضو الأكثر شبابا بينهم، والذي كانت لجنة جبل إيفرست قد عـدّته "رجلها الخارق"، قد نال احترام رفاقه في الفريق وأثبت فائدته بأن أعاد تمامًا تصميم أجهزة الأوكسجين المخترعة حديثًا الخاصة بهم. فهذا المهندس والمصلّح الهاوي الموهوب، كان قد فكّك أجهزة الأوكسجين ثم أعاد تركيبها لتصبح أخف وزنًا وأقل إرباكًا وأقل عرضة للكسر. وكنت، قبل أشهر قليلة من الانطلاق في بعثتنا عام 2019، قد سافرت إلى إنجلترا لزيارة "أرشيف ساندي أُرفاين" في كلية ميرتون. (بالمناسبة، من المصادفات الجميلة أن جدي كان قد درس في هذه الكلية بعد أُرفاين ببضع سنوات). يحوي الأرشيف 25 علبة تضم أوراقًا وصورًا ومخلّفات تذكارية أخرى، من بينها دفتر مذكّرات أُرفاين على جبل إيفرست، كان قد استُعيد من الجبل بعد اختفاء الرجل. يبلغ عرض هذا الدفتر زهاء 20 سنتيمترًا وطوله 13 سنتيمترًا وله غلاف قماشي أسود، وقد احتفظ بين دفتيه بروح الشباب المندفعة التي كانت تغمر أُرفاين.
أَحضر لي أمين الأرشيف، "جوليان ريد"، الدفترَ ووضعه على لبادة من الإسفنج الصناعي. ثم قلّب صفحاته حتى بلغ آخر مادة مدوّنة فيه وقال: "عندما قرأت هذا، اقشعرّ بدني". كتب أُرفاين آخر مدوّناته على عَجل مساءَ الخامس من يونيو، عندما كان قد خيّم مع مالوري على ارتفاع 7000 متر على "الفَجّ الشمالي"، وهو معبر ثلجي ضيّق كهيئة السرج يربط الجهة الشمالية لجبل إيفرست بقمته الثانية المعروفة باسم "تشانغتسي"، حيث استعدا للانطلاق نحو القمة العليا اليوم التالي. وكان قد اشتكى في دفتر مذكراته من أن بشرته الفاتحة تشققت وطفحت بالبثور بفعل الشمس، إذ كتب: "وجهي يعذّبني بشدة. حضّرت جهازَي أوكسجين لانطلاقتنا غدًا صباحًا". سَرَت القشعريرة في جسمي -كما سرت من قبل في جسم ريد- عندما قرأت كلمات أُرفاين، وانتابني كذلك شعور عميق بالأسى. إذ إن أُرفاين كان لدى اختفائه بعمر ابني البِكر.

قبـل شروعنا في البحث عن أُرفاين، كان علينا أن نتأقلم مع الارتفاعات الشاهقة وأن نختبر أسلحتنا السريّة: سرب صغير من الدرونات (الطائرات المسيّرة). وفضلًا عـن أن صاحبي أوزتورك منتجُ أفلام موهوب، فإنه وباعترافـه شخصيًا "مهووسٌ بالدرونات"؛ وكان يأمل استعمال هذه المَركبات الجوية غير المأهـولة، لا للبحـث فيما سُمِّيَ بِـ "صدع أُرفاين" فحسب، بل كذلك في كامل الجهة الشمالية للجبل. وفي الأول من مايو عام 2019، جلس فريقنا حول طاولة منطوية في خيمة تناول الطعام، المنصوبة على ارتفاع 6400 متر على منصّة صخرية لدى "مخيم الانطلاق المتقدّم" المُقام على حافة "نهر رونغبوك الجليدي الشرقي". كان الجو حينها دافئًا، وكان باب الخيمة مفتوحًا؛ ما منحني مشهدًا مثاليًا لجهة إيفرست الشمالية. وكان كساء ثلجي شبيه بذيل تنين أبيض قد امتد من القمة مسافةَ كيلومترات. قال ماك غينيس مشيرًا إلى دوّامة بلون زاهٍ في "خليج البنغال" على شاشة حاسوبه المحمول: "هذا إعصار من الفئة الرابعة.. قد يلقي بقدمٍ واحد [30 سنتيمترا] من الثلوج علينا خلال الأيام القليلة التالية". كنا نعتزم إرسال دروناتنا من "الفج الشمالي" في اليوم التالي؛ إذ كنا نتوق إلى اختبار قدراتها على ارتفاع شاهق. لكن ماك غينيس استبعد إمكانية ذلك، قائلًا: "قد يصبح الجو عاصفًا بشدة هناك". وكان ظنّه في محلّه؛ إذ كانت العصفات على "الفج الشمالي" بعد يوم ونصف يومٍ شديدة إلى درجة أن أوزتورك لم يتمكن من جعل أول درون تقطع المسافة كلها في طريق العودة إلينا، فاضطر لجعلها تهبط على مكان في الجوار كي يسترجعها.
في تلك الليلة، تجمّعنا في خيمتنا إذ أخذت العاصفة تزداد شدّة. كنا حينها أعلى بـ 600 متر من "مخيم الانطلاق المتقدّم"، وكنت أعاني سعالًا مجهدًا وشعورً بالإنهاك وشيئًا من الغثيان، كما لو كنت مصابًا بزكام حاد. ومع اشتداد صداعي، اشتدت الريح، إلى أن أخذ قماش الخيمة يخفق بقوة. وقبل أن يحل منتصف الليل، سمعت ما شبّهته بصوت طائرة "بوينغ 747" تُقلع من فوق رؤوسنا. وبعدها بثوان، سُوّيت الخيمة بالأرض، ووجدت نفسي مثبّتًا بأرضية الخيمة وكأن يد عملاق خفي تضغطني. صحيحٌ أن العصْفة لم تدم سوى بضع ثوان قبل أن ترتدّ الخيمة إلى وضعها الأصلي، إلاّ أنني علمت أن مزيدًا من الجو العاصف كان بانتظارنا. وعلى مدار الساعتين التاليتين ازدادت العاصفة شدة، إلى أن حلّت الساعة الثانية صباحا، عندما عفّرت عصْفةٌ رأسي بالأرض وشعرت بخدّي ينضغط في الجليد الذي تحت الخيمة. وتزلزل الجبل كما لو أنه بركان على وشك أن يثور. وثبّتتنا العاصفةُ المزمجرة الغاضبة مدة 20 أو 30 ثانية، وأذكر أنني قلت لنفسي: "أهكذا يكون شعور المرء قبل أن يموت؟". عندها تكسّرت أعمدة الخيمة، ولحفنتي قطعة من النايلون مكسوّة بالصقيع كانت تنتفض في وجهي، فيما مزّقت شظايا من الأعمدة المتكسّرة قطعة النايلون إلى شرائط. ودعوت ربي أن تظل الأوتاد المصنوعة من الخيزران ثابتة في الأرض.
عندما أشرقت الشمس أخيرًا، جلستُ ناصبًا الخيمة المتداعية برأسـي الــذي كــان ينتفــض وجعًـا. وكان رفيـقيَّ في الفريق منكمشين إلى جانبي بوضعية جنينيّة، وأخذت أكِـز أرجلهما كي أتأكد من أنهما على قيد الحياة. وعندما زحفت خارجا من الخيمة، حبست نفسي مشدوهًا وقد استقبلني مشهدٌ من الدمار الشامل: فقد حُطّمت كل خيمة وكسّرت، ورأيت إحداها تطير في الهواء على ارتفاع 150 مترًا فوقنا بعدما أقلعت كما لو أنها طائرة ورقية. ألقيت نظرة عـلى حافة الجبل ورأيـت مجمـوعـة مـن متسلقي الجبال الهنود وهــم يهبـطونه باتجاه مخيّمنا في اللحظة التي هبّـت علينا عصفــة جديــدة. وإذا بالجميع يصرخ. وجـد أربعة أشخاص أنفسهم متدلّين من شفا جــدار جــليدي بـارتفاع 300 متر، كما لو أنهم مصابيح زينة مرتّبة في سلك على شجرة عيد ميلاد. عندها رمى أحد أعضاء فريقنا بنفسه على الوتد الذي كان يثبّت الطرف الأقرب إلينا من الحبل وغرس فأس الثلج الخاصة به بقوة ليعزز بها الوتد، في حين استعمل البقية حبلًا آخر لسحب المتسلقين إلى بر الأمان. قلت لرفاقي: "لنخرج من هنا، بحق الجحيم!". كان نصيبُنا من التوفيق في استعمال الدرونات أكبر بعد أسبوع. ففي محاولة أخيرة للبحث في "الشريط الأصفر" من الجو، تسلقنا مجددًا إلى "الفج الشمالي" وأخذنا نراقب بشوق أوزتورك وهو يطلق درونًا باتجاه القمة. وبينما ارتفعت الدرون في الجو، وقفتُ وراء الرجل ممليًا عليه من فوق كتفه إلى أين يتوجّه بها ومحددًا الأشياء التي ينبغي التقاط صور لها. وقبل أن تتنامى قوة الريح في الظهيرة، كان الرجل قد التقط 400 صورة فائقة الدقة للمنطقة التي نعتزم البحث فيها عن الجثة، ومن ضمنها صورة مقرّبة للموضع الذي دلّنا عليه هولزل. لفت نظري وجود صدعٍ في إحدى الصور، لكني لم أتمكن من رؤية ما في داخله. هل كان يضمّ جثة أُرفاين؟ كان الوقت اللازم لمعرفة الإجابة ينفد من بين أيدينا.

سنحت لنا أول فرصة لبلوغ القمة من الجانب الصيني يوم 22 مايو، أثناء انتظارنا لدى "مخيم الانطلاق المتقدّم". وكنا حينها قد تأقلمنا تمامًا مع الأجواء بعد رحلتين إلى "الفج الشمالي"، وجاهزين للانطلاق نحو منطقة البحث هناك في الأعلى على "الحافة الشمالية الشرقية". لكننا لم نكن وحدنا على الجبل، بل كان يزاحمنا أكثر من 450 شخصًا على أهبة الاستعداد لصعود الجبل من الجانب النيبالي، حيث كان "مخيّم الانطلاق" قد تحوّل إلى مكان تعمّه الفوضى والاستغـلال التجاري. ثم كانت هناك مجموعة تضم 200 شخص أو نحو ذلك تنتظر دورها في الجانب الصيني معنا. عندها، ألقى ماك غينيس نظرة واحدة على هذه الجماهير من المغامرين المتعطّشين لبلوغ القمة وقال: "لا!". فتَعيَّن علينا انتظار فرصتنا التالية.
وعلى مرّ الأيام التالية، فقد تسعة أشخاص حياتهم على جبل إيفرست، سبعةٌ منهم على الجانب الجنوبي واثنان على الجانب الشمالي (وكان شخصان قد توفّيا قبل أسبوع على الجانب الجنوبي؛ ما زاد إجمالي عدد الضحايا إلى 11). ولن أنسى أبدًا شعوري بالعجز وأنا أراقب بمنظارٍ مئتين من متسلّقي الجبال الطامحين إلى بلوغ القمة وهم يمضون قُـدُمًا بخطى مثقلة متقاربين في رتل واحد نحو وجهتهم المنشودة، ثم سماعي التقارير التي التقطها جهاز الراديو الخاص بنا عن أولئك الذين غيّبهم الموت وحرمهم إلى الأبد من العودة إلى وطنهم لرؤية أحبائهم. وبعد ظهيرة يوم 23 مايو، جلسنا مع فريق دعم التسلّق الخاص بنا لنناقش الجوانب اللوجستية الخاصة بالبحث. وكان ماك غينيس قد أكّد لنا أن أعضاء فريق الدعم كانوا على علم بخطتنا، ولكن يبدو أن سوء فهم كان قد حصل خلال الترجمة؛ إذ عندما شرعت في شرح استراتيجيتي للبحث في "الشريط الأصفر" عن جثة أُرفاين، رفعوا أيديهم استنكارًا وأخذوا يتجادلون باللغة النيبالية. تساءل لاكبا شيربـا قائلًا: "ألـن نذهــب إلى القمـة؟ هــذه مشكلة كبيرة". شرع أوزتورك في الترجمة لبقية الأعضاء، فاتضح ما يلي: أولًا، أن فريق الدعم لم يرغب بأن نتحرك بعيدًا عن الحبال الثابتة التي أعدّها الصينيون. وثانيًا، أن بعض أعضاء الفريق كان غـرًّا لم يسبق له أن اعتلى قمة إيفرست. وثالثًا، أنهم كانوا يرغبون بأن يختصروا قدر المستطاع مدة المكوث في "المخيّم الثالث" الواقع على ارتفاع 8200 متر، الكائن في قلب ما يُعرف باسم "منطقة الموت" حيث الهواء لا يسمح للمرء بالحياة طويلًا؛ وعن ذلك قالوا: "إنه خطر على الجميع". التفتّ إلى ماك غينيس فسألته: "ما الخطب؟ ظننتك أخبرتهم عن عملية البحث". فرفع كتفيه استهجانًا، والكلام بالكاد يخرج منه بسبب التهاب حنجرته. وأشار إلى أنه كان قد حاور بالفعل بعض أعضاء الفريق على أقـل تقـدير بشأن الخطة عندما كانوا في كاتماندو.
لم يكن هناك من شك حينها أننا نواجه مشكلة مع فريق دعمنا الذي ضم بالإجمال 12 رجلًا. ولم يكن أحد منا يتوهّم بأننا قادرون على تسلّق الجبل من دونهم. فقد كنا نعتمد على دعمهم -مثل جميع الفرق الأخرى تقريبًا- وفي حال قرروا التخلّي عنا، كانت بعثتنا ستكون بحكم المنتهية. سألت ماك غينيس: "إنْ ذهبنا إلى القمة، أيمكنني أن أحيد عن المسار المتّبع، للبحث عن صدع أُرفاين، إما أثناء صعودنا أو أثناء هبوطنا؟". فأجابني قائلًا: "من الأفضل أن يكون ذلك أثنـاء هبوطنــا". ثـم إنــه بهذه الطريقة ستبدو معالم الأرض كما بـدت لمتسلّق الجبال الصيني، شــو جينغ، عام 1960، عندما زعم أنه عثر على الجثة. عندما دعونا لاكـبـا إلى دخول خيمة تناول الطعام وأخبرناه بأننا سننطلق إلى القمة، أومأ برأسه وقال "حسنًا" بالنيبالية. ولم يذكر أحدٌ صراحةً احتمال أن أنشقّ عنهم وأخرج عن المسار أثناء هبوط الجبل، ولكنني تصوّرت أن يكون لاكـبـا قد فهم مرادي بالنظر إلى أننا كنا قد أخبرناه قبل دقائق قليلة أن ذلك كان هدفنا الأساس. ورأينا في خطتنا (الوصول إلى القمة ومن ثم البحث أثناء عودتنا إلى الأسفل) تسويةً معقولة.

بعد ثمانية أيام، وصل فريقنا إلى قمة العالم وطفقنا نمشي هابطين طريق العودة. وكان لاكـبـا الذي تذيّل الفريق، يراقبني بعناية وأنا أدرس معالم الأرض وأراجع بين الحين والآخر جهاز "جي. بي. إس.". وعندما فككت مشبكي عن الحبل ونحن على ارتفاع 8440 مترًا، صاح في وجهي: "لا، لا، لا!". هناك وقفت، محاولًا الحسم فيما سأفعل. في صميم قلبي، كنت أعلم أن من الخطأ أن أخالف أوامر لاكبا وأنني كنت أتصرف كأي شخص غربيّ أناني آخر. فإنْ سقطت أو اختفيت، سيكون لزامًا على لاكبا البحث عني؛ وإنْ متّ، فسيُضطر لشرح ملابسات وفاتي للمسؤولين الصينيّين. والأهم مما سبق ذكره، هو أنني بعد أن وصلنا إلى هذه المرحلة من التسلّق معًا، شعرت بأن هذا الرجل يرعاني بصدق؛ وكان شعورًا متبادلًا. ولكن المشكلة تمثّلت في يقيني أنني سأنجح في ما أنوي الإقدام عليه؛ وأن لاكـبـا سيغفر لي طيشي هذا.
ووفقًا لجهاز "جي. بي. إس."، كان صدع أُرفاين على مرمى حجر. فانطلقت، وأَعيُن لاكـبـا والآخرين تتابعني، قاطعًا حافة ضيقة تكسو أرضها صفائح غير ثابتة من الحجر الكلسي كما لو أنها حجارة رصْف. ولم أكد أقطع مترًا حتى وطأتُ كومةً انزلقت من تحت قدمي فأخذت أتقلقل في مكاني محاولًا حفظ توازني. هنالك صاح أوزتورك: "كن حذرًا!". وبعد قطع نحو 30 مترًا، نظرت إلى الأسفل فوجدت مجرى ضحلًا يقطع شريطًا صخريًا شديد الانحدار إلى الحيد الثلجي التالي الذي يدنوه. في تلك اللحظة تذكرت بصعوبة هذا المَعلم من الصور التي كانت الدرون قد التقطتها للأرض. وتساءلت إن كان هذا هو الدرب المختصر الذي سلكه شو عند هبطوه مجتازًا "الشريط الأصفر"؟ استدرت حتى صرت أواجه المنحدر، متخذًا وضعية من يريد هبوط سلّم، وحشرت معولي في الثلج القاسي كالصخر. عندها أخذَت شفرةُ المعول تَصرّ وهي تثقب سطح الثلج المسفوع بالريح. ولمّا نظرت بين رجلي، لاحظت الهوّة المرعبة التي تفصلني عن النهر الجليدي الواقع على عمق سحيق تحتي. وعلى مسافة مئات الأمتار أسفل مني، كانت المصطبة الثلجية التي عُثر فيها على جثة مالوري. فكنت في تلك اللحظة مباشرة فوق مثواه أو فوق موضع قريب جدًا من مثواه، وفي جزء من الجبل يتحاشى الناس الذهاب إليه إنْ كانوا يرغبون في العودة إلى ديارهم أحياء. راجعت جهاز "جي. بي. إس." مجددًا، فوجدت السهم على البوصلة يشير إلى الشمال الغربي.. إنْ هي إلا خمسة عشر مترًا أخرى وسأبلغ وجهتي.
بعد هبوطي بضعة أمتار، توقفت قليلًا عند كتلة مهشّمة من الحجر الكلسي الشاحب. كان الجرف على بعد 2.5 متر وكان منحدِرًا انحدارَ منزلَقٍ في حديقة ألعاب للأطفال. وما كان ذلك ليثنيني عن المضيّ قُدُمًا لو كان في أي مكان آخر؛ ولكنْ بوجودي هنا وحيدًا وبلا حبل وقد خارت قواي واستُنزفت، فقد وجدت الجرف مخيفًا. نظرت إلى أعلى المجرى وفكّرت في تسلّقه والعودة من حيث أتيت. واقتضى التعقّل أن أعود، لكن فضولي كان أقوى. وبينما ظلت فأسي محشورة في الثلج، هبطت إلى المنحدر الصخري، حيث انزلق نعلاي المعدنيان محدثَين صريرًا كصرير الأظافر على السبّورة. وأسفل الجرف، التقطت بضعة أنفاس عميقة. وكانت على بعد ثلاثة أمتار عني فجوةٌ صغيرة يحفّها جدار صخري أطول قليلًا وأكثر انحدارًا من ذاك الذي كنت قد هبطته للتو. كان وسطُ الجدار مخططًا بعرق من الصخر البني الداكن وفي وسطه شقّ. ووفقًا لجهاز "جي. بي. إس."، كنت قد بلغت وجهتي. عندها أدركت أخيرًا حقيقة الأمر: فلقد كان ذلك الصخر الداكن هو "الصدع" الذي كنا قد رأيناه باستعمال الدرون. بدا أن الأمر كان مجرّد خدعة بصرية. لم يتجاوز عرض الشق وسط الصخر 23 سنتيمترًا، أي أنه أضيق بكثير من أن يتمكن رجل من الزحف إلى داخله. كان أيضا فارغًا. إذن فالرجل ليس فيه. كان المنحدر شديدًا يتعذّر عليّ الجلوس فيه، فغرست قدمي بشكل جانبي في بقعة من الثلج وأسندت ركبتي اليسرى إلى الجبل. وبينما انطويت على فأسي وذقني على صدري، سحبت أنفاسًا من قناع الأوكسجين محاولًا تصفية ذهني. وعندما نظرت إلى الأعلى مجددًا، رأيت أن الصدع كان ما زال فارغًا. وهناك في الأعلى، على خلفيةٍ من سماء زرقاء فاتحة، لمعت القمة الشمّاء راسخةً مترفّعةً -كدأبها دائمًا- عن الانشغال بأولئك الساعين إلى الكشف عن أسرارها.
لم نكن قد تركنا طرف خيط أو دليلًا إلّا وتبعناه. وطوّفنا الدرونات فوق منحدرات الجبال بحثًا عن الجثة. وخاطرتُ بحياتي لأحل أحد أكبر ألغاز إيفرست. وكحال كل من حاول قبلنا، فإن ما حصلنا عليه في المحصلة من أسئلة كان أكثر مما وجدناه من إجابات. ما الذي حدث لأُرفاين في ذلك اليوم؟ أين كان مثواه الأخير؟ هل نقل شخص ما جثته من المنحدر، أم أن التيار المتدفق أو انهيارًا ثلجيا جرفها إلى غيابات لا قرار لها؟ لم يكن لدي جواب عن أيٍّ من تلك الأسئلة. لكنني مع ذلك كنت قد تعلمت شيئًا عن جاذبية جبل إيفرست التي تجعل الناس يستميتون في محاولة تسلّقه؛ إذ لو لم أمشِ على خطى ساندي أُرفاين، ما كنت لأعرف شخصيًا تلك الجاذبية. والشيء الوحيد الذي يمكنني قوله الآن هو أن لغز مالوري وأُرفاين سيظل قائمًا، ربما إلى الأبد. لكن.. لا بأس في ذلك.
موضوعات ذات صلة
  • شبح أزمة في الأفق حول.. المياه

    يعتمد نهر "السند"، وهو من الأنهار الجبّارة في العالم، على الأنهار الجليدية لجبال الهيمالايا والسلاسل الجبلية المجاورة لها، والتي تمده بتدفق مستمر من ا

  • هكذا تُصنع الأبراج الجليدية

    ما عساك أن تفعل حين تجد الثلوج التي تعتمد عليها للحصول على الماء تذوب سريعًا؛ وحين تنحسر الأنهار الجليدية في أعالي الجبال؟ في أقصى شمال الهند، يتصدى أ

  • إيفرست في قبضة الكاميرا

    لطالما بدا تصوير جبل "إيفرست"، بضخامته الكاملة كما هو في الطبيعة، أمرًا مستحيلًا.. إلى أن صعد المصور الفوتوغرافي "رينان أوزتورك" إلى ارتفاع 7000 متر ح

  • نافذة جديدة على الطقس

    كان ثلاثة متسلقين يتداولون الوضع على "الحافة الجنوبية الشرقية" لقمة جبل "إيفرست" مع بزوغ أولى خيوط الفجر على "هضبة التيبت". وعلى بعد أكثر من 1.5 كيلوم

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ