سكــر‭ ‬القـالــب‭ ‬فـي‭ ‬المـغـــرب

08 - يونيو - 2014
‭ ‬يتخذ‭ ‬شكل‭ ‬هرم‭ ‬مخروطي‭ ‬مصقول‭ ‬ويوجد‭ ‬في‭ ‬قاعدته‭ ‬تجويف‭ ‬صغير‭ ‬دائري‭ ‬الشكل‭ ‬وفي‭ ‬قمته‭ ‬ثقب‭ ‬صغير‭.‬‭ ‬يزن‭ ‬كيلوجرامين‭ ‬اثنين،‭ ‬ويُعبأ‭ ‬في‭ ‬لفافة‭ ‬بيضاء‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬ويتشح‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬بورق‭ ‬أزرق‭ ‬اللون‭. ‬يفضله‭ ‬المغاربة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬سكان‭ ‬البوادي،‭ ‬على‭ ‬باقي‭ ‬الأنواع‭ ‬ويستهلكونه‭ ‬بِنهمٍ‭ ‬كبير‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬550‭ ‬ألف‭ ‬قطعة‭ ‬في‭ ‬اليوم‭. ‬أما‭ ‬سر‭ ‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬فهو‭ ‬أمر‭ ‬يتجاوز‭ ‬مذاقه‭ ‬الفـريد‭ ‬ليـرقى‭ ‬إلى‭ ‬مـوروث‭ ‬ثقـافي‭ ‬ضـارب‭ ‬في‭ ‬العراقة‭. ‬
القالب‭ ‬المغربي‭: ‬تاريخ‭ ‬وأصالة
تشير‭ ‬المصادر‭ ‬التاريخية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬عرف‭ ‬زراعة‭ ‬قصب‭ ‬السكر‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬للميلاد‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ازدهار‭ ‬إنتاج‭ ‬السكر‭ ‬بهذا‭ ‬القطر‭ ‬العربي‭ ‬حدث‭ ‬بين‭ ‬القرنين‭ ‬16‭ ‬و17‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬السلطان‭ ‬المنصور‭ ‬الذهبي‭ ‬السعدي‭ (‬1578-1603‭ ‬م‭)‬،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭ ‬مَركزا‭ ‬مهما‭ ‬لإنتاج‭ ‬مادة‭ ‬السكر‭ ‬وتصديرها‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬السعديون‭ ‬يصدرونه‭ ‬إلى‭ ‬الإنجليز‭ ‬والفرنسيين‭ ‬مقابل‭ ‬الأسلحة‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الازدهار‭ ‬تراجع‭ ‬كثيرا‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬لأسباب‭ ‬كثيرة‭ ‬ومعقدة،‭ ‬لعل‭ ‬أبرزها‭ ‬الثورات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬عمال‭ ‬السكر‭ ‬في‭ ‬المزارع‭ ‬والمصانع‭. ‬وهكذا‭ ‬فَقَد‭ ‬البلد‭ ‬كل‭ ‬الخبرات‭ ‬التي‭ ‬راكمها‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬ازدهار‭ ‬تلك‭ ‬الصناعة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬مستورداً‭ ‬لها‭ ‬بنحو‭ ‬متصاعد‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬19‭ ‬وحتى‭ ‬اليوم‭ (‬استورد‭ ‬المغرب‭ ‬55‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬حاجته‭ ‬من‭ ‬السكر‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2012‭). ‬لكن‭ ‬التقاليد‭ ‬المرتبطة‭ ‬باستهلاك‭ ‬هذه‭ ‬المادة،‭ ‬وبخاصة‭ ‬نوع‭ ‬القالب،‭ ‬ظلت‭ ‬متأصلة‭ ‬في‭ ‬العادات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمغاربة‭ ‬حتى‭ ‬يوم‭ ‬الناس‭ ‬هذا‭.‬
قوالب‭ ‬لجميع‭ ‬المناسبات
في‭ ‬كل‭ ‬المناسبات‭ ‬الاجتماعية‭ -‬عقيقة،‭ ‬خطبة،‭ ‬زواج،‭ ‬تهنئة،‭ ‬مصالحة،‭ ‬ختان،‭ ‬حج،‭ ‬تعزية‭- ‬تجد‭ ‬قالب‭ ‬السكر‭ ‬حاضرا،‭ ‬ببياضٍ‭ ‬ناصع‭ ‬يسرُّ‭ ‬الناظرين،‭ ‬وطلعةٍ‭ ‬بهية‭ ‬تضفي‭ ‬الصفاء‭ ‬على‭ ‬الأجواء‭ ‬وتحلي‭ ‬الأذواق‭ ‬وترضي‭ ‬الخواطر‭ ‬وتمحو‭ ‬الضغائن‭ ‬وتشد‭ ‬الوثاق‭ ‬بين‭ ‬الأهل‭ ‬والجيران‭ ‬والأحبّاء‭.‬
فلقد‭ ‬جرت‭ ‬العادة‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬يقصد‭ ‬رجلٌ‭ ‬ما‭ ‬بيتَ‭ ‬فتاة‭ ‬طلباً‭ ‬لخطبتها،‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يقتني‭ ‬هدية‭ ‬رمزية‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬قالبين‭ ‬اثنين‭ ‬أو‭ ‬بضعة‭ ‬قوالب‭ ‬من‭ ‬السكر،‭ ‬يُعدّ‭ ‬قبولها‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬أهل‭ ‬الفتاة‭ ‬قبولاً‭ ‬مبدئيا‭ ‬بزوج‭ ‬ابنتهم‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬
‭ ‬وقُبيل‭ ‬حفل‭ ‬الزواج،‭ ‬تنتصب‭ ‬بضعة‭ ‬قوالب‭ ‬سكر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬كساء‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬الهدايا‭ ‬التي‭ ‬تُنقل‭ ‬أمام‭ ‬الملأ‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬العريس‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬العروس،‭ ‬ومعها‭ ‬كيس‭ ‬أو‭ ‬أكياس‭ ‬من‭ ‬القنب‭ ‬يحمل‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬32‭ ‬قالبا‭. ‬إذ‭ ‬يُقاس‭ ‬مدى‭ ‬تشريف‭ ‬العروس‭ ‬وإعلاء‭ ‬شأنها‭ ‬بكمية‭ ‬السكر‭ ‬المهداة‭ ‬لها‭. ‬كما‭ ‬يُوضع‭ ‬قالبان‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬دون‭ ‬كسوة‭ ‬في‭ ‬صينية‭ ‬أمام‭ ‬العريس‭ ‬أو‭ ‬العروس‭ ‬خلال‭ ‬طقس‭ ‬الحناء‭. ‬ويُحِيل‭ ‬حضور‭ ‬السكر،‭ ‬في‭ ‬بعده‭ ‬الرمزي،‭ ‬إلى‭ ‬الفأل‭ ‬الحسن‭ ‬واليمن‭ ‬والأماني‭ ‬للعرسان‭ ‬بحياة‭ ‬هانئة‭ ‬وحلوةٍ‭ ‬بحلاوةِ‭ ‬السكر‭. ‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يحدث‭ ‬أن‭ ‬تنشب‭ ‬خلافات‭ ‬بين‭ ‬الأهل‭ ‬أو‭ ‬الجيران‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬قبيلة‭ ‬وأخرى،‭ ‬فتتدخل‭ ‬قوالب‭ ‬السكر‭ ‬ليُكظم‭ ‬الغيظ‭ ‬وتُحقن‭ ‬الدماء‭ ‬بين‭ ‬المتخاصمين‭. ‬فترى‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬يدفع‭ ‬بالتي‭ ‬هي‭ ‬أحسن‭ ‬ويبادر‭ ‬بزيارة‭ ‬الطـرف‭ ‬الآخـر‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬حاملًا‭ ‬معه‭ ‬قوالب‭ ‬سكـر‭ ‬تكون‭ ‬خيـر‭ ‬مُعبِّر‭ ‬عن‭ ‬الاعتـذار،‭ ‬ببيـاضها‭ ‬الذي‭ ‬يرمز‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭ ‬والتسامـح‭ ‬ونقاء‭ ‬السرائر‭. ‬وبعد‭ ‬النقاش‭ ‬وشيء‭ ‬من‭ ‬الجدال‭ ‬يُقبَر‭ ‬الخـلاف‭ ‬في‭ ‬المـهد‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬ينقلب‭ ‬الخصـم‭ ‬أو‭ ‬العدو‭ ‬إلى‭ ‬وليّ‭ ‬حميم‭.‬
أما‭ ‬عند‭ ‬أداء‭ ‬واجب‭ ‬العزاء‭ ‬والتأبين،‭ ‬فلا‭ ‬شيء‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬اقتناء‭ ‬قوالب‭ ‬السكر‭ ‬وتقديمها‭ ‬إلى‭ ‬ذوي‭ ‬الشخص‭ ‬المتوفي؛‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬خير‭ ‬عزاء،‭ ‬وعربون‭ ‬محبةٍ‭ ‬ووفاءٍ‭ ‬لروح‭ ‬الهالك،‭ ‬وسبيل‭ ‬للتقرب‭ ‬من‭ ‬أهله‭ ‬ومواساتهم‭. ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬المعزين‭ ‬من‭ ‬يهدي‭ ‬كيساً‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬السكر،‭ ‬إما‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬تقديره‭ ‬الكبير‭ ‬للعائلة‭ ‬المكلومة،‭ ‬أو‭ ‬للتآزر‭ ‬معها‭ ‬ماديا؛‭ ‬إذ‭ ‬يُضطر‭ ‬بعض‭ ‬العوائل‭ ‬إلى‭ ‬بيع‭ ‬سكر‭ ‬المعزّين‭ ‬إلى‭ ‬أصحاب‭ ‬البقالات‭ ‬وقبض‭ ‬ثمنه‭ ‬نقدا‭ ‬لإنفاقه‭ ‬في‭ ‬مستلزمات‭ ‬البيت‭ ‬وتقديم‭ ‬واجب‭ ‬الضيافة‭ ‬إلى‭ ‬حشود‭ ‬المعزين‭.‬

بقلم رشيد مرزاق
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا