إرادة التغيير الألمانية

بقلم: بقلم: روبرت كونزيغ

عدسة: عدسة: لوكا لوكاتيلي

كان قادة مدينة هامبورغ يعلمون أن قنابل قوات الحلفاء آتية، لذلك أرغم أسرى الحرب وسجناء الأشغال الشاقة على بناء البرج المحصَّن الضخم المضاد للصواريخ في ظرف ستة أشهر. فانتهت أشغال بنائه في بداية شهر يوليو من عام 1943. كان البرج الذي شُيّد على شكل مكعّب من الخرسانة المسلحة معدوم النوافذ ومُحاطاً بأسوار يصل سمكها إلى مترين، وله سقف أكثر سمكاً من ذلك ينتصب شاهقاً كأنه قصر من قصور العصور الوسطى فوق إحدى الحدائق بالقرب من "نهر إلبه". وكان النازيون يتوعدون بكون المدافع المطلة من الأبراج الصغيرة الأربعة لهذا المبنى المحصَّن ستُسقط قاذفات القنابل التابعة للحلفاء من السماء، في حين كان عشرات الآلاف من المواطنين الألمان يلجؤون إلى المبنى طلباً للأمان خلف أسواره المنيعة.
وبعد أسابيع على اكتمال البرج المحصّن، راحت قاذفات القنابل البريطانية تحلّق ليلا في سماء هامبورغ، آتيةً من بحر الشمال ومتّجهةً صوب أعلى "كنيسة القديس نيقولا" في وسط المدينة. ثم ألقت قوات التحالف سحباً من شرائط الرقاقات المعدنية لتمويه الرادارات الألمانية ورماة المدفعية المضادة للطائرات. كما استهدفت الأحياء السكنية المأهولة بالمدنيين حيث أشعلت عاصفة من النيران المضطرمة، التي دمّرت نصف مساحة هامبورغ وقتلت أكثر من 34 ألف شخص. وقد تسببت أعمدة النيران المتعالية بإحداث رياح عاتيـة حارقـة كـانت تلـوّح بالأهالي في لهيبها وترجّ أجراس الكنيسة رجاً.
واليوم تقف قبة كنيسة القديس نيقولا، التي نجت بطريقة أو بأخرى من آثار القصف، شاهداً يذكّر ألمانيا بالأهوال التي أتى بها النازيون. أما البرج المحصّن فقد غدا نصباً تذكارياً هو الآخر.. لكن بدلالة جديدة؛ فلقد تحول من عنصر يذكِّر بماضي ألمانيا المخجل إلى أداة تجسِّد نظرة مفعمة بالآمال الواعدة لهذا البلد.
موضوعات ذات صلة
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا