السُـبــوع

01 - أبريل - 2018

بقلم: محمد طاهر

عدسة: أسماء جمال

افترشت "الست مصرية" أرض غرفة الجلوس في منزلها بعدما وضعت أمامها ما ابتاعته صباحاً من "درب البرابرة" بالقاهرة: أكياس بلاستيكية صغيرة وقطع حلوى متنوعة وكميات من النُقل والفُشار. تحلّق حول الجدّة الخمسينية الأبناء والأحفاد وسيدات وفتيات من الأسرة والجيران الأقربين. ساد الصمت في الغرفة -حيث كانت المصورة أسماء جمال توثق الأحداث بعدستها- إلا من صوت خشخشة كيس بلاستيكي صغير مزركش برسوم وردية اللون كانت "الست مصرية" تهمُّ بحشوه بكميات من الفشار قبل أن تُحكم إغلاق طرفه بشريط مُذهَّب وتضعه برفق فوق صينية كبيرة. تفاعل الجمع من حولها خلال هنيهات، وامتدت أيديهم خشخشةً وحشواً لتمتلئ الصينية خلال دقائق قليلة بعشرات الأكياس التي رُتبت بعناية إلى جانب قراطيس نُقل برّاقة وألعاب وعرائس وحلويات لم تغب للحظة عن الأعين الفضولية المحدِّقة لأطفال المنزل. ساد جو من الارتياح والبهجة منزل "الست مصرية" وغمرت السعادة كل من ضاقت به جنباته.. فلقد اكتملت بكل يسر وسهولة استعدادات الاحتفال باليوم السابع على ولادة حفيدتها الجديدة، أو ما يُعرف بتقليد "السبوع". يرتبط "السُبوع" بالعديد من الأساطير والخرافات التي يعتقد كثير من المصريين أن إهمالها قد يتسبب بإصابة مولودهم الجديد بضرر كبير. وهم في سبيل مواءمة شعائر السبوع المتوارثة مع معتقداتهم الدينية السماوية، عمدوا إلى "إلصاق" بعض الحقائق المثيرة بهذا التقليد لإضفاء صبغة إيمانية شرعية عليه ترتكز إلى خصوصية الرقم 7؛ فعدد السماوات سبع، والخلق تم في سبعة أيام، وأشواط طواف الحج سبعة، والجمرات ترمى سبعاً.. وعليه، واستكمالا لسلسلة "بركات" الرقم 7 يتم الاحتفال بالمولود الجديد لدى تخطيه عتبة يومه السابع. لكننا لو غصنا قليلاً في أعماق التحليل الميثولوجي لتقليد السبوع، فسنجد أن طقوسه تُعد من بين أكثر الممارسات اتصالاً بالماضي المصري البعيد. ففي كتابه "الأعياد: احتفالات مصرية بين الحاضر والمستقبل"، يؤكد "سامي حرك" -وهو باحث في التاريخ الثقافي المصري- أن المصريين يحتفلون بالسبوع في عصرنا الحالي كدأب أجدادهم الفراعنة منذ آلاف السنين، مع بعض الاختلاف في الطرق والتفاصيل. يُنَقِّب "حرك" في جذور تقليد السبوع الفرعوني، فيشير إلى أن الاعتقاد ساد لدى المصري القديم بأن الإلهة "حتحور" -ربة الأمومة في الثقافة المصرية القديمة التي جسدتها الرسوم الجدارية الفرعونية على هيأة بقرة- كانت تتكفل برعاية المولود الجديد إلى جانب ستٍ من الربات الأُخر أُطلق عليهن اسم "الحتحورات السبع"؛ إذ تقوم كل واحدة منهن بمهمة الرعاية مدة يوم واحد، ومع انتهاء الأيام السبعة تتقدم الأم الحقيقية لتتسلم مسؤولية رعاية وليدها كاملة في احتفال يشهده الأهل والأقارب. ويوضح "حرك" أن أهل المولود كانوا يلجؤون في هذا اليوم المشهود إلى وضعه في غربال وهزّه بهدف تنقية جسده مما علق به من آثار رعاية "الحتحورات السبع". وقد تحوّرت تلك الموروثات مع انتشار الديانات السماوية في أرض الكنانة، إذ استُبدلت الملائكة بالحتحورات، وساد اعتقاد مفاده أن على الأم تأجيل فرحة الأمومة انتظاراً لمفارقة الملائكة مولودها الجديد والتي تصادف اليوم السابع على ولادته. يشرح درويش الأسيوطي -وهو أديب مصري متخصص في تراث منطقة الصعيد- خطوات السبوع الاحتفالية بشكل مفصل في كتابه "أفراح الصعيد الشعبية". إذ تبدأ أولى الفقرات بجلب "ميّة الملايكة" (ماء الملائكة) من نهر النيل مع غروب شمس اليوم السادس على ولادة الطفل، لتُصب بعدها في "طشت" (وعاء بلاستيكي) يوضع بجوار رأس المولود حتى صباح اليوم التالي. وخلال أيامه الستة الأولى يرتدي المولود ملابس أخوته القديمة أو أثواب يتم تفصيلها من ملابس تعود لأبويه خوفا عليه من أذى "قرينه". وفي مساء اليوم السابع تقوم الجدة (أو إحدى السيدات كبيرات السن) بغسل الطفل بـ"ميّة الملايكة" بعد أن توضع "قُلَّة" في منتصف الـ"طشت" إذا كان المولود فتاة، أو "إبريق" إن كان ذكرا. وتُنقع في الماء أحياناً بعض أوراق الريحان والليمون والقرنفل. أما طقس "البسلة" (الوشاح) فيُطلق على كل ما يتم تعليقه على صدر المولود -لحمايته من عين الحسود- مثل "الحرز"؛ وهو كيس صغير مستطيل من القماش تخيطه الأم ويُحشى بقطعة من "خلاص الطفل"، وملح غير مجروش، وقطعة خبز. كما تطلق أيضا كلمة "بسلة" على العقد الذي يصنع من حبات الفول التي نُقِعت في "ميّة الملايكة" لتصبح لينة بحيث يمكن لإبرة الخياطة اختراقها. ويحرص الجميع على اقتناء العقد تفاؤلًا بالخير الذى سيعم المنزل مع قدوم الوليد السعيد. كما يتم تكحيل عيني المولود الجديد بواسطة "كحل الأثمد الأسود"، عقب إتمام غسل جسمه وإلباسه ثياباً جديدة، سواء أكان ذكرا أم أنثى. إذ يُغرس "مرود" خشبي في بصلة ثم في الملح، قبل أن يغمس في المكحلة لتُكحل به عين الطفل، الذي تنتابه نوبات بكاء هستيرية ألماً من دون أن يثني بكاؤه أمه أو من حولها، اعتقادا منهم أن هذه الممارسة تعمل على توسيع حدقة عين الوليد وإكسابها جمالاً. لا يرتبط اسم المولود في الصعيد -حسب الأسيوطي- برغبة والديه، وإنما يتم اختياره عن طريق الشموع؛ إذ تتم إنارة مجموعة شموع مع تسمية كل واحدة منها باسم من الأسماء المفضلة لدى أفراد العائلة، أما الشمعة الأطول عمرا فهي التي يُسمى الطفل بالاسم المكتوب عليها اعتقاداً بأن الملائكة هي من اختارته، ويشارك في هذا الطقس جميع أفراد العائلة بمن فيهم الأطفال. ولا يمنع الاسم المكتوب على الشمعة والده من اختيار اسم آخر له في شهادة الميلاد، ما يفسر ظاهرة تعدد أسماء الابن الواحد في الصعيد. وتتربع "الغربلة" على عرش طقوس السبوع، إذ تُطلق على تخطي الأم لمولودها سبع مرات على وقع اشتعال البخور فوق جمر متقد في المكان الذي سيتم فيه غربلة الرضيع. إذ يتم خلط سبعة أنواع من الحبوب الشائعة مع كمية ملح غير مجروش قرب رأس المولود، قبل أن تبدأ الجدة بالبسملة في حالة المولود المسلم أو ترديد عبارة "باسم الصليب" إن كان مسيحياً. بعدها يبدأ طقس التخطي، فتبدأ الأم بقدمها اليمنى -ميممة وجهها ناحية القبلة-فيما الجدة تردد: "الأولة بسم الله، والتانية بسم الله، والتالتة بسم الله، والرابعة بسم الله، والخامسة بسم الله، والسادسة بسم الله، والسابعة يا بركة محمد بن عبد الله". وتترافق "الغربلة" مع دق إحدى النساء "المهراس" النحاسي أو ما يعرف بـ"الهون"، إذ يعتقد العامة أن الجلبة الناتجة عن طرقه تساعد على فتح آذان الطفل، وأنها تبعد الأرواح الشريرة. ويتزامن كل ذلك مع ترديد نسوة العائلة نصائح للمولود في شكل لا يخلو من الطرافة والظرافة من مثل: "اسمع كلام أمك، متسمعش كلام أبوك.. اسمع كلام أختك، متسمعش كلام أخوك.. اسمع كلام عمتك، متسمعش كلام خالتك". مع انتهاء آخر فقرات السبوع، يتخاطف الكبار والصغار الأكياس والحلويات من الغربال، ثم تحمل الأم وليدها وتدور به داخل المنزل وعلى السلالم صعودا وهبوطا، وخلفها الجمع والشموع في أيديهم، فيما تسير والدتها من ورائها وهي ترش الملح مرددة: "يا ملح دارنا، عمَّر ديارنا، كبر عيالنا، كتر ولادنا". .. قولوا آمين.

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ