ثمرات مباركة

08 - يونيو - 2014
وَرَدَ‭ ‬ذِكره‭ ‬مع‭ ‬نخلته‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬26‭ ‬مرة،‭ ‬وزيّنَ‭ ‬موائد‭ ‬أجيال‭ ‬وأجيال‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬وأبهر‭ ‬علماء‭ ‬العالم‭ ‬وما‭ ‬يزال‭ ‬بفوائده‭ ‬الغذائية‭ ‬ومعجزاته‭ ‬الطبيـة‭: ‬إنه‭ ‬التمر،‭ ‬تلك‭ ‬الفاكهة‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تُولد‭ ‬مـن‭ ‬رحم‭ ‬شجرة‭ ‬طيبة‭ ‬تدعى‭ ‬نخلـة‭ ‬التـمر‭ ‬وتنتـمي‭ ‬علمـياً‭ ‬إلى‭ ‬نوع‭ "‬فينيـكـس‭ ‬داكتـيلـيفيرا‭" (‬Phoenix dactylifera‭).‬
تمثل‭ ‬النخلة‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬إرثاً‭ ‬تاريخيا‭ ‬وحضارياً‭ ‬ذا‭ ‬قيمة‭ ‬عالية‭. ‬ويرجع‭ ‬وجودها‭ ‬بالمنطقة‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬سحيق،‭ ‬إذ‭ ‬عُثر‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬دِلما‭ ‬بأبوظبي‭ ‬عام‭ ‬1998‭ ‬على‭ ‬نواة‭ ‬تمرٍ‭ ‬حُدّد‭ ‬تاريخها‭ ‬آنذاك‭ ‬في‭ ‬5110‭ ‬قبل‭ ‬الميلاد‭. ‬وتحظى‭ ‬النخلة‭ ‬بمكانة‭ ‬رفيعة‭ ‬لدى‭ ‬المواطن‭ ‬الإماراتي‭ ‬الذي‭ ‬يعاملها‭ ‬بمنتهى‭ ‬التبجيل‭ ‬وكأنها‭ ‬فرد‭ ‬من‭ ‬عائلته‭. ‬ففضلا‭ ‬عن‭ ‬ثمارها‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬تمثل‭ ‬غذاءً‭ ‬شهياً‭ ‬للسكان،‭ ‬كانت‭ ‬جذوعها‭ ‬تُستخدم‭ ‬أعمدة‭ ‬للخيام،‭ ‬وسعفها‭ ‬يُتّخذ‭ ‬مواد‭ ‬بناء‭ ‬لتشييد‭ ‬نوع‭ ‬فريد‭ ‬من‭ ‬البيوت‭ ‬يُدعى‭ "‬العريش‭"‬،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أنواع‭ ‬عديدة‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬المنزلية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُصنع‭ ‬بصفة‭ ‬كلية‭ ‬أو‭ ‬جزئية‭ ‬من‭ ‬مكونات‭ ‬النخلة‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭ ‬يتم‭ ‬تكريم‭ ‬هذه‭ ‬الشجرة‭ ‬بإقامة‭ ‬فعاليات‭ ‬سنوية‭ ‬للاحتفاء‭ ‬بمنتجاتها،‭ ‬مثل‭ ‬مهرجان‭ ‬ليوا‭ ‬للرطب؛‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬تأسيس‭ "‬جائزة‭ ‬خليفة‭ ‬الدولية‭ ‬لنخيل‭ ‬التمر‭"‬،‭ ‬وإنشاء‭ ‬مراكز‭ ‬بحثية‭ ‬متخصصة‭.‬
وتُصنف‭ ‬التقارير‭ ‬الاقتصادية‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬في‭ ‬المرتبة‭ ‬الرابعة‭ ‬عالمياً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إنتاج‭ ‬التمور‭. ‬وتمثل‭ ‬هذه‭ ‬الفاكهة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬المحلي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬إنتاج‭ ‬الخضراوات‭ ‬والفاكهة‭. ‬كما‭ ‬يعدّ‭ ‬البلد‭ ‬رائداً‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تطوير‭ ‬زراعة‭ ‬نخيل‭ ‬التمر،‭ ‬إذ‭ ‬توسّعت‭ ‬المساحة‭ ‬المزروعة‭ ‬حاليا‭ ‬لتشمل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬44‭ ‬مليون‭ ‬نخلة‭ ‬منتِجة، يوجد‭ ‬جُلّها‭ ‬في‭ ‬مزارع‭ ‬إمارة‭ ‬أبوظبي‭.‬
ويعود‭ ‬الفضل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬جهود‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬كافة‭ ‬الظروف‭ ‬لازدهار‭ ‬هذه‭ ‬الزراعة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬مراكز‭ ‬البحوث‭ ‬العلمية‭ ‬المتقدمة‭ ‬حيث‭ ‬يعكف‭ ‬العلماء‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬سلالات‭ ‬نخيل‭ ‬جيدة‭ ‬من‭ ‬أجود‭ ‬الأنواع‭ ‬المستقدَمة‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الدولة،‭ ‬إذ‭ ‬يتم‭ ‬تهجينها‭ ‬ومزاوجتها‭ ‬بأشجار‭ ‬النخيل‭ ‬المحلية‭. ‬وتبقى‭ ‬التقنية‭ ‬الأكثر‭ ‬فعالية‭ ‬هي‭ ‬زراعة‭ ‬الأنسجة،‭ ‬والتي‭ ‬تم‭ ‬بفضلها‭ "‬استنسال‭ ‬وتحسين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬صنفاً‭ ‬من‭ ‬النخيل،‭ ‬كلها‭ ‬تنتج‭ ‬تمورا‭ ‬غزيرة‭ ‬وكبيرة‭ ‬الحجم‭ ‬ومركزة‭ ‬الحلاوة‭" ‬وفقاً‭ ‬لما‭ ‬قالته‭ ‬المهندسة‭ ‬الإماراتية‭ ‬إيمان‭ ‬حسين،‭ ‬اختصاصية‭ ‬في‭ ‬زراعة‭ ‬الأنسجة‭ ‬النباتية‭ ‬لدى‭ "‬وحدة‭ ‬دراسات‭ ‬وبحوث‭ ‬تنمية‭ ‬النخيل‭ ‬والتمور‭" ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الإمارات‭ ‬بمدينة‭ ‬العين‭. ‬ويعتمد‭ ‬زرع‭ ‬أنسجة‭ ‬النخيل‭ ‬بالأساس‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬لضمان‭ ‬إنتاج‭ ‬شتلات‭ ‬نسيجية‭ ‬مطابقة‭ ‬وراثياً‭ ‬لنوع‭ ‬النخلة‭ ‬الأم‭ ‬المستهدفة‭ ‬بعملية‭ ‬الإكثار‭. ‬وتوضح‭ ‬إيمان‭ ‬أن‭ ‬اهتمامها‭ ‬الأكبر‭ ‬يتركز‭ ‬على‭ "‬إنتاج‭ ‬نخيل‭ ‬ذِي‭ ‬مناعةٍ‭ ‬قوية‭ ‬وقادر‭ ‬على‭ ‬مقاومة‭ ‬الظروف‭ ‬المناخية‭ ‬القاسية‭ ‬والأمراض‭ ‬والآفات‭ ‬المدمرة‭ ‬مثل‭ ‬سوسة‭ ‬النخيل‭ ‬الحمراء‭". ‬
وتشتهر‭ ‬الإمارات‭ ‬بأنواع‭ ‬وأصناف‭ ‬وأشكال‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬التمور‭ ‬الجيدة،‭ ‬منها‭ ‬المتشابه‭ ‬ومنها‭ ‬غير‭ ‬ذلك؛‭ ‬ويُعرف‭ ‬العديد‭ ‬منها‭ ‬بقابليته‭ ‬للتخزين‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭. ‬أما‭ ‬التمور‭ ‬الأثيرة‭ ‬لدى‭ ‬الإماراتيين‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬فهي‭ "‬خنيزي‭" ‬و‭"‬لولو‭" ‬و‭"‬خلاص‭" (‬يسار‭) ‬والتي‭ ‬باتت‭ ‬أسعارها‭ ‬مرتفعة‭ ‬لكثرة‭ ‬الطلب‭ ‬عليها،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬المزارعين‭ ‬يولون‭ ‬عناية‭ ‬أكبر‭ ‬بنخيلها‭. ‬ولا‭ ‬تقل‭ ‬الأنواع‭ ‬الأخرى‭ ‬لذّة‭ ‬أو‭ ‬قيمة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأنواع‭ ‬الثلاثة،‭ ‬إذ‭ ‬إنها‭ ‬جميعاً‭ ‬تمثل‭ ‬طعاماً‭ ‬طيّباً‭ ‬يفوح‭ ‬بعبق‭ ‬العراقة‭ ‬والكرم‭ ‬والسخاء‭ .
بقلم: ‬رشيد‭ ‬مرزاق
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا