المرأة التي صنعت العراق

بقلم: كارولاين أليكساندر

عندما عزمت بريطانيا على إنشاء دولة من قبائل صحراوية منقسمة، توجهت نحو غيرترود بيل؛ المستكشفة والعالمة والجاسوسة.
"الأحد 21 ديسمبر 1913
لاح في الأفق أمامنا دخانٌ ومجموعة من الأشخاص... لا شك أنهم من عرب الجبل. وبعد نصف ساعة، تقدم نحونا رجل على صهوة جواده وقد استشاط غضباً. كان يطلق النار وهو في طريقه إلينا، فاستلّ رجل آخر سيفه وراح يلوّح به صوبي وصوبه".
غادرت دمشق في يوم 16 ديسمبر 1913 نحو البادية السورية، في اتجاه الجنوب الشرقي عبر امتدادات شمال الجزيرة العربية غير المُضمَّنة في أي خرائط. كانت وِجهتهم حائل، المستوطنة الصحراوية الأسطورية التي لم يحظ برؤيتها سوى قلة قليلة من الأوروبيين، ومعقل إحدى العشيرتين القويتين اللتان تتنافسان للسيطرة على شبه الجزيرة العربية. والآن، ها هي ذي امرأة بريطانية، تدعى غيرترود بيل، تقود حملتها الاستكشافية إلى هذا الصقع النائي.
في المساء، جلست بيل وأعضاء فريقها حول نار المخيم لتسمع منهم قصص الصحراء، والتي غذّت بها يومياتها ورسائلها المستفيضة التي كتبتها طيلة أسفارها في الشرقين الأدنى والأوسط. لم تكن تلك اليوميات والرسائل تحوي فقط ملاحظات تقليدية عن التضاريس والناس والمغامرات الشخصية، بل كانت تشكل أيضا سجلاً دقيقاً لتحركات أهل الصحراء، وولاءاتهم وعداواتهم، وكذلك شكاوى ومؤامرات، وتنقُّل النفوذ بين القبائل والشيوخ الأقوياء.
كتبت بيل في مقدمة جزء خاص من اليومية: "يتردد حديث حول إرسال الحكومة العثمانية هدية من الأسلحة إلى ابن رشيد".
سنوات بعد ذلك، سيكون من الممكن التأكد عبر سجلات الحكومة البريطانية من أن الآنسة بيل "كانت عملت، عدة سنوات... لمصلحة قسم الاستخبارات التابع للبحرية". ويبدو أن الآنسة بيل الشجاعة لم تكن مجرد رحالة مرموقة وكاتبة وخبيرة في اللغة العربية ومصورة وعالمة آثار لكنها كانت إلى جانب ذلك تتمتع بموهبة فذة في جمع المعلومات – أو يمكننا القول، جاسوسة.
كانت بيل، الصديقة المقربة من لورانس العرب ومستشارة ملوك الصحراء، تمتلك شبكة من العلاقات تمتد من مخيمات البدو إلى قاعات صنع القرار الداخلية في بريطانيا. وفي المحصلة، استطاعت بيل توظيف موهبتها الهائلة المتمثلة في معرفتها الشخصية المتميزة بأهل الصحراء، باتجاه هدف واحد محدد: لعب دور مركزي في المشروع الذي يتردد صدى نتائجه إلى اليوم وهو إنشاء دولة عصرية تسمى العراق.

التتمة في النسخة الورقية
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا