مسالك المشّائين في أميركا

قلم: نيكولاس كريستوف

عدسة: زاكاري كرامر

ترشدنا مسالك أميركا الخلّابة إلى آخر مناطقها البرية البِكر؛ ولكن هذه المسالك اليوم مهدّدة بسبب الإهمال والتغير المناخي والاستخدام المفرط. وقد آن أوان صونها والحفاظ عليها.

مقامي الصيفي لا يُقدَّر بثمن، بل حتى بأموال "جيف بيزوس" أو "بيل غيتس" لا يمكن لأحد امتلاكه. يقبع ملاذي هذا عند سفوح "جبل هود" بولاية أوريغون، على مقربة من "مسلك باسيفيك كريست" لدى نطاق شجري خفيض يفسح المجال لمروج جبلية رفيعة تموج بالأزهار. وثمة خور ينهل من نهر جليدي، يهدهدني صوت خريره ليلًا حتى أخلد للنوم. دأبت على ارتياد هذا الملاذ الصيفي مُذْ كنت في الرابعة عشرة من عمري. تكسوه الثلوج في أغلب أيام السنة، ولكنه يبعث الطمأنينة في نفسي حتى في فصل الشتاء وأنا بعيد عنه. فكلما ألمَّ بي الأرق، أستحضر مناظره الخلابة، فتدغدغ الطبيعة حواسي وتداعبها.
ومن حسن حظي أن هذا المكانَ مِلكٌ لكل أميركي، وأرجو أن يأتي يوم يلعب فيه أحفادي ههنا كما فعلتُ في طفولتي. إنها منطقة عامةٌ تمثل جزءًا من أراض برية يُطلَق عليها اسم "منتزه بارادايس". وهو يقع على مقربة من مسلك استحدَثهُ "فيلق الخدمة المدنية" في محيط جبل "هود" خلال حقبة الأزمة الاقتصادية الكبرى في ثلاثينيات القرن الماضي. وقد تم ربطه في نهاية المطاف بِـ "مسلك باسيفيك كريست". حتى حينما كانت الولايات المتحدة تعاني ويلات الفقر آنذاك، لم تتوقف عن تخصيص الموارد اللازمة لجعل هذه البقاع البرية البكر سهلةً المنال. أما الآن وقد صارت أميركا من أغنى دول العالم، تجد نفسها عاجزة عن صون هذه المسالك على نحو يليق بقَدرها.
إذ يُحْدق الخطر بهذه المسالك لأسباب عديدة ومتداخلة؛ منها -مثالًا لا حصرًا- التغير المناخي والحرائق وشح التمويل. فنحن الأميركيين فشلنا في الحفاظ على إرثنا المادي هذا، بل ويبدو أننا نهدره في بعض الأحيان. "لقد طُمِسَ العديد منها"، هكذا يتحسر "بارني سكاوت مان"، عميدُ رواد مسالك المسافات الطويلة ومؤلف كتاب "رحلات إلى الشمال" (Journeys North) الذي يتناول بالتفصيل مسيرته عبر "مسلك باسيفيك كريست". ويترأس مان مجلس "الشراكة لأجل منظومة المسالك الوطنية"، وهي منظمة غير ربحية تُعنى بشؤون المسالك الوطنية، وقد دأب على نشاط المشي في هذه البراري منذ الستينيات، ويعرف بعض المسالك الثانوية التي اندمجت من جديد في البرية نتيجة الإهمال. يقول: "مصير المسالك في أيدينا. فهي تختفي إن لم نستخدمها". اعتدتُ حملَ حقيبة الظهر مُذْ كنت في السادسة من عمري، حين اصطحبني أبي ومعنا أمي في أول رحلة لاصطياد الخنزير البري، تلتها رحلات عديدة في وقت لاحق. ولا أذكر أنني آذيت خنزيرًا قَط، ولكن قلبي حينَها تعلّق بعشق البرية. ثم حَلَّ عام 1970، حين أعلن مراهق لا يتجاوز وزنه 54 كيلوجرامًا -وكان اسمـه "إيريـك ريبـاك"- أنـه أَتـمَّ مسيـرته في "مسلك باسيفيـك كـريست"، الممتـد مـن كنــدا حـتى المكسيك.

عندهـا، قـرأت بنهـم كبيـر تحقيقًا نشرتـه مجلـة "ناشيـونال جيوغـرافيك" العالميـة عن هذا المسلك وما عاشه فيه ريباك من مغامرات، وكذا الكتاب الذي ألّفه ولقي رواجًا كبيرًا. فعقدتُ العزمَ، وأنا الصبي ابن ريف أوريغون الذي لا يبعد موطنه عن هذا المسلك سوى ساعتين بالسيارة، على أن أحذو حذو ريباك. وفي عام 1971، خصصتُ كل المال الذي كسبته من قطف التوت لشراء حقيبة ظهر، ومن ثم انطلقت للسير في "مسلك باسيفيك كريست". ومنذ ذلك الحين لم أتوقف عن السير في البرية.. إلى يوم الناس هذا. وقد أسهم ريباك في إطلاق موجة الاهتمام الأولى بمسالك أميركا الطويلة؛ ومن بعده أحدثَ كلٌّ من "بيل برايسون" و"شيريل سترايد" موجة ثانية وثالثة تواليًا، عندما نشرا كتابيهما عن "مسلك الأبالاش" و"مسلك باسيفيك كريست". واليوم، أضحت مسالك أميركا الطويلة قبلة لهواة المشي من جميع أنحاء العالم.
ولطالما شكلت هذه المسالك الطويلة جانبًا ثريًا في حياة عائلتي. فبينما تُرسل بعض العائلات أطفالَها إلى مخيمات صيفية أو تُمضي إجازاتها في الإقامات الشاطئية، ظل شغف عائلتي بالمسالك ثابتًا. وقد تَبَيَّن لي وزوجتي أن للمشي في المسالك الطويلة فائدة أخرى لأبنائنا الثلاثة؛ إذ كان يُرهقهم ولا يدع لهم مجالًا للتشاجر فيما بينهم كما كان حالهم أثناء رحلاتنا بالسيارة. وقد شاركتنا "كارولين" -ابنتنا الصغرى- رحلاتنا تلك وهي بعدُ في ربيعها الأول، فتنامى شغفها بالمشي في المسالك منذ ذاك الحين. ولمّا بلغَت عامَها الرابع عشر -في عام -2012 بدأت ترافقني خلال رحلة المشي في "مسلك باسيفيك كريست" بأكمله، حيث كنا نقطع 300 أو 500 كيلومتر في الرحلة الواحدة، إلى أن قطعناه كاملًا في ستة أعوام. هنالك خُضنا معًا غمارَ كل شيء وجابهنا أشد الظروف: الأفاعي المجلجلة، وجفاف الجسم في صحراء جنوب كاليفورنيا لدى الحدود المكسيكية، ودُوار المرتفعات وعمى الثلوج في سلسلة جبال "سييرا نيفادا" في كاليفورنيا، وكتل ثلوج عملاقة أجبرتنا على الخروج عن مسارنا في ولاية أوريغون، وأمطار غزيرة جارفة وبرد قارس في شمال ولاية واشنطن. ولمّا كانت كارولين فتاة شجاعة ولا تشكو أبدًا، أدركتُ أن الخَطب عظيم ذات صبيحة في ولاية واشنطن ونحن نسير معًا عبر رذاذ جليدي. إذ سألتني بنبرة أكاديمية بحتة، قائلةً: "أَبَتي.. كيف يعرف المرء أنه مصاب بانخفاض حرارة الجسم؟".
لقد نشأتْ ثقافة خاصة بنشاط المشي في المسالك الطويلة، بمصطلحاتها ومسمّياتها المميزة. وأصبح للمشاة ألقاب تميز كلًّا منهم؛ فأنا مثلًا أُدعى "صاحب القلم" لأني كاتب، وتُدعى كارولين "البهلوانة" لأنها لاعبة جمباز ولا تنفك تقف على يديها برشاقة فوق أي حافة صخرية تجدها، كي تُفزعَ أبويها. أما الاختصار "بادز" (PUDs) فيشير إلى قطع مسافات لا طائل منها، كأنْ يَخدعَكَ مسلكٌ فيرهقك بصعود تلة بدلًا من الالتفاف حولها. وهناك أيضًا عبارة "ملائكة المسالك"، وهم أولئك الذين يظهرون من حيث لا تدري فيمُدّونك بالمشروبات الباردة أو شرائح "البيتزا" الساخنة عند تقاطع المسلك مع طريق مأهول. تُعدّ المسالكُ الطويلة ترياقًا للبشرية في خضم التراخي الذي أصابنا في عصر ما بعد الصناعة الموسوم بالمادية. يقول "سبينوزا"، الفيلسوف الهولندي الكبير في القرن السابع عشر، إن الإله يتجلى في الطبيعة وقوانينها؛ ويستوعب المرءُ مقولة سبينوزا تمامًا عند تأمل مشهد الغروب فوق ممر جبلي. إن المسالك بمنزلة كاتدرائيات برية، نمشيها بكل انبهار ووقار وتضرع في حضرة وجودٍ عظيم يتجاوز إدراكنا.
وازداد الشوق إلى المسالك في زمن جائحة "كوفيد19-". فمع مكوث الأميركيين في منازلهم خلال ربيع عام 2020، خوفًا على وظائفهم وصونًا لأرواحهم، تحول هذا الامتداد الجغرافي اللامتناهي في الهواء الطلق إلى ملاذ للروح؛ على أن الحكومة أغلقت منتزهات كثيرة وأمرت مشاة المسالك بالعودة إلى منازلهم (وهو أمر لم يمتثل له إلا بعضهم). ولربما يعزز الفيروس رغبة الناس المُلحّة في إيجاد مكان ملهم في حضن الطبيعة يمدّهم بالسكينة في عالم كَدَّرَ الاضطرابُ صفوَه.

بينما كنت و"البهلوانة" نتحدث بشأن حالة انخفاض حرارة الجسم يومَ كنا في رحلة المشي بولاية واشنطن، كانت سيدة اسمها "هيثر أندرسون" بصدد تحقيق رقم قياسي بإتمامها "مسلك باسيفيك كريست" في 60 يومًا فحسب؛ أي بمعدل 70 كيلومترًا في اليوم الواحد، عبر تضاريس وعرة للغاية. لم تكن أندرسون في طفولتها تحب التمارين البدنية، ولكنها يومَ سمعت بـِ "مسلك الأبالاش"، سلبَ لُبَّها. تقول: "إن فكرة وجود مسلك حقيقي يمكن تتبُّعه للمشي آلاف الكيلومترات، قد أوقدت جذوة بدواخلي. ولم أكن أعرف أي شيء عن نشاط المشي في المسالك". وأضحت أندرسون أول امرأة تقطع المسالك الطويلة الثلاثة جميعها في عام واحد: "مسلك الأبالاش" (3520 كم)، من ولاية جورجيا حتى ولاية ماين؛ و"مسلك باسيفيك كريست" (4265 كم)؛ و"مسلك خط التقسيم القاري" (4990 كم) الذي يعد أطولها ويمتد على سلسلة جبال "روكي".
إذا مشى المرءُ شمالًا في "مسلك خط التقسيم القاري" وبصق جهةَ اليسار، فقد ينتهي المطاف بجزيئات البصقة في المحيط الهادي؛ أما إن بصق جهةَ اليمين، فقد تستقر في المحيط الأطلسي. ولكنك إن شردت بأفكارك في مصير بصقتك تلك، فقد تهوى من على جرف هار. وقد تنامى عدد مشاة الذين يقطعون مسلكًا كاملًا في رحلة واحدة بلا انقطاع. ليس ثمة إحصاءات دقيقة بهذا الشأن، لكن مراقبي المسالك يُقدّرون أن قرابة 150 من المشاة أتمّوا السير في "مسلك باسيفيك كريست" سنويًا خلال تسعينيات القرن الماضي؛ وقد بلغ هذا العددُ 5000 شخص في يومنا هذا. وكذلك شأن "مسلك الأبالاش"، إذ ارتفع العدد في تلك الفترة من 1500 إلى 4000 شخص سنويًا؛ فيما ارتفع عدد الذين أتمّوا "مسلك خط التقسيم القاري" من زُهاء 10 إلى 500 شخص سنويًا. ويثير مشاة المسالك -من بدايتها إلى نهايتها- اهتمامَ الناس وغبطتهم، على أنهم لا يمثلون سوى أقل من 1 بالمئة من رواد تلك المسالك. ويتألف جلّ هذه الفئة الأخيرة من أشخاص يمشون نهارًا فقط، وآخرين يمشون في إجازة نهاية الأسبوع، وآخرين يمشون في أجزاء بعينها داخل المسالك؛ وقد باتت حشودهم جميعًا تتنامى باطّراد. لمّا شرعتُ في المشي مسافات طويلة يومَ كنت مراهقًا، كانت المسالك الثلاثة مقتصرة في أغلبها على الرجال البِيض.. أيْ مَن هم على شاكلتي. ولكن حضورَ النساء -ومِنهن أندرسون- صار اليوم قويًا في هذه المسالك. إذ اجتذب كتاب "البرية" (Wild) -الذي ألّفته سترايد- أفواجًا كبيرة من النساء الشابات الساعيات إلى إيجاد ذواتهن من خلال الزجّ بها في أحضان البرية.
تقول سترايد: "فقدتُ ستة من أظافر قدميّ خلال مسيرة دامت 94 يومًا في 'مسلك باسيفيك كريست'، ولكنني اكتسبت كل ما هو مهم في الحياة". ويعود سبب ارتفاع عدد المشاة، في جزء منه، إلى التقنية الحديثة والمُعدّات الأخف وزنا التي مهَّدت سبُل البرية وجعلت دروبها سهلة المنال. ونقرأ هذه الملاحظَةَ نفسَها في ذلك التحقيق عن "مسلك باسيفيك كريست" الذي نُشر في مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" العالمية قبل خمسين عامًا؛ إذ ينوّه في عَجب إلى أن "خيمة النايلون لم تُضِف سوى 3.5 رطل [1.5 كج]" إلى وزن حقيبة الظهر. وعلى سبيل المقارنة، فأنا اليوم أستخدم خيمة من قماش مشمَّع خفيف لا يتعدى وزنها 210 جرامات. (وأُدرك أنه سيأتي كاتب آخر في غضون 50 عامًا المقبلة للحديث بتفاخر عن خيمته المجهّزة بأكياس هيليوم تجعلها معدومة الوزن).

ولقد ساوت المسالك بيننا في أزمنة اللامساواة. صحيحٌ أن اقتناء مُعدّات المشي والطعام يحتاج إلى مال، ولكن أصحاب حقائب الظهر لا يدفعون أي رسوم لقاء ممارسة المشي في المسالك. فقد يدفع المخيمون بسياراتهم رسومًا، أما هؤلاء المشاة فليس عليهم سوى حمل فراش للأرض وحقيبة نوم، ليصبح المكانُ مكانَهم؛ ولا يمكن لأحدٍ أن يزعجهم أو يسلب حريتهم. وثمة تنوع اقتصادي في الشرائح المجتمعية بين مشاة المسالك؛ إذ تجد هناك عاملَ البناء والطبيب الجرّاح. فلا وجود لتقسيم طبقي، ولا فضل لغني على فقير؛ فالمسلك واحد، والتحدي واحد. على أن المسالك تفتقر إلى التنوع العرقي والقومي بين روادها. فعلى سبيل المثال، ثمة عدد قليل من المشاة أصحاب البشرة غير البيضاء، رغم أنه يزداد ببطء بفضل جهود منظمات غير ربحية مثل (Outdoor Afro) التي تشجع الأميركيين من أصل إفريقي على الخروج إلى البرية واقتحام مسالكها.
تعليقًا على ذلك، تقول "إلسي ووكر"، أول أميركية من أصل إفريقي تقطع المسالك الثلاثة الكبرى، إنها لطالما حُذِّرَت من وجود عنصريين بِيض متطرفين في إيداهو، ولكنها أحبّت مسيرتَها عبر هذه الولاية ضمن "مسلك خط التقسيم القاري". تقول ووكر مستذكرةً: "وجدت الناس هناك ودودين إلى حدٍ مذهل". ومن واقع تجربتها في المسالك، فكرت أن تلك الجغرافية الذهنية التي تقسم أميركا إلى ولايات حمراء مناصرة للجمهوريين، وأخرى زرقاء تناصر الديمقراطيين، لا تعرف ذلك الحس الإنساني الطيب الذي يجمع البشر ويسمو فوق أي هدف سياسي. وتستطرد المرأة قائلة: "كان هناك غرباء كُثُر فتحوا بيوتَهم لي وأكرموا وفادتي. هنالك ازداد قلبي تعلّقًا بأميركا". أما أهالي أميركا الأصليين فلا وجود لهم تقريبًا بين عشيرة مشاة المسالك، على الرغم من أنها جميعًا تمر عبر أراضي أجدادهم. "لقد سُلِبَت هذه الأراضي من أجداد السكان الأصليين"، هكذا قالت لي "أماندا ويلوك"، من "ائتلاف مسلك خط التقسيم القاري". واستطردت قائلةً: "إن كل كيلومتر هنا مِلكٌ متوارث لقبيلة واحدة على الأقل. وهذه حقيقة لا يُبرزها 'نظام المسالك الوطني' على النحو المطلوب ونادرًا ما تُؤخذ في الاعتبار عند اتخاذ القرارات الإدارية؛ ونحن في الائتلاف نحاول جاهدينَ تغيير هذا الواقع على قدر استطاعتنا".
أمـا حماة البيئة فأظن أن على عاتقهم عملٌ أكبر، لا ينتهي عند حماية المسالك البرية بل يتعداها إلى حث الناس على ارتيادها من دون إلحاق أي ضرر بها. ففي ذلك إسهام في تنويع لجماعات المشاة؛ وتشجيع لفئة الشباب التي نشأت في حضن التقنية على الخروج إلى الطبيعة؛ وإرساءٌ لدعائم كيان دائم يُعنى بالنشاطات التي تُمارَس في البرية. فنحن حقًّا بحاجة إلى إنشـاء ذلك الكيان، لأننا وبكل صراحة لم نُبلِ البلاءَ الحسن في صون مسالكنا، وتركناها تعاني في صمت. إذا نظـرنـا مـن بعيـد إلى مسـالك المشـاة بالـولايـات المتـحدة فسنُدرك أن نطاقها لم يتوقف عن التوسع، حتى وإن طُمِسَت معالمُ بعضها واندمجت في عناصر البرية. ولكنْ ما إنْ ننظر إليها من كثب حتى نرى أن حال العديد منها قد ساء كثيرًا، وأن تلك طويلة المسافة تكاد تندثر لولا جهود المتطوعين الذين يتبرعون بقرابة المليون ساعة من أوقاتهم لإزالة جذوع الأشجار المتداعية وكذلك الشجيرات والأعشاب من مسارات المسالك. لكنها جهود غير كافية. ولم يكتمل "مسلك خط التقسيم القـاري" بَعد، إذ تمتد أقسام طويلة منه بمحاذاة الطرق المعبدة؛ وينسحب الأمر ذاته عـلى المسلك الرئيس التالي الذي أعتزمُ قطعه: "مسـلك شمـال غرب الهادي"، الذي ينطلق من ولاية مونتانا مـرورًا بولايـتَي إيداهو وواشنطن وصولًا إلى المحيط الهادي. بمقدور المتطـوعين إزالة شجرة ساقطة، لكنهم لا يستطيعون إجراء دراسات مسحية للـدروب والمسارات وإنشاء المسلك.
ولعل أقبحَ وجه من أوجه الإهمال هو الفشل في صيانة قنوات صرف المياه على فترات منتظمة. فمن دونها، تحَوِّل الأمطار أي مسلك إلى مجرد جدول مائي. لمّا وصلتُ وابنتي "البهلوانة" إلى وسط ولاية أوريغون، هطلت علينا أمطار غزيرة ونحن نمشي في مسلك وعر يحاذي جدولًا مائيا، حتى إننا لم نعد ندري أنمشي في المسلك أم أننا نخوض في الجدول. فلقد تحول المسلك نفسه إلى جدول مائي. عندما تتسبب الأمطار في انجراف من ذلك القبيل، يصبح المسلك صخريًا؛ فيُضطر المشاة للسير بمحاذاته فحسب. وبذلك، سرعان ما تخدش مساراتٌ ودروب متعددة وجهَ البرية.
فيا ترى ما الذي يَحُول دون صيانة المسالك على أحسن وجه؟ وكيف تسنّى لأميركا المتقهقرة اقتصاديًا في عهد "فرانكلين روزفلت" أن تُنشئ هذه المسالك العظيمة في قلب البرية، فيما تعجز أميركا اليوم الثرية حتى عن صيانتها؟ يقول "توم فيلساك"، وزير الزراعة في عهد الرئيس "باراك أوباما"، والذي تولى الإشراف على "دائرة الغابات": "كانت موازنتنا تُنفَق في أغلبها على مكافحة الحرائق". وإذْ اعتمدت دائرة الغابات استراتيجيةً جديدة بشأن المسالك الوطنية، فإنها تجد صعوبة في إقناع "الكونغرس" بتخصيص التمويل اللازم، كما أن الحرائق الكبيرة تُنهك ما هو متاح من موارد مالية. ولكن عام 2020 حمل بشارة مفادها أن الكونغرس اعتمد "قانون البراري الأميركية العظمى"، والذي تَحصل بموجبه مشروعات الأراضي العامة على تمويلات بمليارات الدولارات. ويُعد هذا القانون من أهم التشريعات المساندة للأراضي العامة منذ عقود.

ويُسهم التغير المناخي في تنامي عدد تلك الحرائق، إذ تسبب في جعل الغابات أشد قحطًا. وبالإضافة إلى ذلك، أدى الاحترار إلى انتشار أعداد كبيرة من خنفساء "اللحاء" وسمح لها بتدمير الغابات الصنوبرية من ألاسكا إلى كولورادو. وبوسع أي شخص يمشي في "مسلك باسيفيك كريست" أو "مسلك خط التقسيم القاري" أن يرى مساحات شاسعة من الغابات التي تبدو بكرًا لم تمسسها يد بشر، إلا أنها في الواقع يابسة نافقة؛ وتلكم خسارة كبيرة أخرى تُضاف إلى خسائر التغير المناخي. وهكذا تصبح هذه الغابات النافقة حطبًا للنيران. وبالنتيجة، صارت الحرائق اليومَ حدثًا معتادًا في المسالك. لم أَشهد أي حرائق غابات يومَ كنت شابًا أمشي بحقيبتي الظهرية في المسالك، ولكنني في غضون الأعوام العشرة الأخيرة شهدت من كثب حريقين اثنين. وذات مرة، كان الدخان كثيفًا إلى حد اضطرني لارتداء قناع واقٍ وأنا أمشي.
ثمة أطراف كثيرة تُلامُ على ورطة المسالك. فأرباب التعدين والاحتطـاب وتربيـة المـاشـية يسعـون وراء الربـح المـادي من الأراضي العامة، متسببينَ بتقويض أسس البرية. ولم يُبد السَّاسة اهتمامًا كافيًا ودائمًا بحماية هذه الأراضي على النحو الذي فعله روزفلت. فيما يواصل التغير المناخي زحفه الفتاك من دون رادع. وينبغي لنا نحن مشاة المسالك أيضًا أن نرى وجوهنا في المرآة؛ فنحن كذلك مسؤولون بطريقة أو بأخرى. فلقد انشغل جلنا بإتمام مسيرته في المسالك حتى سهونا عن تشكيل جماعة ضغط قادرة على حمايتها وصونها. كما أننا تراخينا في التصدي لآثار التغير المناخي. وبدلًا من أن يتآزر المشاة ودرّاجو المناطق الجبلية لصون البرية التي يستمتعون بها، نجدهم يهدرون وقتًا ثمينًا في النزاعات والخلافات. ولا يمكننا أيضا أن نلوم غيرنا على تردي مشهد المسالك بسبب قمامة مناديل الحمّام، وخاصة قرب المخيمات. والحالُ أن مجرفة التخييم خفيفة الوزن ويجب أن تكون ضمن عُدّة كل من يشد الرحال إلى البرية، حتى يتمكن من دفن فضلاته.

لا جــدال في أن البـراري المحميـة تمثل بِحقّ الخصوصية الأميركية. ففي بلدان أخرى عديدة أيضًا، توجد ديمقراطيةٌ، وتقنية متقدمة، وأمد عمر أطول، ودخل فردي مرتفع. ولكن لن تجد بلدًا كبيرًا آخر غير الولايات المتحدة يَنعم بمثل هذه الشبكة من المسالك البرية الطويلة. من يريد فهم روسيا، عليه أن يستقل القطار العابر لسيبيريا عبر سهوب لا متناهية. ومن يبتغي مشاهدة أستراليا، يلزمه التحليق فوقها. وفي مدينة البندقية، عليه أن يركب زورق "الجندول". ولكن من يودّ "تذوّق" أميركا، عليه أن يسعى في مسالكها البرية. فهذه المسالك العظمى حكاية أميركية أصيلة. ويتجسد الولاء الذي تغرسه في أبنائها في الطريقة التي يحرص بها المتطوعون على صونها.
إن هذه المساحات البرية هي تراثنا الطبيعي الذي يحدد مكاننا ومكانتنا في العالم. وهي كما يُقال تمثل "فكرة أميركا الفضلى"، وينبغي لنا أن نكون لها نِعم الحارس الأمين، حتى يُحفَظ هذا الإرث للأجيال القادمة، وحتى يحظى أحفادنا بفرصة عيش تجاربنا في حضن الطبيعة مع البعوض والأفاعي المجلجلة، وتذوق الإحساس بالرهبة والهيبة وسحر عالمنا الطبيعي.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ