دعوةٌ للمشي

03 - ديسمبر - 2013
22 يناير 2013


بقلم: بول سالوبيك
"هيرتو بوري"، إثيوبيا، على خط العرض: 10 د. 17 د. 12 ث. شمالاً، وخط الطول: 40 د. 31 د. 55 ث. شرقاً

في يوم صاف على سطح مستوٍ، في مكان مفتوح كهذه الأرض المحيطة بي، الشاحبة شحوب العظام والواقعة في شمالي إثيوبيا ضمن ما يُعرف باسم "وادي الصدع العظيم"... في يومٍ كهذا، يمكن للمرء أن يرى حتى مسافة 96 كيلومتراً ونصف الكيلومتر تقريباً، أي ما يمثّل مسيرة ثلاثة أيام في أي اتجاه. وعلى مدى الأعوام السبعة المقبلة من حياتي، والتي سأمضيها في السير على قدمَيّ متعقّباً الدروب التي سلكها البشر الأوائل الذين جابوا الأرض منطلقين من إفريقيا، فإن تلك المسافة ستمثّل لي كوني الملموس وأفقي المحدود... تماماً كما كانت بالنسبة لأجدادنا هؤلاء.

لكنّي بالطبع سألجأ إلى بعض الغشّ. إذ إن عدّة الاتصال التي تُثقل كاهلي، والتي سأحملها معي أينما ذهبت لمشاطرتكم يوميّات رحلتي هذه، ستفتح أمامي آفاقاً رقمية لا حدّ لها... آفاقاً كان يصعُب على أجدادنا أن يتخيّلوها. بيد أني أعتقد أن تجربة قطع القارات على القدمين متراً بمتر حتى عام 2020 ستكشف حقيقةً لا مفرّ منها، ألا وهي أننا خُلقنا لنمشي، وصُمّمنا لاستخلاص الدروس والعِبَر من حياتنا اليومية ونحن نخطو بأرجلٍ رشيقة بسرعة 4.8 كيلومتر في الساعة. وسواءٌ أكنّا نعتبر الجنس البشري ملعوناً أم محظوظاً لوجودنا على الأرض في هذه الأيام المسعورة من تاريخنا -مع أنني شخصياً لو خُيِّرت بين هذه الأيام وأي زمن آخر لما وجدت زمناً أفضل للعيش من هذا الزمن -فإن الفضاء الإعلامي يعجّ بآراء منطقية تدعونا إلى التمهّل، والتوقّف مؤقّتاً... كما يفعل راعٍ عفاري من سكّان المنطقة اسمه محمد إيدولي، بيدَين تستندان إلى عصاة من خشب السَّنْط (الأكاسيا) زيّتتها كفّان متعرّقتان... آراء تدعونا لأن نراقب ونستمع... لأن نتلفّت حولنا بحثاً عن اتجاهات قديمة نيمّم وجوهنا شطرها. إذ لابد أنه كان لدى تلك المجموعات الأولى من البشر، أولئك الروّاد الذين مهّدوا لنا الطريق لنَسُود كوكب الأرض... أولئك الصيّادين الجامعين للحبوب والثمار الذين بالكاد نعرف عنهم أي شيء، والذين يظن الباحثون أن أعدادهم لم تكن تتجاوز بضع مئات من الناس... لابد أنه كانت لديهم دروساً هامّة لينقلونها إلينا. كيف لا، وقد كانوا هم الخبراء بلا منازعٍ في فن البقاء! تلكم كانت مقدّمتي المنطقية لرحلتي: "الخروج من جنة إفريقيا" على القدمين.
----------
لقد رسم العلم ملامح واضحة لنموذج رحلتي الطويلة المرهقة والذي يمثّل التشتّت العالمي الأول للبشر انطلاقاً من القارة الإفريقية.
وتشير بعض الدلائل الأحفورية وبعض سمات الحمض النووي لدى مجموعات بشرية معاصرة إلى أن البشر كانوا قد بدؤوا يدلفون شمالاً من "وادي الصدع العظيم" الإفريقي في مرحلةٍ معيّنة وقعت بين ما قبل 50 ألف و 70 ألف عام. بعض هؤلاء الرحّالة الأوائل كانوا قد حثّوا الخطى متجهين غرباً نحو أوروبا، حيث قضوا غالباً على ما بات يُعرف لدى بعض الأوساط العلمية باسم "إنسان نيادرتال"، مدفوعين إلى ترك مواطنهم الأصلية بفعل ضغط التضخّم السكّاني أو إغراء التحوّلات المناخية المؤاتية. وبالمقابل فقد اتجه غيرهم يميناً نحو أوراسيا... وعلى خطى أولئك تحديداً سأمضي. (إذ ليس لدى ركبتاي اللياقة الكافية لأضيف أوروبا إلى برنامج سفري الطويل. أما فيما يخص قارة أوقيانوسيا، والتي كان البشر قد وصلوها بالقوارب قبل نحو 50 ألف عام... فبالكاد سيكون لدي ما يكفي من طاقة لأبلغها ولو حبواً في الماء). وسأنطلق من الشرق الأوسط متعقّباً خطى أشباح من هاجروا في الزمن السحيق عبر آسيا الوسطى إلى الصين، ثم سأنعطف بزاوية حادّة إلى المناطق القطبية من سيبيريا، ومن ثَمّ سأقطع الممر البحري الذي يفصلها عن ألاسكا على متن سفينة. (لقد كانت الحيوانات الأميركية التي اكتشفها الأميركيّون الأوائل من التنوّع بمكان إلى حد أنها جعلت أحد علماء الآثار، ويدعى عوفر بار يوسف، يقترح عليّ أن أعيد تسمية مشروعي ليصبح: "الدخول إلى الجنة"). وفي المرحلة الأخيرة سأمضي في مشيي على طول الأميركيتين، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وصولاً إلى "تييرّا ديل فويغو"، النهاية القصوى لأميركا الجنوبية حيث تنتهي قارات العالم، وحيث كان شابٌّ غرٌّ في الثالثة والعشرين من عمره، ويدعى تشارلز داروين، قد أثار سلسلةً كاملة من رحلات إعادة الاكتشاف عام 1830.
الصورة:
إيدولي محمد، راعٍ من عفار يسكن منطقة "هيرتو بوري"، في لقطة من بداية الرحلة

العفار: هم من العرب القحطانيين الذين نزحوا من اليمن إلى القرن الإفريقي منذ أكثر من 4000 سنة واستقروا فيه.
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا