الروهينغا.. أين المفر؟

بقلم: بروك لارمر

عدسة: ويليام دانيالز

"ارقصي!".. هكذا صاح الجندي، وهو يلوح بسلاحه في وجه فتاة ترتجف هلعاً. كان الجنود قد حاصروا "عفيفة" -الفتاة ذات الأربعة عشر ربيعاً- مع كثير من الفتيات والنساء داخل أحد الحقول؛ وكن جميعاً من أقلية "روهينغا" المسلمة. اجتاح الجنود قريتها الواقعة غربي ميانمار ذلك الصباح من شهر أكتوبر 2016، فيما لاذ رجال القرية وفتيانها هرباً إلى الغابات خشيةً على حياتهم.
وبعد أن تعرضت "عفيفة" إلى تفتيش ذاتي وقح، شاهدت جنوداً يقتادون امرأتين إلى حقل مزروع بشتلات الأرز، قبل أن يلتفت إليها زملاؤهم. حذرها الضابط، قائلاً: "سوف نذبحكِ إن لم ترقصي في الحال". هكذا تمايلت عفيفة بجسدها، وقد اختنقت الدموع في عينيها. انهمك الجنود في تصفيق إيقاعي، بينما أحاط الضابط خصرها بذراعه. سألها ساخراً، مع ابتسامة خاطفة:
- "أليس هكذا أفضل؟".
مثّلت تلك الواقعة التي سردتها "عفيفة"، بداية أحدث موجة عنف وحشي ضد ما يقدر بنحو 1.1 مليون شخص -يمثلون أقلية "روهينغا"- الذين جُرِّدوا من جنسيتهم، ليعيشوا بذلك حياةً قائمة على أساس غير وطيد في مقاطعة "راخين". وتعد الـ"روهينغا" واحدة من أشد الأقليات تعرضاً للاضطهاد في العالم؛ إذ تدين بالإسلام في دولة يهيمن عليها البوذيون، رغم أن الروهنغيين يعدون أنفسهم من السكان الأصليين، وأن كثيراً منهم ينحدر من نسل مستوطنين دخلوا البلاد في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. في عام 1982، جردتهم حكومة ميانمار العسكرية من جنسيتهم، وحرمتهم الانتماء إلى وطنهم؛ وصاروا اليوم بمنزلة مهاجرين غير شرعيين في ميانمار، وكذلك في بنغلادش المجاورة التي التجأ إليها كثيرون.
منذ خمس سنوات، اندلعت اشتباكات بين الطائفتين البوذية والمسلمة خلفت وراءها مئات القتلى، معظمهم من الـ"روهينغا"، ما اضطر قرابة 120 ألف روهينغي إلى الهرب والعيش في مخيمات داخل ميانمار، بعد أن أُحرقت قراهم ومساجدهم. وخلال جولة العنف هذه، شن جيش ميانمار حملة إرهاب وترويع استمرت أربعة أشهر، اشتملت في ما اشتملت عمليات إعدام واحتجاز جماعي وتجريف قرى واغتصاب ممنهج، وفقاً لتقارير منظمة "الأمم المتحدة" ومنظمات حقوق الإنسان. ونجم عن تلك الحملة العسكرية -التي نُفذت في أعقاب هجوم على مراكز حدودية قاده مسلحون يشتبه فى انتمائهم إلى الـ"روهينغا" وأدى إلى مصرع تسعة شرطيين- نزوح حوالى 74 ألف روهينغي إلى مخيمات اللاجئين المزدحمة عبر الحدود في بنغلادش.
لم يغادر الجنود قرية عفيفة إلا بعد أن نهبوا المنازل، وأضرموا النار في حقول الأرز الجاهزة للحصاد، وسرقوا أو أطلقوا النار على جميع ما في القرية من ماشية وماعز. وقال لي "محمد إسلام" -والد عفيفة- في مارس الماضي، بعدما استقر برفقة خمسة فقط من أفراد عائلته البالغ عددها 11 فرداً في مخيم للاجئين ببنغلادش: "لم نرغب في الرحيل عن منازلنا، لكن الجيش وضع هدفاً واحداً نصب عينيه: التخلص من كل الروهينغا".
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ