البشـرية.. إلى أين؟

01 - أبريل - 2017

بقلم: دي. تـي. ماكس

عدسة: أُوين فريمان

لما التقيتُ "نيل هاربيسون" في مدينة برشلونة، بدا كأي شخص محلي مهووس بالموضة، إلا إذا استثنينا ذلك الهوائي الأسودَ المثبَّت في مؤخرة جمجمته والمقوس على نحو مثير فوق شعره الأشقر.

كان ذلك في شهر ديسمبر الماضي، وكان هاربيسون -البالغ من العمر 34 عاما- يرتدي قميصا رماديا تحت معطف أسود قصير، وسروالا رماديا ضيقا. عادة ما يُطلق على كل شخص يستعينُ بجزء آلي في جسمه، مصطلح "سايبورغ" (Cyborg)، وصاحبُنا هاربيسون واحدٌ منهم. وُلِد الرجل بمدينة بلفاست في أيرلندا وترعرع في إسبانيا؛ وهو مُصاب بعمى الألوان النادر. إلا أن ذلك الهوائي ذا المجس المزود بليف بصري معلق فوق عينيه، قد غَيَّرَ نِصاب الأمور.
لم يشعر هاربيسون قَطّ أن العيش في عالم بالأبيض والأسود يُشكل إعاقة، إذ حدثني بلغة إنجليزية متزنة فقال: "أرى مسافات أطولَ، كما أحفظ الأشكال بسهولة أكبر لأن الألوان لا تصرف انتباهي".
ولطالما حَدَاهُ الشوق إلى معرفة شكل العالم بالألوان. وبحُكمِ تكوينه الموسيقي، ساورته في سنوات مراهقته الأخيرة فكرة استكشاف الألوان عبر الأصوات. وبعد بدايات متعثرة تم الاعتماد فيها على تكنولوجيا بسيطة، عثر هاربيسون في أولى سنواته العشرين على جرَّاح (تظل هويته طي الكتمان) أبدى استعداده لزرع آلة تعزز ذاته الأحيائية.
يلتقط مجس الليف البصري الألوان أمام هاربيسون، ثم تُحول رُقاقة مزروعة في جمجمته تردداتِها إلى ذبذبات في مؤخرة رأسه؛ وتنقلب تلك الذبذبات إلى ترددات صوتية، ما يجعل من جمجمته أذنا ثالثة. نجح في التعرف إلى لون سترتي الزرقاء، ثم صوَّب هوائيَه نحو صديقته "مون ريباس" -الراقصة والفنانة "السايبورغية"- فقال إن سترتها صفراء اللون. وكانت السترة بالفعل صفراء بلون الخردل.
سألتُ هاربيسون عن الكيفية التي زرع بها الطبيب ذلك الجهاز، فسارع مبتهجا إلى فرق الشعر في مؤخرة رأسه ليريني نقطة دخول الهوائي. كان الجلد الزهري مضغوطا بصفيحة مستطيلة ذات مرتكزَين. تضم إحدى الغرستين رُقاقة متذبذبة، فيما تشكل الأخرى محور اتصال بتقنية "بلوتوث" يمَكن أصدقاءه من إرسال الألوان إلى هاتفه الذكي.
لقد عاش هاربيسون بفضل الهوائي إشراقة التجلي، وصار العالَمُ أبهجَ، إذ يقول إنه شعر مع مرور الوقت أن المُدخلاتِ اختلفت عن المنظور والمسموع، فكانت بمنزلة حاسة سادسة.
وأعْجَبُ ما في الهوائي أنه يمنح صاحبَنا قدرة نفتقدها جميعا؛ إذ نظر إلى مصابيح السطح فاستشعر أن الأضواء تحت الحمراء التي تشغلها منطفئةٌ. ثم نظر إلى أزهار مغروسة فتمكن من "رؤية" علامات فوق بنفسجية تشير إلى مواضع الرحيق في أوساط الزهور. لم يعد هذا الرجل يضاهي قدرات الإنسان العادي فحسب، بل تجاوزها.
بناء على ذلك، فإن هاربيسون يُعد خطوةً أولى على درب تحقيق غاية لطالما اشرأبَّت إليها أعناق علماء المستقبليات الحالمين، ويمكننا القول إنه مثال لِـ"المد الهائل لقدرات البشر الكامنة" كما يقول "راي كورتزويل" في كتابه الشهير "The Singularity Is Near" (التفرّد.. على مرمى حجر). لم يكن في نّية هاربيسون تجسيد حلم كورتزويل على وجه التحديد، فرؤيته للمستقبل تميل إلى الطبيعة أكثر من ميله إلى التكنولوجيا. إلا أنه صار داعية إلى هذا التوجه بصفته أول شخص "سايبورغي" رسمي في العالم، إذ أقنع السلطات البريطانية بأن تجيز له الظهور بالهوائي على رأسه في صورة جواز سفره، متحجِّجاً بأنه امتداد لدماغه وليس مجرد جهاز إلكتروني. وسرعان ما اقتفت صديقته الفنانة "مون ريباس" أثره في ما يسمى أحيانا "ما وراء البشرية"، إذ وصلت جهاز رصدٍ للاهتزازات في هاتفها بمغناطيس هزاز زُرِع في عَضُدها الأيمن؛ وبذلك صارت تتلقى تقارير آنية عن الزلازل، فتشعر بالارتباط بحركات الأرض وتترجمها إلى رقصات. تقول عن خيارها هذا: "أعتقد أني أحسست بالغيرة".
موضوعات ذات صلة
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا