بـراري أميـركا

بقلم: إليزابيث كولبيرت
عدسة: مايكل ميلفورد

كنا محاطين بأشجار من كل نوع: "تنوب باسق"، و"زان رفيع"، و"قيقب"، و"بلوط"، و"بتولا". ولكن لافين، الذي يعمل حطابا أحيانا ودليل جولات خارجية طوال الوقت، كان يبحث عن شجرة بعينها. كنا قد تركنا خلفنا المسار المطروق، وبدأ لافين يجتاز أرضاً منحدرة معتمداً على ذاكرته فقط، وكان يرتدي حذاء صنع خصيصا للسير على الجليد. وفي خاتمة المطاف عثر الرجل على ما كان يبحث عنه: شجرة "صنوبر أحمر" مزق جذعها شقٌ عريضٌ لزج على مستوى العين مباشرة. وبعد أن انتزع شعرة سوداء سميكة من النُسغ المتجمد، قال إن الدببة هي التي أحدثت هذا الشق في الشجرة، كوسيلة من وسائل التواصل فيما بينها (على الرغم من أن لا أحد يعرف على وجه الدقة، ما الذي تقوله تلك الدببة لبعضها بعضا من خلال هذا التصرف). وبعد أن توغلنا لمسافة أعمق في الغابة، عثرنا على شجرة زان ميتة، ثلّمها شقٌ أحدث وأطول بكثير من ذاك الذي مزق جذع شجرة الصنوبر، وكان من الواضح أن من تسبب بالشق هذه المرة، كان نقار خشب كبير.
واصلنا تقدمنا لمسافة قليلة حتى بلغنا أرضاً جرداء بفعل سقوط شجرة تنوب ميتة، هائلة الحجم، كانت ترقد أمامنا وكأنها مارد مطروح على الأرض. عندها قال لي لافين: "كما ترى فإن الطبيعة تمارس أيضاً قطع الأشجار على طريقتها"، ثم أشار مستخدماً إحدى عصي التزلج، إلى بضع شجيرات "شوح بلسمي" قرضت حيوانات "موظ" أجزاء منها، تدليلاً على صحة كلامه. وهكذا، أمضينا على هذا المنوال، ساعات عدة نتجول خارج المسارات المطروقة عبر الغابة المغطاة بالجليد، من دون أن نعثر على أي أثر لقدم بشرية.
ومنطقة سلسلة جبال ساندويتش البرية، لا تعد كبيرة جدا من المنظور الجغرافي، إذ لا تزيد مساحتها عن 140 كيلو متراً مربعاً، لكنها بالتأكيد ليست نائية: إذ يعيش ما يقرب من سبعين مليونا من البشر -من بينهم عائلتي- على مسافة سفر يوم واحد بالسيارة من حدودها. لهذه الأسباب تحديدا، تمثل تلك المنطقة مكانا جيدا للتأمل في إرث "قانون الحياة البرية"، الذي يوافق هذا العام الذكرى الخمسين لإصداره. وبينما كنت أتبع لافين عبر الغابات، تساءلت عن سبب تعلقنا الدائم بالحياة والمناطق البرية، وما الذي يعنيه هذا المصطلح في أيامنا هذه.
وقع الرئيس ليندون جونسون قانون الحياة البرية في الثالث من سبتمبر سنة 1964. ولكن كي نفهم قصة مشروع القانون هذا، علينا العودة إلى ثلاثينيات القرن الماضي. فخلال فترة الكساد الكبير (1929) عمّت البطالة صفوف الأميركيين، فارتأت الحكومة الفدرالية وقتذاك تخفيفاً من حدة الأزمة، تكليف عشرات الآلاف من مواطنيها العمل في المتنزهات الوطنية والغابات ضمن مشاريع من مثل تسوية الطرق وإقامة الملاجئ، ورصف مئات الكيلومترات من الأرصفة.

التتمة في النسخة الورقية
موضوعات ذات صلة
  • ديسم يُحيي الأمل

    في صيف عام 2014، وبينما كان العلماء يقتفون أثر دُبة أنديزية نادرة في "منتزه كايامبي كوكا الوطني" بالإكوادور، إذ لاحظوا أن نشاط هذا الحيوان الانعزالي م

  • تطلب تشكيل هذا المشهد في "يوسيميتي" من المصور "ستيفن ويلكس" (Stephen Wilkes) قضاء أكثر من 26 ساعة في التقاط 1036 صورة. وقد صوَّرَ بعضها في الساعة الثالثة صباحا حين كان البدر ليلة تمامه يلقي بنوره على واجهة "إل كابيتان" الصخرية. ثم قام ويلكس بإدماجٍ رقمي للصور التي وقع عليها اختياره لابتكار هذا المشهد البانورامي. ويمكن الاطلاع على الصفحة لمعرفة المزيد عن تقنية التوليف (الإدماج) التي اعتمدها ويلكس. في البرية

    في شهر مارس من عام 1868، استوقف "جون موير" -وهو بعدُ في التاسعة والعشرين من عمره- أحدَ المارة في سان فرنسيسكو وسأله عن طريق تُفضي به إلى خارج المدينة.

  • تجتاح خنفساء الصنوبر الجبلية غابات الغرب الأميركي، بما فيها تلك المحيطة بجبل "راشمور". ماتت أشجار الصنوبر الرمادية منذ مدة وقد صارت جرداء من أوراقها؛ أما تلك المكتسية بلون الصدأ فقد هلكت في الآونة الأخيرة رغم احتفاظها بأوراقها الإبرية.. فهل ستنتشر هذه الخنافس عبر قارة أميركا؟ غـابـات أميـركا تُحتضـر، والسبب.. حشـرة

    في صبيحة يوم بارد من أكتوبر عام 2013، ركنَت "ديانا سيكس" سيارتها في طرف غابة صنوبر تقع في "وادي بيغ هول" جنوب غربي ولاية مونتانا بالولايات المتحدة. وه

أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا