بَـلَــدٌ صغيــر يُطعِمُ العالم

بقلم: فرانك فيفيانو

عدسة: لوكا لوكاتيلي

في حقل بطاطس قرب الحدود الهولندية-البلجيكية، جلس المزارع الهولندي "جاكوب فان دين بورن" في مقصورة حصّادة عملاقة قبالة لوحة مفاتيح أشبه ما تكون بسفينة الفضاء الخيالية "إنتربرايز".

يرتفع مقعده عن الأرض ثلاثة أمتار، ومنه كان يتحكم في آلتين -جرار من دون سائق يجول الحقول، ومروحية رباعية الشفرات من دون طيار تحلق في الهواء- تزودانه بتفاصيل دقيقة عن تركيبة التربة الكيميائية ومحتوى المياه والمغذيات ووتيرة النمو، وتقيسان تطور كل نبتة بطاطس على حدة. يشهد حجم إنتاج فان دين بورن على فعالية ما يسمى "الزراعة الدقيقة"، ذلك أن غلة الهكتار الواحد في حقوله تفوق 47 طنا، مقابل متوسط إنتاج عالمي يبلغ 20 طنا بالهكتار.
وكم تزيد دهشتنا حين نطَّلع على الوجه الآخر لهذا الإنتاج الغزير، أي التكاليف. فمنذ عقدين التزم الهولنديون على الصعيد الوطني إزاء الزراعة المستدامة تحت شعار "ضِعفُ الغذاء بنصف الموارد". ومنذ عام 2000 قلّص فان دين بورن وكثير من المزارعين اعتمادهم على الماء لري المحاصيل الرئيسة بنسبة 90 بالمئة، وصاروا قاب قوسين أو أدنى من الاستغناء عن المبيدات الكيميائية لرعاية مزروعات الدفيئات(بيوت زجاجية)، كما قلّص منتجو الدواجن والمواشي استعمال المضادات الحيوية بنسبة 60 بالمئة منذ عام 2009.
ثمة سبب آخر يدعو للإعجاب، فهولندا بلد صغير ذو كثافة سكانية كبيرة تزيد عن 500 نسمة في الكيلومتر المربع، فضلا عن افتقارها إلى جل الموارد التي ساد الاعتقاد بلزومها للزراعة على نطاق واسع. ومع ذلك تحتل المركز الثاني عالميا في تصدير الغذاء بناء على القيمة، ولا يتجاوزها سوى الولايات المتحدة التي تحظى بأراض تفوق مساحة هولندا 270 ضعفا. فكيف حقق الهولنديون كل ذلك؟
لا تشبه هولندا من الجو أياً من كبار منتجي الغذاء؛ حقول متفرقة جُلُّها صغير بمعايير الأعمال الزراعية، تحيط بها المدن والضواحي التي تموج بالنشاط. وفي أهم مناطق البلاد الزراعية لا نكاد نجد حقل بطاطس أو دفيئة أو إسطبل خنازير بعيدا عن ناطحات السحاب أو المنشآت الصناعية أو العمران. فضلا عن ذلك فإن أكثر من نصف مساحة البلاد تُستعمل لأغراض الزراعة والبستنة.
تضم أريافَ هذا البلد الأوروبي الصغير ما يشبه محيطات مرايا عملاقة تتوهج تحت أشعة الشمس وتتألق بأضوائها العجيبة حين يَجنُّ الليل؛ إنها مُجمعات دفيئات هولندا الرائعة التي يمتد بعضها فوق مساحة 70 هكتارا.

بفضل هذه الدفيئات تحتل البلاد الواقعة على بعد 1600 كيلومتر فقط من الدائرة القطبية الشمالية مركز الريادة في تصدير فاكهة تنمو عادة في الأجواء المعتدلة: الطماطم. علاوة على ذلك تعدُّ هولندا أول مصدِّر بطاطس وبصل في العالم وثاني أكبر مصدِّر خضراوات من حيث القيمة. كما أن أزيد من ثلث تجارة تقاوي (بذور) الخضراوات في العالم تأتي من هولندا.
موضوعات ذات صلة
  • إطعام العالم إطعام العالم

    بقلم: جوناثان فولي عدسة: جورج ستاينميتز و جيم ريتشاردسون عندما نفكر في الأخطار المحدقة بالبيئة، نستحضر صور السيارات والمداخن، وليس الغذاء. والحال أن

  • سلة غذائنا الجديدة سلة غذائنا الجديدة

    بقلم: جويل كيه. بورن جونيور عدسة: روبين هاموند فلقد ابتُلعت هذه القطعة الأرضية الممتدة على مساحة نصف هكتار قرب كساي-كساي في موزمبيق من قِبل شركة ص

  • قمح يتحدى المناخ

    روسيا تعد روسيا من أبرز البلدان المصدرة للحبوب، بما في ذلك القمح. وفي وجود حظر الاستيراد والعقوبات المفروضة على هذه الدولة، فقد ركّزت بقدر أكبر في

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ