طيور‭ ‬في‭ ‬مهب‭ ‬البحر

01 - يوليو - 2018

بقلم: جوناثان‭ ‬فرانزن

عدسة: توماس‭ ‬بي‭. ‬بيشاك

تَخيل طائرا رماديا ضامر الجسم لا يتعدى الزرزور حجماً،  يُمضي جل حياته محلقا فوق المحيط المفتوح.

الحديث هنا عن طائر النوء الرمادي -ذو الدم الدافئ والذي يقل وزنه عن 40 جراما- إذ نراه يبحث عن الأسماك الصغيرة ولافقاريات المحيط في الماء البارد وسائر أحوال الطقس. يرفرف وساقاه متدليتان حتى تلامس أصابعه السطح فيبدو كأنه يمشي على الماء بلا توازن.

إن طيور النوء -بوصفها مجموعة مكوَّنة من فصيلتين اثنتين- من بين أكثر طيور العالم عددا وانتشارا، لكن النوء الرمادي تحديداً  نادر ولا يوجد سوى في مياه كاليفورنيا. يتميز هذا الطائر -المسمّى علمياً، "Hydrobates homochroa"- برائحة قوية كرائحة المسك، قد يشمها المرء في الضباب. يُمضي جل وقته محلقاً فوق الماء، لكن ضرورة وضع البيض وتربية الفراخ تُلزمه أن يحط على الأرض كغيره من الطيور. لهذه الغاية فإنه يفضل الجزر الهادئة. يعشش تحت الأرض وبين الصخور هربا من المفترسات، فلا يغادر أو يعود إلا ليلا.

أنشأت جماعة فنانين محليين أكواخا صغيرة باستخدام قطع خرسانة من أنقاض مبان قديمة بالجزيرة الرئيسة في "محمية جزر فارالون الوطنية للحياة البرية" في ضاحية مدينة سان فرنسيسكو. يتيح باب صغير بالكوخ الولوجَ إلى حيّز منخفض السقف يحفه زجاج شبكي. وإذا المرءُ قصد المكان في ليلة صيف وأشعل ضوءا أحمر (أقل إزعاجا للطيور من الضوء الأبيض)، فقد يرى طائر نوء رمادي يحضن بيضة في أسفل شق ويبدو أصغر وأضعف مما هو عليه فوق الماء. وقد يسمع المرء صدح أحد جيران الطائر المختبئين، إذ يُصدر خرخرة ناعمة وذات إيقاع تنبثق من بين الصخور كصوت من عالم آخر: عالم الطيور البحرية الذي يغطي ثلثي كوكبنا ويكاد يخفى علينا.

ظل هذا الخفاء إلى عهد قريب ميزةً تتمتع بها الطيور البحرية ودثاراً تحتمي به، إلا أن المفترسات الدخيلة والصيد البحري التجاري باتا يهددان وجودها الآن، وأضحت في حاجة إلى حماية الناس؛ والحال أن من الصعب الاعتناء بحيوانات لا نراها.

تُعد "جُزر فارالون" اليوم نافذةً على ماضٍ عمرت فيه الطيور البحرية كل مكان. لمّا زرتُ الجزيرة الرئيسة هناك في يونيو عام 2017، كان يعشش في المحمية (المذكورة آنفاً) أزيد من نصف مليون طائر. على المنحدرات الوعرة والأرض المنبسطة ذات الغطاء النباتي المتفرق، المحاطة بمياه شديدة الزرقة تموج بالفقمات وأسود بحر، كانت طيور بفن وغلموت وغاق وطيور "أوكليت كاسين" صغيرة سمينة و"أوكليت مقرَّن" بشكل غريب وكذا -في رأيي- الكثير الكثير من النوارس الغربية. كانت بيوض النوارس تفقس وتخرج منها الفراخ، فكان ضرباً من المستحيل السير من دون إثارة حفيظة الآباء، إذ طفقت هذه الأخيرة تُصدر أصواتا تصمّ الآذان وتتقافز في الهواء لرشق الدخلاء بفضلات تزكم رائحتها الأنوف.

استحق الوصولُ إلى مستعمرات طيور المور الشائعة بالجزيرة عناءَ المرور بالنوارس وفضلاتها. صبيحة أحد الأيام ذهبتُ إلى مخبأ مموه من الخشب الرقائقي يُطل على تجمع كبير لطيور المور؛ وقادني إليه "بيت وارزيبوك"، عالم الأحياء لدى منظمة "بوينت بلو" (Point Blue) المعنية بحفظ الطبيعة وبتقديم يد المساعدة لـ "دائرة الأسماك والحياة البرية الأميركية" (USFWA)  في مراقبة جزر فارالون. انتشر 20 ألف من هذا الطائر عـلى منحدر صخري يتخلل أجرافا متكسرة، فبــدا المنظــر كغطــاء مــن الفلفل الخشن المطحون.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ