وجـوهُ الزمـن الجمـيل

بقلم: محمد طاهر

عدسة: Jeff Topping in People of Ras Al Khaimah

بمزيجها التضاريسي الفريد من الجبال والشواطئ والمزارع والصحاري، ترسم إمارة رأس الخيمة حدود مساحتها الصغيرة فوق خريطة دولة الإمارات العربية المتحدة إلى جانب شقيقاتها الست؛ 1684 كيلومتراً مربعاً يعيش بين مناكبها زهاء 300 ألف نسمة من كل جنس ولون ومشرب. ومن بين هؤلاء، ثمة فئة قليلة نَبَتَتْ في ثنايا تجاعيد جلودها أغصانُ قصص كفاح طوتها سنوات العمر البعيدة؛ عمال وعاملات، إماراتيون ووافدون، يطيب لهم حديث الذكريات عن رحلة شاقة -وجميلة- نَحَتَت فوق صخرة جبينهم خطوط تعب قبل عقود من الآن. إنهم مثالٌ وعيّنةٌ لرعيل "جيل التأسيس" في الإمارات، الذي سَلَّم راية المسيرة إلى "جيل التمكين".
قَدِمت "آنّا زكريا" مع والدتها إلى رأس الخيمة من مدينة صغيرة تغفو وسط غابات كندا المطرية لما كانت بعدُ طفلة، حيث أمضت سنوات مراهقتها وسط جيرة "ذات علاقات دافئة ومتلاحمة" حسبما تقول. كان من المقرر أن تبقى آنا رفقة والدتها سنتين أو ثلاث على الأكثر، "لكن تيار التعلُّق بهذه الأرض وساكنيها جرفني بقوة، فبقيتُ ههنا حتى يومي هذا".
ظلَّت شِفرة العلاقة الدافئة التي تربط كل من سكن رأس الخيمة بأرضها وشعبها لغزاً يحيِّر آنا، إلى أن التقت ذات يوم مصوراً أميركياً من أريزونا يدعى "جيف توبينغ". لاقت حيرة آنا صدى في نفس جيف؛ الرجل الذي أمضى 20 عاماً في رأس الخيمة من دون أن يشعر يوماً بالغربة، "بل كنت كمن يعيش وسط عائلته الثانية" حسب قوله. وهكذا، قرر الاثنان تقصي جذور العلاقات الإنسانية الحميمة المتجذرة في نفوس سكان رأس الخيمة، فأطلقا مشروعاً يوثق حيوات كبار السن من سكان هذه الإمارة، ممن عاصروا مرحلة زمنية بدأت تتوارى خلف حُجُب النسيان والتطور العمراني والبشري. وكانت الباكورة كتاباً توثيقياً صدر في يونيو الماضي حمل عنوان "شعب رأس الخيمة". توجِزُ آنا هدف الكتاب قائلة: "أردنا توثيق تراث رأس الخيمة الإنساني غير المادي بالصورة والكلمة، قبل أن يطويه النسيان".

وثّقت آنا وجيف شهادات وصور أزيد من50 شخصاً على امتداد ثلاث سنوات كاملة؛ نصفهم من الإماراتيين والبقية من 16 جنسية مختلفة؛ بعضهم من الحضر والرجال والآخرون من القرى والنساء. واجه صاحبا المشروع خلال مسيرتهما تحديات جمّة، أهمها عدم امتلاك الوقت الكافي ونقص التمويل اللازم. "أما عقدة العقد على الإطلاق فكانت التقاط صور شخصية خاصة بالنساء"، حسب جيف الذي صمّم منذ البداية على ضرورة إبراز موقع المرأة قديماً في المجتمع ودورها الرائد في نهضته. لكن كان للعادات والتقاليد الاجتماعية المحلية رأي مغايرٌ لإرادة المصور المخضرم.
يستفيض جيف في حديثه حول عقدته الأبرز فيقول: "واجهنا كثيراً من الصدّ والمنع في بداية الأمر. إذ كانت النسوة اللاتي تقابلهن آنا، ترفضن رفضاً قاطعاً الوقوف أمام الكاميرا. وفي إحدى المرات أجرت آنا مقابلة مع سيدة في منطقة الجير بعدما أبدت استعدادها للوقوف أمام العدسة. لكن السيدة تراجعت في اللحظة الأخيرة عن قرارها، ورفضت أن التقط لها أي صورة".
أُصيب جيف بالإحباط. علّق كاميرته فوق كتفه وهبط على الطريق غير المعبدة المُفضية إلى منزل السيدة سيراً على قدميه. كانت نفسه تحدثه بأن مشروعه المصور لن يرى النور، بعد سلسلة الرفض النسائية المتتالية. بُعيد دقائق من مسيره، مرّ جيف أمام ثلاث سيدات مسنات جالسات على مقعد إسمنتي ملتصق بحائط أحد المنازل. "كان منظرهن رائعاً بأثوابهن الملونة المزركشة. كُنَّ يُلوحن بأيديهن بكل حب وأريحية إلى كل من يلقي عليهن السلام من سائقي المركبات والمارة، فيما تتقافز ثُلةٌ من الأطفال في الشارع من حولهن"، يقول جيف، الذي فوجئ بهن يبتسمن في وجهه، ويُعدِّلن من ثيابهن وجلستهن، وكأنهن يتجهزن لجلسة تصوير. لم يتردد المصور في توجيه عدسته نحو "الصديقات الثلاث" كما أسماهن في ما بعد: عائشة وفاطمة ومريم. يختتم جيف روايته قائلاً: "لقد فتحت صورة الصديقات الثلاث لي أبواب تصوير النساء الأخريات. إذ كنت كلما تمنَّعت سيدة عن التقاط صورة شخصية لها، أُشهر صورة الصديقات الثلاث على الفور، فتنفرجُ أساريرها وتتحمس وتسمح لي بتصويرها. لقد أثَّر موقفهن في نفسي أيّما تأثير. كنّ سبب نجاح مشروعي، لذا اتخذتُ صورتهن غلافاً لكتابي. صحيح أنني لم أفقهُ ما كنّ يقلنه لي بلهجتهن المحلية خلال تصويرهن، لكن رحابتهن وطيبتهن أوصلت مشاعرهن الصادقة إلى قلبي"

 

 
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ