عشق السكر (قصة حلاوة لا تخلو من مرارة )

23 - أبريل - 2014
قعر‭ ‬الكأس
كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬إزالة‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭: ‬آلة‭ ‬بيع‭ ‬المشروبات‭ ‬الغازية،‭ ‬وآلة‭ ‬بيع‭ ‬الوجبات‭ ‬الخفيفة،‭ ‬وآلة‭ ‬القلي‭. ‬ولذا‭ ‬فقد‭ ‬رُفعت‭ ‬كلها‭ ‬وسُحبت‭ ‬عبر‭ ‬الأروقة‭ ‬ثم‭ ‬أُلقيت‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الشارع‭ ‬بجانب‭ ‬قمامة‭ ‬أخرى‭ ‬خلف‭ ‬مدرسة‭ ‬كوركباتريك‭ ‬الابتدائية،‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬المدارس‭ ‬الابتدائية‭ ‬القليلة‭ ‬في‭ ‬كلاركسديل‭ ‬بولاية‭ ‬مسيسيبي‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬قبل‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭ ‬عندما‭ ‬أقر‭ ‬المشرفون‭ ‬الإداريون‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬بحدة‭ ‬المشكلة‭. ‬فمدينة‭ ‬كلاركسديل،‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬المدن‭ ‬الشهيرة‭ ‬في‭ ‬دلتا‭ ‬المسيسيبي‭ ‬التي‭ ‬أنتجت‭ ‬لنا‭ ‬العصر‭ ‬الزاهي‭ ‬لموسيقى‭ "‬دلتا‭ ‬بلوز‭"‬،‭ ‬بحقولها‭ ‬المزروعة‭ ‬بالقطن‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬النهر،‭ ‬وقصورها‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحتفظ‭ ‬ببهائها‭ ‬منذ‭ ‬العهد‭ ‬الفيكتوري،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬أزمة‭ ‬صحية‭ ‬أميركية‭ ‬كبيرة،‭ ‬إذ‭ ‬سُجلت‭ ‬فيها‭ ‬معدلات‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬البدانة،‭ ‬ومرض‭ ‬السكري،‭ ‬وارتفاع‭ ‬ضغط‭ ‬الدم،‭ ‬وأمراض‭ ‬القلب؛‭ ‬كلُّ‭ ‬ذلك‭ ‬بسبب‭ ‬تركة‭ ‬السكر،‭ ‬كما‭ ‬يسميها‭ ‬بعض‭ ‬الخبراء‭. ‬والمعروف‭ ‬أن‭ ‬السكر‭ ‬محصول‭ ‬زراعي‭ ‬جذب‭ ‬أسلاف‭ ‬غالبية‭ ‬سكان‭ ‬كلاركسديل‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬وهم‭ ‬يرزحون‭ ‬تحت‭ ‬قيود‭ ‬الرق‭ ‬والعبودية‭. "‬كنا‭ ‬نعي‭ ‬بأنه‭ ‬يتعين‭ ‬علينا‭ ‬القيام‭ ‬بشيء‭ ‬ما‭"‬،‭ ‬تقول‭ ‬سوزان‭ ‬والتون،‭ ‬ناظرة‭ ‬مدرسة‭ ‬كوركباتريك‭. ‬
كانت‭ ‬والتون،‭ ‬التي‭ ‬ولدت‭ ‬ونشأت‭ ‬في‭ ‬كلاركسديل،‭ ‬ترافقني‭ ‬داخل‭ ‬المدرسة‭ ‬وتناقش‭ ‬الطرق‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬طاقم‭ ‬التدريس‭ ‬إلى‭ ‬مساعدة‭ ‬الطلبة‭ ‬كحثهم‭ ‬على‭ ‬أكل‭ ‬الطعام‭ ‬المخبوز‭ ‬بدل‭ ‬المقلي،‭ ‬والفواكه‭ ‬بدل‭ ‬الحلويات،‭ ‬حيث‭ ‬يتناول‭ ‬أغلبهم‭ ‬وجبتين‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬داخل‭ ‬قاعة‭ ‬الأكل‭. ‬وكانت‭ ‬ترتدي‭ ‬وِزرة‭ ‬تشبه‭ ‬لباس‭ ‬الممرضين‭ ‬أو‭ ‬الجراحين‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬ما‭ ‬يرتديه‭ ‬كل‭ ‬المدرسين‭ ‬خلال‭ ‬يوم‭ ‬الإثنين‭ ‬لتأكيد‭ ‬التزام‭ ‬المدرسة‭ ‬بالجانب‭ ‬الصحي‭ ‬السليم‭. ‬
ويتشكل‭ ‬الطلبة‭ ‬من‭ %‬91‭ ‬من‭ ‬السود،‭ ‬و‭%‬7‭ ‬من‭ ‬البيض،‭ ‬وثلاثة‭ ‬طلاب‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬لاتينية‭ (‬يشكلون‭ ‬نسبة‭ %‬2‭ ‬المتبقية‭). ‬وتوضح‭ ‬والتون‭ ‬الوضع‭ ‬العام‭ ‬قائلة‭ "‬يأكل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬ما‭ ‬يقدم‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬أصناف‭ ‬الطعام‭ ‬الأرخص‭ ‬والأشد‭ ‬حلاوة‭: ‬الكعكات،‭ ‬والقشدة،‭ ‬والحلويات‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬لزاما‭ ‬علينا‭ ‬تغيير‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬فهذا‭ ‬أمر‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬العناية‭ ‬بالطلبة‭".‬
لنأخذ‭ ‬مثلا‭ ‬حالة‭ ‬نيكولاس‭ ‬سكورلوك‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬سنته‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬أوكهورست‭ ‬الإعدادية‭. ‬كان‭ ‬نيكولاس،‭ ‬بطول‭ ‬قامته‭ ‬الذي‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بالكاد‭ ‬ركوب‭ ‬لعبة‭ ‬الأفعوانية‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬الملاهي‭ ‬الكبيرة،‭ ‬يزن‭ ‬61‭ ‬كيلوجراما‭ ‬عندما‭ ‬بلغ‭ ‬الحادية‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬عمره‭. ‬تقول‭ ‬والتون‭ "‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الصبي‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬حصة‭ ‬الألعاب‭ ‬الرياضية،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬يعاني‭ ‬مشاكل‭ ‬في‭ ‬الجري‭ ‬وفي‭ ‬التنفس‭... ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬يعاني‭ ‬كل‭ ‬شيء‭".‬
ثم‭ ‬أضافت‭ ‬والتون‭ ‬ضاحكة‭ ‬وهي‭ ‬تضرب‭ ‬على‭ ‬فخذيها‭ "‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬لست‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬يسمح‭ ‬لي‭ ‬بإطلاق‭ ‬أحكام‭ ‬بشأن‭ ‬الآخرين‭. ‬فأنا‭ ‬امرأة‭ ‬بدينة‭ ‬أيضا‭".‬
التقيت‭ ‬نيكولاس‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬الأكل‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يجلس‭ ‬بجانب‭ ‬أمه‭ ‬واركيا‭ ‬جونس‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يشي‭ ‬مظهرها‭ ‬الجذاب‭ ‬بسنواتها‭ ‬الثمانية‭ ‬والثلاثين‭. ‬فقد‭ ‬أخبرتني‭ ‬جونس‭ ‬بأنها‭ ‬غيرت‭ ‬عاداتها‭ ‬في‭ ‬الأكل‭ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬نموذجا‭ ‬يحتذى‭ ‬لابنها‭ ‬نيكولاس،‭ ‬إذ‭ ‬قالت‭ "‬كنت‭ ‬معتادة‭ ‬على‭ ‬تناول‭ ‬الحلويات‭ ‬الخفيفة‭ ‬طوال‭ ‬النهار‭ ‬لأنني‭ ‬كنت‭ ‬أجلس‭ ‬في‭ ‬مكتب؛‭ ‬فماذا‭ ‬كان‭ ‬عساي‭ ‬أن‭ ‬أفعل‭ ‬غير‭ ‬ذلك؟‭ ‬لكنني‭ ‬غيرت‭ ‬عاداتي‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وأصبحت‭ ‬أتناول‭ ‬نبات‭ ‬الكرفس‭. ‬يقول‭ ‬الناس‭ ‬إنني‭ ‬أقدمت‭ ‬على‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬إرضاء‭ ‬لصديقي،‭ ‬وأنا‭ ‬أرد‭ ‬عليهم‭ ‬بكوني‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أعيش‭ ‬وأحيا‭ ‬حياة‭ ‬مفعمة‭ ‬بالعافية‭".‬
خذ‭ ‬كأسا‭ ‬من‭ ‬الماء،‭ ‬وأضف‭ ‬إليه‭ ‬السكر‭ ‬حتى‭ ‬يطفح،‭ ‬ثم‭ ‬دع‭ ‬السائل‭ ‬يترسب‭ ‬لمدة‭ ‬خمس‭ ‬ساعات‭. ‬وعند‭ ‬عودتك،‭ ‬سترى‭ ‬بأن‭ ‬بلورات‭ ‬السكر‭ ‬استقرت‭ ‬في‭ ‬قعر‭ ‬الكأس؛‭ ‬فكذلك‭ ‬مدينة‭ ‬كلاركسديل‭ ‬إذ‭ ‬تشكل‭ ‬قعر‭ ‬المشروب‭ ‬الأميركي،‭ ‬حيث‭ ‬يستقر‭ ‬السكر‭ ‬في‭ ‬أجسام‭ ‬الصبية‭ ‬من‭ ‬أقران‭ ‬نيكولاس‭ ‬سكورلوك،‭ ‬والذي‭ ‬يجسد‭ ‬تركة‭ ‬السكر‭ ‬خير‭ ‬تجسيد‭. ‬إنها‭ ‬مدينة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬مقاطعة‭ ‬بها‭ ‬أعلى‭ ‬معدلات‭ ‬البدانة،‭ ‬تنتمي‭ ‬لولاية‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬بدانة،‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬تصنيعا‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬
‭ ‬
مرزبانيات‭ ‬العرب
في‭ ‬البداية،‭ ‬كان‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬غينيا‭ ‬الجديدة،‭ ‬التي‭ ‬زُرع‭ ‬فيها‭ ‬قصب‭ ‬السكر‭ ‬منذ‭ ‬حوالي‭ ‬10‭ ‬آلاف‭ ‬سنة،‭ ‬يلتقطون‭ ‬القصب‭ ‬ويأكلونه‭ ‬في‭ ‬حالته‭ ‬الخام،‭ ‬إذ‭ ‬يمضغون‭ ‬نتفا‭ ‬منه‭ ‬حتى‭ ‬تحس‭ ‬ألسنتهم‭ ‬بمذاقه‭ ‬الحلو‭. ‬وقد‭ ‬ورد‭ ‬ذكر‭ ‬السكر‭ ‬في‭ ‬الأساطير‭ ‬القديمة‭ ‬لغينيا‭ ‬الجديدة‭ ‬بوصفه‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الإكسير‭ ‬ودواء‭ ‬لكل‭ ‬الآلام‭ ‬وعلاجا‭ ‬لكل‭ ‬الأمزجة‭ ‬والطبائع؛‭ ‬إذ‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬هذه‭ ‬الأساطير‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬الأول‭ ‬عاشر‭ ‬سُويقة‭ ‬قصب‭ ‬السكر‭ ‬فنتج‭ ‬عنه‭ ‬النوع‭ ‬البشري‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الاحتفالات‭ ‬الدينية،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬الكهنة‭ ‬يحتسون‭ ‬السائل‭ ‬المُحلى‭ ‬من‭ ‬ثمار‭ ‬جوز‭ ‬الهند،‭ ‬وهو‭ ‬الشراب‭ ‬الذي‭ ‬عُوض‭ ‬في‭ ‬الاحتفالات‭ ‬المقدسة‭ ‬بعلب‭ ‬الكوكاكولا‭.‬
وانتقل‭ ‬السكر‭ ‬شيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬من‭ ‬جزيرة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬القارة‭ ‬الآسيوية‭ ‬حوالي‭ ‬سنة‭ ‬1000‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭.‬
‭ ‬وبحلول‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬بعد‭ ‬الميلاد،‭ ‬بدأ‭ ‬السكر‭ ‬يخضع‭ ‬للمعالجة‭ ‬والتحويل‭ ‬إلى‭ ‬مسحوق‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬وصار‭ ‬يُستخدم‭ ‬دواءً‭ ‬لصداع‭ ‬الرأس‭ ‬وتشنجات‭ ‬المعدة‭ ‬والعجز‭ ‬الجنسي‭. ‬وطوال‭ ‬سنوات‭ ‬عديدة،‭ ‬ظل‭ ‬تكرير‭ ‬السكر‭ ‬علما‭ ‬خفيا‭ ‬تتوارثه‭ ‬الأجيال‭ ‬من‭ ‬أيادي‭ ‬المتمكنين‭ ‬المهرة‭ ‬إلى‭ ‬المتمرنين‭. ‬وبحلول‭ ‬عام‭ ‬600‭ ‬بعد‭ ‬الميلاد،‭ ‬انتشر‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭/ ‬الصنعة‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬فارس‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الحكام‭ ‬يكرمون‭ ‬وفادة‭ ‬ضيوفهم‭ ‬بتشكيلة‭ ‬متنوعة‭ ‬من‭ ‬الحلوى‭. ‬وعندما‭ ‬فتحت‭ ‬الجيوش‭ ‬العربية‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة،‭ ‬حمل‭ ‬الفاتحون‭ ‬معهم‭ ‬المعارف‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالسكر‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الشغف‭ ‬بهذه‭ ‬المادة‭. ‬فقد‭ ‬انتشر‭ ‬إنتاج‭ ‬السكر‭ ‬كانتشار‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬الهشيم‭ ‬وباتت‭ ‬محاصيل‭ ‬السكر‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬يُعبد‭ ‬فيه‭ ‬الله‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬سيدني‭ ‬مينتز‭ "‬الحلاوة‭ ‬والسلطة‭" ‬ما‭ ‬يلي‭: "‬كان‭ ‬العرب‭ ‬يجلبون‭ ‬معهم‭ ‬منتج‭ ‬السكر‭ ‬وتقنية‭ ‬إنتاجه‭ ‬أينما‭ ‬حلّوا‭ ‬وارتحلوا‭. ‬فقد‭ ‬أُخبرنا‭ ‬بأن‭ ‬السكر‭ ‬كان‭ ‬يقتفي‭ ‬أثر‭ ‬القرآن‭".‬
وأقام‭ ‬الخلفاء‭ ‬المسلمون‭ ‬عروضا‭ ‬فنية‭ ‬عجيبة‭ ‬من‭ ‬السكر‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬المرزبانية‭ ‬تحظى‭ ‬بالإقبال‭ ‬الشعبي‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬تُصنع‭ ‬من‭ ‬اللوز‭ ‬المطحون‭ ‬والسكر‭ ‬بأشكال‭ ‬متميزة‭ ‬تشي‭ ‬بثراء‭ ‬الدولة‭. ‬وقد‭ ‬ذكر‭ ‬علي‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الغزولي‭ (‬المتوفى‭ ‬عام‭ ‬1412‭ ‬للميلاد‭) ‬في‭ ‬مؤلف‭ ‬له‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الخلفاء‭ ‬بمصر‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬أمر‭ ‬بصنع‭ ‬مسجد‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬بالكامل،‭ ‬ضمن‭ ‬فعاليات‭ ‬احتفالية؛‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتصدق‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬الفقراء‭ ‬والمساكين‭ ‬ليأكلوه‭. ‬كما‭ ‬عمل‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬تكرير‭ ‬السكر‭ ‬وحولوه‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬صعوبات‭ ‬بالغة‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬حرارة‭ ‬الحقول‭ ‬اللافحة،‭ ‬وقطع‭ ‬قصب‭ ‬السكر‭ ‬بالمناجل،‭ ‬والأدخنة‭ ‬المنبعثة‭ ‬من‭ ‬غرف‭ ‬الغلي،‭ ‬والتكسير‭ ‬والسحق‭ ‬في‭ ‬المطاحن‭. ‬وبحلول‭ ‬عام‭ ‬1500‭ ‬ومع‭ ‬تزايد‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬مادة‭ ‬السكر،‭ ‬أضحى‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬لا‭ ‬يناسب‭ ‬سوى‭ ‬العمال‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المتدني‭. ‬وكان‭ ‬قسم‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬عمالة‭ ‬المزارع‭ ‬يتشكل‭ ‬من‭ ‬الأوروبيين‭ ‬الشرقيين‭ ‬الذين‭ ‬وقعوا‭ ‬في‭ ‬الأسر‭ ‬عندما‭ ‬تلاقت‭ ‬جيوش‭ ‬المسلمين‭ ‬والمسيحيين‭.‬
وربما‭ ‬كان‭ ‬الجنود‭ ‬الصليبيون‭ ‬البريطانيون‭ ‬والفرنسيون‭ ‬أول‭ ‬الأوروبيين‭ ‬الذين‭ ‬وقعوا‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬السكر‭ ‬عندما‭ ‬يمّموا‭ ‬شطر‭ ‬الشرق‭ ‬لاسترجاع‭ "‬الأرض‭ ‬المقدسة‭" ‬من‭ ‬المسلمين‭. ‬فعادوا‭ ‬إلى‭ ‬بلدانهم‭ ‬وهم‭ ‬يحملون‭ ‬عددا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬القصص‭ ‬والذكريات‭ ‬حول‭ ‬السكر‭. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬زراعة‭ ‬قصب‭ ‬السكر‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬إنتاجية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬المناخ‭ ‬المعتدل‭ ‬لكونها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الحقول‭ ‬المدارية‭ ‬المشبعة‭ ‬بمياه‭ ‬الأمطار‭ ‬حتى‭ ‬تنمو،‭ ‬فقد‭ ‬استمدت‭ ‬أول‭ ‬تجارة‭ ‬أوروبية‭ ‬قوامها‭ ‬مما‭ ‬تدفق‭ ‬من‭ ‬تعامل‭ ‬تجاري‭ ‬يسير‭ ‬مع‭ ‬المسلمين‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يستهلك‭ ‬السكر‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا‭ ‬سوى‭ ‬النبلاء‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬تعتبر‭ ‬مادة‭ ‬نادرة‭ ‬حتى‭ ‬عدّها‭ ‬الناس‭ ‬تابلا‭ ‬من‭ ‬التوابل‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬توسع‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬العثمانية‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬الخامس‭ ‬عشر،‭ ‬أصبحت‭ ‬التجارة‭ ‬مع‭ ‬الشرق‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬أمام‭ ‬النخبة‭ ‬الغربية‭ ‬التي‭ ‬أسرها‭ ‬هوى‭ ‬السكر‭ ‬سوى‭ ‬خيارات‭ ‬قليلة‭: ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬صغار‭ ‬المصنعين‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أوروبا،‭ ‬أو‭ ‬هزم‭ ‬العثمانيين،‭ ‬أو‭ ‬تطوير‭ ‬مصادر‭ ‬جديدة‭ ‬للسكر‭.‬
يطلق‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ ‬عصر‭ ‬الاستكشاف،‭ ‬وهو‭ ‬عملية‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الأراضي‭ ‬والجزر‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬الأوروبيين‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬حول‭ ‬العالم‭. ‬وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬العملية‭ ‬تشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬سباقا‭ ‬على‭ ‬الحقول‭ ‬والأراضي‭ ‬التي‭ ‬ستزدهر‭ ‬فيها‭ ‬زراعة‭ ‬قصب‭ ‬السكر‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1425،‭ ‬أرسل‭ ‬الأمير‭ ‬البرتغالي‭ ‬المعروف‭ ‬بـ‭"‬هنري‭ ‬الملاح‭" ‬قصب‭ ‬السكر‭ ‬إلى‭ ‬ماديرا‭ ‬مع‭ ‬إحدى‭ ‬أولى‭ ‬مجموعات‭ ‬المستوطنين‭. ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬انتقلت‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬إلى‭ ‬جزر‭ ‬أخرى‭ ‬اكتشفت‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬المحيط‭ ‬الأطلسي‭ ‬ومنها‭ ‬جزر‭ ‬الرأس‭ ‬الأخضر‭ ‬وجزر‭ ‬الكناري‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1493،‭ ‬عندما‭ ‬اتجه‭ ‬كولومبس‭ ‬خلال‭ ‬رحلته‭ ‬الثانية‭ ‬نحو‭ ‬العالم‭ ‬الجديد،‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬معه‭ ‬قصب‭ ‬السكر‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬بزغ‭ ‬فجر‭ ‬عهد‭ ‬جديد‭ ‬تميز‭ ‬بإنتاج‭ ‬السكر‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع،‭ ‬قوامه‭ ‬جزر‭ ‬الكاريبي‭ ‬ومزارع‭ ‬العبيد‭ ‬حيث‭ ‬أفضى‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬بروز‭ ‬معامل‭ ‬التكرير‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تنفث‭ ‬الأدخنة‭ ‬في‭ ‬ضواحي‭ ‬المدن‭ ‬العصرية،‭ ‬وإلى‭ ‬نزعات‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المفرط،‭ ‬وإلى‭ ‬ظهور‭ ‬جيل‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬والأطفال‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬السمنة‭ ‬والبدانة‭ ‬ورجال‭ ‬يلبسون‭ ‬ملابس‭ ‬بمقاسات‭ ‬واسعة‭ ‬ويتجولون‭ ‬في‭ ‬مركبات‭ ‬كهربائية‭.‬

عبيد‭ ‬السكر
زرع‭ ‬كريستوف‭ ‬كولومبس‭ ‬أول‭ ‬محصول‭ ‬لقصب‭ ‬السكر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬هيسبانيولا،‭ ‬وهي‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬بمحض‭ ‬الصدفة‭ ‬انطلاق‭ ‬شرارة‭ ‬ثورة‭ ‬العبيد‭ ‬الكبرى‭ (‬الثورة‭ ‬الهاييتية‭) ‬بعد‭ ‬بضع‭ ‬مئات‭ ‬من‭ ‬السنين‭ ‬من‭ ‬ذلك‭. ‬وفي‭ ‬غضون‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬أصبحت‭ ‬المطاحن‭ ‬علامة‭ ‬مميزة‭ ‬لمرتفعات‭ ‬جامايكا‭ ‬وكوبا‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬اجتثاث‭ ‬الغابة‭ ‬المطرية‭ ‬وتناقص‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭ ‬بسبب‭ ‬الأمراض‭ ‬أو‭ ‬الحروب‭ ‬أو‭ ‬العبودية‭. ‬وقد‭ ‬أنشأ‭ ‬البرتغاليون‭ ‬نموذجا‭ ‬مُحكما‭ ‬لهذا‭ ‬الغرض‭ ‬إذ‭ ‬حولوا‭ ‬البرازيل‭ ‬إلى‭ ‬مستوطنة‭ ‬مزدهرة‭ ‬اقتصاديا‭ ‬بفعل‭ ‬وجود‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬100‭ ‬ألف‭ ‬من‭ ‬العبيد‭ ‬الذين‭ ‬ينتجون‭ ‬الأطنان‭ ‬من‭ ‬السكر‭.‬
ومع‭ ‬تزايد‭ ‬المساحة‭ ‬المزروعة‭ ‬بقصب‭ ‬السكر،‭ ‬انخفضت‭ ‬أسعار‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬وتزايد‭ ‬الطلب‭ ‬عليها؛‭ ‬ويدعو‭ ‬علماء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬بالدائرة‭ ‬الفضلى‭. (‬والحال‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يستخدم‭ ‬المرء‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الطرف‭ ‬الخاطئ‭ ‬من‭ ‬المعادلة‭). ‬ففي‭ ‬أواسط‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر،‭ ‬بدأ‭ ‬السكر‭ ‬يحول‭ ‬موقعه‭ ‬من‭ ‬التوابل‭ ‬الكمالية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يصنف‭ ‬ضمنها‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬جوزة‭ ‬الطيب‭ ‬والهال،‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬أساسية‭ ‬بالنسبة‭ ‬للطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬أولى‭ ‬ثم‭ ‬للفقراء‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تالية‭. ‬وبحلول‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬أصبح‭ ‬إنتاج‭ ‬السكر‭ ‬مرتبطا‭ ‬ارتباطا‭ ‬وثيقا‭ ‬بالرق‭. ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬بضع‭ ‬سنوات،‭ ‬كانت‭ ‬تستعمر‭ ‬جزيرة‭ ‬جديدة‭ (‬بورتوريكو،‭ ‬وترينيداد‭ ...) ‬وتُجتث‭ ‬غاباتها‭ ‬وتُملأ‭ ‬بالمزروعات‭. ‬وعندما‭ ‬يموت‭ ‬السكان‭ ‬الأصليون،‭ ‬كان‭ ‬المزارعون‭ ‬يعمدون‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬العبيد‭ ‬الأفارقة‭ ‬مكانهم‭. ‬وبعد‭ ‬حصد‭ ‬المحصول‭ ‬وطحنه،‭ ‬كان‭ ‬يكدس‭ ‬داخل‭ ‬مخازن‭ ‬السفن‭ ‬ويشحن‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬وأمستردام‭ ‬وباريس‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يتاجر‭ ‬به‭ ‬مقابل‭ ‬المنتجات‭ ‬المصنعة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُنقل‭ ‬بدورها‭ ‬إلى‭ ‬الساحل‭ ‬الغربي‭ ‬لإفريقيا‭ ‬وتُقَدّم‭ ‬مقابل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬العبيد‭. ‬وكان‭ ‬الجانب‭ ‬الدموي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ "‬التجارة‭ ‬الثلاثية‭" ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يموت‭ ‬فيها‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬الأفارقة‭ ‬يُعرف‭ ‬باسم‭ ‬الممر‭ ‬الأوسط‭. ‬فقبل‭ ‬أن‭ ‬تُحظر‭ ‬تجارة‭ ‬الرقيق‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1807،‭ ‬شُحن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬11‭ ‬مليون‭ ‬إفريقي‭ ‬باتجاه‭ ‬العالم‭ ‬الجديد‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬ينتهي‭ ‬المطاف‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬عددهم‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬الرق‭ ‬في‭ ‬مزارع‭ ‬السكر‭. ‬ويقول‭ ‬إيريك‭ ‬ويليامس،‭ ‬السياسي‭ ‬والمؤرخ‭ ‬في‭ ‬ترينيداد‭ "‬لم‭ ‬يولد‭ ‬الرق‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬العنصرية،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬العنصرية‭ ‬نتيجة‭ ‬مباشرة‭ ‬للرق‭". ‬فالأفارقة‭ ‬بعبارة‭ ‬أخرى‭ ‬لم‭ ‬يُستعبدوا‭ ‬لأنه‭ ‬كان‭ ‬يُنظر‭ ‬إليهم‭ ‬نظرة‭ ‬دونية،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يُنظر‭ ‬إليهم‭ ‬نظرة‭ ‬دونية‭ ‬لتبرير‭ ‬عملية‭ ‬استعبادهم‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬أمرا‭ ‬ضروريا‭ ‬لازدهار‭ ‬تجارة‭ ‬السكر‭ ‬في‭ ‬فترتها‭ ‬الأولى‭.‬
كانت‭ ‬باربادوس‭ ‬الجزيرة‭ ‬البريطانية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬زُرع‭ ‬فيها‭ ‬السكر‭. ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬مهجورة‭ ‬عند‭ ‬اكتشافها‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬قبطان‭ ‬بريطاني‭ ‬في‭ ‬14‭ ‬مايو‭ ‬1625،‭ ‬ثم‭ ‬انتشرت‭ ‬فيها‭ ‬بوتيرة‭ ‬سريعة‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المطاحن‭ ‬والمنازل‭ ‬الزراعية‭ ‬والأكواخ‭. ‬كان‭ ‬التبغ‭ ‬والقطن‭ ‬الزراعتين‭ ‬السائدتين‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الاستعماري‭ ‬لهذه‭ ‬الجزيرة،‭ ‬لكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬انتشرت‭ ‬فيها‭ ‬زراعة‭ ‬السكر‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬المنوال‭ ‬الذي‭ ‬زرعت‭ ‬فيه‭ ‬بجزر‭ ‬الكاريبي‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يمر‭ ‬قرن‭ ‬واحد‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬حتى‭ ‬كانت‭ ‬تربة‭ ‬الحقول‭ ‬والمياه‭ ‬الجوفية‭ ‬قد‭ ‬استنزفت‭. ‬وعند‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬غادر‭ ‬المزارعون‭ ‬الأكثر‭ ‬طموحا‭ ‬جزيرة‭ ‬باربادوس‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬استغلال‭ ‬جزر‭ ‬أخرى‭. ‬وبحلول‭ ‬عام‭ ‬1720‭ ‬استلمت‭ ‬جامايكا‭ ‬مشعل‭ ‬زراعة‭ ‬السكر‭.‬
كانت‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجزر‭ ‬تعد‭ ‬جحيما‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأفارقة‭. ‬فقد‭ ‬هلك‭ ‬منهم‭ ‬الملايين‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬جزر‭ ‬الكاريبي‭ ‬ومعاصرها‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬كانوا‭ ‬يحاولون‭ ‬الهرب‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬أضحى‭ ‬الشعور‭ ‬بالذنب‭ ‬يسود‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي‭ ‬داخل‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬جراء‭ ‬هذه‭ ‬التجارة‭. ‬فأصبح‭ ‬دعاة‭ ‬الإصلاح‭ ‬يطالبون‭ ‬بمنع‭ ‬الرق،‭ ‬وقاطعت‭ ‬ربات‭ ‬البيوت‭ ‬قصب‭ ‬السكر‭ ‬الذي‭ ‬يزرعه‭ ‬العبيد‭. ‬فقد‭ ‬أتت‭ ‬إليزابيث‭ ‬أبوت‭ ‬في‭ ‬كتابها‭ "‬السكر‭: ‬التاريخ‭ ‬الحلو‭-‬المر‭" ‬على‭ ‬ذكر‭ ‬زعيم‭ ‬جمعية‭ ‬الأصدقاء‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬الكويكرز،‭ ‬ويليام‭ ‬فوكس،‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬لجمع‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬إننا‭ ‬نأكل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬رطل‭ (‬حوالي‭ ‬نصف‭ ‬كيلوجرام‭) ‬من‭ ‬السكر‭ "‬أونصتين‭ (‬حوالي‭ ‬50‭ ‬جراما‭) ‬من‭ ‬اللحم‭ ‬البشري‭". ‬وفي‭ ‬رواية‭ "‬كانديد‭" ‬لفولتير،‭ ‬يروي‭ ‬أحد‭ ‬العبيد‭ ‬قصة‭ ‬فقدانه‭ ‬إحدى‭ ‬يديه‭ ‬وإحدى‭ ‬ساقيه‭ ‬إذ‭ ‬يقول‭ "‬عندما‭ ‬نعمل‭ ‬في‭ ‬مطاحن‭ ‬السكر‭ ‬ويعلق‭ ‬أحد‭ ‬أصابعنا‭ ‬في‭ ‬حجر‭ ‬الرحى،‭ ‬فإنهم‭ ‬يقطعون‭ ‬يدنا؛‭ ‬وعندما‭ ‬نحاول‭ ‬الهرب،‭ ‬فإنهم‭ ‬يقطعون‭ ‬إحدى‭ ‬ساقينا؛‭ ‬وقد‭ ‬حدث‭ ‬الأمران‭ ‬لي‭. ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الكلفة‭ ‬التي‭ ‬نتجشم‭ ‬عناءها‭ ‬حتى‭ ‬تأكلوا‭ ‬السكر‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭". ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬الطفرة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬السكر‭ ‬بمنزلة‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬إذ‭ ‬كلما‭ ‬تذوقت‭ ‬حلاوته،‭ ‬زادت‭ ‬رغبتك‭ ‬في‭ ‬الاستزادة‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1700،‭ ‬وصل‭ ‬استهلاك‭ ‬الفرد‭ ‬العادي‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬إلى‭ ‬1‭.‬8‭ ‬كيلوجرام‭ ‬في‭ ‬السنة،‭ ‬ثم‭ ‬ارتفع‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1800‭ ‬إلى‭ ‬8‭.‬2‭ ‬كيلوجرام‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1870،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬حب‭ ‬السكر‭ ‬يدفع‭ ‬بذات‭ ‬الشخص‭ ‬إلى‭ ‬استهلاك‭ ‬21‭ ‬كيلوجراما‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الواحدة‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الإنسان‭ ‬قنوعا‭ ‬بتلك‭ ‬الكمية؟‭ ‬بالطبع‭ ‬لا‭! ‬فبحلول‭ ‬عام‭ ‬1900‭ ‬وصل‭ ‬استهلاك‭ ‬الشخص‭ ‬العادي‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬إلى‭ ‬21‭ ‬كيلوجراما‭ ‬في‭ ‬السنة‭. ‬وفي‭ ‬غضون‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬الثلاثين‭ ‬سنة،‭ ‬انتقل‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬قصب‭ ‬السكر‭ ‬والشمندر‭ ‬السكري‭ ‬من‭ ‬2‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬طن‭ ‬متري‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬إلى‭ ‬حوالي‭ ‬12‭ ‬مليونا‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فإن‭ ‬الأميركي‭ ‬العادي‭ ‬يستهلك‭ ‬35‭ ‬كيلوجراما‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬المضاف‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الواحدة‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬95‭ ‬جراما‭ (‬22‭ ‬ملعقة‭ ‬شاي‭) ‬من‭ ‬السكر‭ ‬المضاف‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الواحد‭.‬
وإذا‭ ‬ذهب‭ ‬المرء‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭ ‬إلى‭ ‬باربادوس،‭ ‬فيمكنه‭ ‬أن‭ ‬يعاين‭ ‬التركة‭ ‬التي‭ ‬خلفها‭ ‬السكر؛‭ ‬المطاحن‭ ‬المخربة،‭ ‬وشفراتها‭ ‬الخشبية‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬بفعل‭ ‬الرياح‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬الزمن‭ ‬الماضي،‭ ‬والقصور‭ ‬المتهاوية،‭ ‬والطرق‭ ‬التي‭ ‬تعلو‭ ‬وتنخفض‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يغيب‭ ‬عنها‭ ‬منظر‭ ‬البحر،‭ ‬والفنادق‭ ‬التي‭ ‬تغص‭ ‬بالسياح‭ ‬الذين‭ ‬ملؤوا‭ ‬بطونهم‭ ‬بالمربى‭ ‬والشراب،‭ ‬وتلك‭ ‬المصانع‭ ‬القليلة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قصب‭ ‬السكر‭ ‬يُسحب‭ ‬إلى‭ ‬معاصرها،‭ ‬والسكر‭ ‬الخام‭ ‬الدبق‭ ‬وهو‭ ‬ينساب‭ ‬في‭ ‬قنوات‭ ‬مائلة‭. ‬وبينما‭ ‬كنت‭ ‬واقفا‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬المصافي‭ ‬والرجال‭ ‬يتحلقون‭ ‬حولي‭ ‬وهم‭ ‬يلبسون‭ ‬خوذاتهم،‭ ‬لمحت‭ ‬لافتة‭ ‬كتب‭ ‬عليها‭ ‬بخط‭ ‬اليد‭: ‬أُدعوا‭ ‬الرب‭ ‬أن‭ ‬يمنحهم‭ ‬الحكمة‭ ‬والمنعة‭ ‬والقوة‭ ‬لجمع‭ ‬محاصيلهم‭.‬
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا