أرض البركات والنزاعات … والبلاء

01 - فبراير - 2015
بقلم: بول سالوبيك
عدسة: جون ستانماير


القدس ليست مدينة حرب... هذا ما يصرّ عليه آفنر غورين. يقولها لي ونحن نسير على الأقدام تحت سماء الصباح الصافية لبلاد الشام متّبعين نهراً مُزْبداً من مياه الصرف الصحّي.. نهرٌ يتدفّق من القدس الشرقية بمعدّل 45 ألف متر مكعّب في اليوم وفق ما يقوله لي غورين. إنه سيلٌ نتِنٌ يجري مسافة 36 كيلومتراً ليصبّ أخيراً في البحر الميت. ونحن الآن نتّبع مجرى هذه الفضلات بناءً على اقتراح غورين الذي يُعَدّ أبرز علماء الآثار الإسرائيليين ويرى أن رحلتنا هذه بمنزلة "رحلة حجّ" على حدّ وصفه. نشقّ طريقنا بصعوبة عبر جموعٍ كثيفة من السيّاح المؤمنين الذين قَدِموا من بلادهم لزيارة بلدة القدس القديمة، فيقول لي غورين وهو يتقدّمني في السير: "لقد نشب 700 صراع عنيف هنا منذ تأسيس مدينة القدس. لكن المدينة شهدت كذلك فترات طويلة من السِّلْم عاش أهاليها خلالها بوئام".
بالمناسبة، نحن فريقٌ من ثلاثة أشخاص.
هُناك غورين: وهو مثقف إسرائيلي من مواليد القدس، له شعر منفوش وعينين زرقاوين، وهو يهودي. وهناك بسّام المهر: صديق فلسطيني لغورين ومصوّر من الضفة الغربية، وهو مرشد سياحي لا يعرف الكلل. وقد التحقت بهما -أنا الثالث- بعد أن قطعت الطريق الطويلة قادماً من إفريقيا مشياً على الأقدام على مدى 381 يوماً، خارجاً من مهد البشرية في "وادي الصدع العظيم" لإثيوبيا، وداخلاً المنطقة التي شهدت الزراعة الأولى واختراع اللغة المكتوبة وظهور الديانات التوحيدية: إنها منطقة الهلال الخصيب. ورحلتي هذه البطيئة الوتيرة هي جزءٌ من مشروع أكبر يدعى "رحلة الخروج من الجنة على القدمين" والذي يهدف إلى تتبّع آثار أسلافنا من العصر الحجري الذين استكشفوا عالمنا خطوةً بخطوة. وأعتزم أن أجوب الأرض على مدى سبع سنوات وصولاً إلى الركن الأخير الذي بلغه نوعنا البشري، ألا وهو الطرف السفلي الأقصى لقارة أميركا الجنوبية. وهنا وما إن أنتهي من شرح مسار رحلتي لصاحبي غورين، يعلّق بالقول: "تمام! لقد انطلقت من الجنوب كما فعل إبراهيم (عليه السلام) من قبلك".

التتمة في النسخة الورقية
موضوعات ذات صلة
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا