مرعب مخيف، رخو إسفنجي، معدوم الدماغ، فائق الجمال

بقلم: إليزابيث كولبريت

عدسة: ديفيد ليتشفاغر

تعيش قناديل البحر القمرية -أو الشائعة- في الخلجان الضحلة بمختلف أنحاء العالم، وهي تبدو كأنها أشباح صغيرة لا يشجِّع منظرها على الاقتراب منها.
تتّخذ أشكالها الخارجية هيئة أجراس شفَّافة توجد في حواشيها لوامس باهتة اللون؛ وكلما نبضت بالحركة، بدا الماء كما لو أنه عاد إلى الحياة من جديد. كنت في زيارة إلى "حوض السمك الوطني في بالتيمور" بولاية ماريلاند الأميركية، حيث يُدعى الزوار إلى لمس قناديل البحر القمرية، فغالباً ما يكون الخوف أولَ رد فعل لهم. لكنهم عندما يتلقوا تطمينات بأن هذه الكائنات لن تصيبهم بأي أذى، يشمِّرون أكمامهم ويمدّوا أيديهم إلى داخل الحوض.. بنوع من التردد.
سمعت أحد الصبية يصيح بأعلى صوته قائلا: "إنها رخوة إسفنجية!".
ثم صاحت إحدى الفتيات قائلة: "إنها هادئة وديعة!".
هنالك قالت لي "جيني يانسن"، الأمينة المساعدة التي تشرف على رعاية قناديل البحر في ذلك الحوض: "أرى أنها ساحرة فتّانة للغاية. ليس لها دماغ، لكنها تستطيع الحفاظ على بقائها ونمائها جيلاً بعد جيل".
إنهــا حقــاً مرعبــة مخيفـة، رخوة إسفنجية، معدومة الدماغ وساحرة فاتنة.. فضلاً عن أوصاف أخرى كثيرة. أما من الناحية التشريحية، فإن أجسام هذه الكائنات بسيطة نسبياً؛ فهي لا تفتقر إلى الدماغ فحسب، بل إلى الدم والعظام أيضاً، ولا تمتلك إلا أجهزة حسية بدائية بسيطة. وعلى الرغم مما يوحي به اسمها الإنجليزي، "Jellyfish" (السمك الهلامي)، فهي ليست سمكاً بطبيعة الحال. إنها لا تنتمي إلى أي مجموعة واحدة متجانسة.
فلا وجود لروابط وثيقة في ما بين العديد من الكائنات المصنفة ضمن مجموعة واحدة كقنديل البحر، إلا بقدر ما يرتبط فرس النهر بفرس اليابسة، على سبيل المثال. فقناديل البحر لا تشكل فروعاً متفردة من شجرة عائلة الحيوانات فحسب، بل إنها أيضاً تعيش في موائل مختلفة؛ فبعضها يعيش على سطح المحيط، فيما تغوص أنواع أخرى في الأعماق، ولا يفضِّل إلا عدد قليل منها العيش في المياه العذبة. وما يوحِّدها هو توافقها على اتباع استراتيجية ناجحة في خوض غمار الحياة من خلال أجسامها اللزجة الهلامية.

ولا عجب في ذلك؛ فبالنظر إلى تاريخ تطور قناديل البحر المتميز بالتنوع، فإنها تظهر بمجموعة من الأشكال والأحجام وأنماط السلوك التي تبعث على الإعجاب. ففي ما يخص التكاثر، تعد قناديل البحر من أكثر المخلوقات تنوعاً وبراعة على وجه الأرض. فيمكنها أن تتكاثر عن طريق التواصل الجنسي أو عن طريق التكاثر اللاجنسي، إذ تستطيع أنواع منها أن تُنشئَ نسخاً منها بالانقسام إلى قسمين، أو طرح أكياس صغيرة من الخلايا، أو إطلاق سلائل صغيرة على هيأة ندف الثلج في إطار عملية تُعرف باسم "التكاثر التشدفي" (Strobilation). أما الأمر الأكثر إثارة للدهشة فهو أن لبعض قناديل البحر القدرة على التكاثر حتى بعد نفوقها.
ومـن ذلك، نــوعٌ يُلقَّــب باســم "قنديــل البحـر الخالد" (Turritopsis dohrnii) وهو يشبه كُشتباناً (قِمْعٌ صغير يغطّي طَرَف إصبع الخيّاط ليقيه وخزَ الإبر) صغيراً ذا شعر، ويعيش في البحر المتوسط وفي المياه القريبة من سواحل اليابان. يمكن لأفراد من هذا النوع عكس عملية الشيخوخة أو التقدم في السن؛ إذ بدلا من أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، تُعيد تشكيل نفسها كحيوانات يافعة.
ثم يبدأ هذا الحيوان اليافع دورة حياة قنديل البحر من جديد. فيبدو الأمر كما لو أن ضفدعاً -على سبيل المثال- عاد إلى مرحلة الشرغوف أو أن فراشة عادت إلى مرحلة اليرقة. يُطلِق العلماء على هذه العملية الشبيهة بالمعجزة، عملية "التمايز الخلوي المحوّر" (Transdifferentiation).
وتُعرف قناديل البحر القمرية وأبناء عمومتها، مثل قنديل لبدة الأسد وقرَّاص البحر، بقناديل البحر الحقيقية. فهي تنتمي إلى طائفة الفنجانيات التابعة لشعبة اللاسعات أو اللواسع التي تضم أيضاً الشعاب المرجانية (الشعبة هي فئة تصنيفية واسعة النطاق؛ إذ يُصنَّف البشر والأسماك والثعابين والضفادع وجميع الحيوانات الأخرى التي لها عمود فقري ضمن شعبة واحدة هي الحبليات، كما هو الحال بالنسبة إلى السالبيات -أو الهلاميات البرميلية- التي تُدرَج أحياناً مع قناديل البحر). ويشبه شكل قناديل البحر الحقيقية عند بلوغها سن النضج الجنسي، شكل الأطباق المقلوبة أو المظلات المنتفخة. وتندفع في الماء عن طريق انقباض عضلات أجراسها، وتحتوي لوامسها خلايا لاسعة تطلِق أنابيب شائكة صغيرة تصيب بها الفرائس العائمة. وتعمد قناديل البحر عند سحب فرائسها في أفواهها إلى استخدام أطراف شبيهة بالشرائط الملونة تُعرف باسم "الأذرع الفموية" ويكون لهذه الأخيرة -لدى أنواع بعينها- أفواه خاصة بها.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ