دروب إيطاليا السرمدية

قلم: أليكسيس ماري أدامز

عدسة: جوسيبي نوتشي

يظل الترحال الموسمي في "بوليا" تقليدًا مجتمعيًا راسخًا.. وكذلك الحال في مناطق رعوية أخرى بالعالم.

في شهر يونيو من كل عام، يُجَمّع "نونتسيو مارسيللي" قطيعه المؤلف من 1300 رأس من الغنم، ليغادر به منزلَه القريب من قرية "أنفيرسا ديلي أبروزي" القابعة عند جبال "أبينيني" بوسط إيطاليا. وخلال مسيرة نحو 50 كيلومترًا تستغرق ثلاثة أيام، يَسوق "مارسيللي" (65 عامًا) ورعاتُه القطيعَ إلى مروج في قمم التلال التي تؤوي سفوحُها المزرعةَ الخاصة بعائلته. يرافقهم في هذه الرحلة بضعة ضيوف أثار فضولَهم أسلوبُ الحياة التقليدي لهذه المنطقة.
ويَتّبع الدربُ الصاعد من المزرعة إلى تلك المراعي الصيفية مسلكًا (أو "تراتورو" كما يقول الإيطاليون) نحتته وغيرَه أقدامُ الترحال على هذه الأرض منذ ما يزيد على 2300 عام. بعد جولة صاخبة عبر أزقة أنفيرسا المرصوفة بالحصى، تتدافع الأغنام ومن خلفها رعاتها في درب صاعد. ثم تتخذ هذه القافلة الصغيرة طريقها صعودًا في المرتفعات وسط بحار من الزهور البرية وغابات الزان والصنوبر العتيقة، وبين قرى بيوتها من حجر؛ ومنها قرية "كاستروفالفا" التي تبدو خارج نطاق عصرنا بسكانها الذين لا يتجاوز عددهم 12 نسمة، وتبدو للناظر أنها تتشبث بالجبل الذي يعانق السماء. في ظهيرة اليوم الثالث، تصل القافلة إلى أوج وجهتها لدى هضبة ترتفع ألفي متر أسفل قمة جبل "غريكو" المكسوة بالثلوج حتى في شهر يونيو.
ومع أن الهضبة لا تبعد سوى 150 كيلومترًا عن روما، إلا أنها تبدو مثل بقعةٍ غَفل عنها البشر من زمن سحيق. ههنا يحوم النحل وسط أزهار الزعتر والبردقوش البرية. وتحلق العقبان الذهبية والصقور بأجنحتها التي تلتمع تحت الشمس في سماء "أبينيني" الزرقاء الصافية. وتنمو مئات الأنواع من الأعشاب والزهور البرية بوفرة مذهلة. نحن هنا في منطقة غير مشمولة بشبكة الهاتف النقال.. مكان لا يرغب المرء في مفارقته أبدا.
لكن ينبغي لمارسيللي أن يعود إلى المزرعة، التي يتولى فيها كذلك تدبير شؤون الزوار السائحين الذين يستأجرون في بيتها غرفَ ضيافة، بوصفها "مزرعة سياحية". بعد مأدبة غداء من أطباق إيطالية تقليدية، مثل "بانكوتو" (حساء لحم الضأن بقطع خبز وخضراوات)، يعودون جميعًا في عربة صغيرة إلى أنفيرسا.
يعودون جميعهم ما عدا الأغنام، التي ستبقى هنا في أرض عامة يستأجرها مارسيللي من بلدية منطقة "سكانو" بالقرب من حدود "منتزه أبروزو ولازيو وموليسي الوطني"، خلال أشهر الصيف وحتى الخريف، لتتغذى على عشب المروج الوفير. وكذلك يبقى الرعاة مع كلاب الرعي لمراقبة القطيع وحمايته ضد الذئاب والدببة والحيوانات المفترسة الأخرى. ومع حلول شهر نوفمبر، يُعاود مارسيللي ورعاته الترحال إلى أعلى الهضبة، ومعهم بعض زوار المزرعة الذين لا يمانعون خوض الرحلة في برد الخريف، للعودة بقطيع الماشية. وهكذا يتكرر هذا التقليد في كل عام.
في الحادي عشر من ديسمبر 2019، أقرت منظمة "اليونسكو" هذا الترحال الذي يتكرر مرتين سنويا بوصفه مكونا حيويا في الثقافة الإنسانية. ويسمى هذا التقليد في لغتنا العربية، "الانتجـاع" أو الترحال الرعوي، أي التنقل الموسمي للرعاة وماشيتهم مـن مناطق الرعي الصيفية والشتوية ذهابًا وإيابًا ضمن موروث تقليدي بدأ منذ آلاف السنين وحافظت عليه كل المجتمعات الرعوية في قارات العالم.
وقـد ارتأت "اليونسكو" أن تدرج ذلك النشاط العملي النفعي، الذي فرضته الضرورة والحاجة، ضمن قائمة تراث الإنسانية الثقافي غير المادي، أسوة بالأناشيد البيزنطية وموسيقى "الريغي" الجامايكيـة ورقصـة "التـانغـو" الأرجنـتيـنيـة. وقد كـانت حـجة ممثلين لدول إيطاليا واليونان والنمسا في طلبهم الذي قدموه في مارس 2018 لإدراج هذا الانتجاع في قائمة "اليونسكو"، هي أنه "أكثر من مجرد مهنة لمن يمارسونه؛ بل هو أسلوب حياة".

يُعد الماعز والأغنام أولى الحيوانات التي تمكن الإنسان من تدجينها في قطعان الماشية، وذلك منذ نحو عشرة آلاف عام. وهناك من الأدلة ما يؤكد على أن الانتجاع بدأ منذ ذلك العهد السحيق. فقد شهد "وادي هولايلان" لدى جبال "زاغروس" الإيرانية أول مستوطنات للرعاة المنتجعين في عام 7050 قبل الميلاد، وفق تقديرات التحليل بالكربون المشع لآثار اكتُشفت عام 1963. وكشفت أحافير أخرى في "وادي أود" بجنوب فرنسا عن أدلة على بدايات حركة رعي الماعز والأغنام بالمنطقة في عام 4500 قبل الميلاد، على وجه التقريب.
ينشط الانتجاع في حركات ارتحال من الشمال إلى الجنوب -والعكس صحيح- بمختلف أرجاء العالم، ويشمل جميع أنواع الماشية. على سبيل المثال، تُرعى في "مرتفعات تيغراي" في إثيوبيا الأبقار والأغنام والماعز؛ وفي بوتان ونيبال، ثيران الياك الياك وجواميس الماء والأبقار؛ وأما الترحال بقطعان الخنازير فقد ظل سمة من سمات الحياة الرعوية في البوسنة. وما يزال الانتجاع نشاطا قائما لدى بعض مربي الماشية في الغرب الأميركي. فهناك دروب لترحال الماشية لا تزال مطروقة في "مساق غرين ريفر" بولاية وايومنغ منذ أكثر من قرن، حتى إنها مدرجة في "السجل الوطني الأميركي للأماكن التاريخية". مع حلول كل فصل ربيع، يسوق رعاة البقر قطعانهم على طول "المساق" من المراعي الصحراوية في غرب وايومنغ إلى تلك الصيفية في أعالي "غابة بريدجر تايتون الوطنية"، ضمن رحلة تمتد قرابة مئة كيلومتر وتدوم ثلاثة أسابيع. وفي جنوب اليونان، حيث أعيش وعائلتي على مدى فترات متقطعة منذ منتصف السبعينيات، كان هذا التنقل الرعوي متأصلًا بقوة في نمط عيش السكان إلى حد أنهم -وحتى أواخر التسعينيات- كانوا يصطحبون معهم قِسًا ومُدرّسًا.
ذات مرة، مشيت أنا وأصدقاء في أحد مسالك المنتجعين في منطقتنا (ونسمي الواحد منها "مونوباثيا")، انطلاقًا من بلدة "كيباريسي" الساحلية، ووصولًا إلى مستوطنة صيفية منعزلة لدى الجبال. وصلنا إلى قرية "بابالا" بعد مسيرة شاقة دامت أربع ساعات؛ حيث كانت أكواخ الرعاة البدائية الصيفية المبنية من الحجارة، متناثرة عبر مرج صخري انتصبت في بعض أرجـائه جـدران حجريـة كانت تحتـضن في الأزمـنة القديمة حدائق ومزارع عنـب. ووفـرت بابالا على مر قـرون، مستقَرًّا صيفيًا للعشرات من عائلات الرعاة من كيباريسي، أما اليوم فثمة عائلة واحدة فقط تمارس الانتجاع. كان لرحلتنا إلى هناك سبب آخر؛ فقد سمعنا أنهم يصنعون "تولوموتيري"، وهو جبن يُعتَّق داخل قربة من جلد الماعز النظيف المملح. وكنت قد بحثت عن تولوموتيري الأصلي مدة عامين (إذ إن جل الجبّانين يعتّقونه في البراميل)، حتى وجدته أخيرا هناك في بابالا، في منزل "ديميتريس هيوتيس" وزوجته "يانولا". حكى لنا ديميتريس عن العفن الأزرق الذي يتشكل بين الجبن وجلد الماعز، والذي يعجنه ويمزجه في الجبن. وأخرجت لنا يانولا قطعة ووضعتها في صحن مشترك. أكلناه مع قطع خبز محمصة على نار وقودها من خشب. كان لذيذا بمذاق لاذع لا يخلو من حرارة الفلفل؛ هذا هو مذاق تولوموتيري الأصلي الذي عرفته في طفولتي.. إنه تولوموتيري الرعاة المنتجعين.

وتعد صناعة الجبن التقليدي من أبرز السمات لدى من يمارسون الانتجاع حول العالم. في نيبال، يستفيد الرعاة من حليب الياك في إنتاج جبن يسمونه "تشوربي"، بالإضافة إلى صنع الزبدة والسمن. وفي مقدونيا الغربية، ينتَج جبن "كاشكافال" صيـفًا فقط، إذ ترعى الأغنام في مساحات على ارتفاع 1000 و 1500 مترًا فوق مستوى سطح البحر. ويُصنع جبن "إديازابال" الإسباني الأصلي لدى رعاة منطقتي الباسك ونافارا؛ وما نكهته الدخانية إلا نتاج لتعتيقه قرب مواقد أكواخ الرعاة الحجرية. وفي كل تلك النماذج، يعوّل صانعو الجبن على توفر المراعي البرية لحيواناتهم، لأن تنوع الأعلاف يضفي على حليبها نكهات خاصة، تثري بدورها نكهات الجبن. وفي جبال الألب، يسمون هذا الحليب "هيميلش" (وهي كلمة ألمانية تعني، حليب القش) وهو الذي يمنح المذاق المميز لأجبان جبال الألب؛ مثل "سورا كيس" و"غراوكاس" و"ألبنكونيغ". وعلى بعد نحو 120 كيلومترًا جنوب شرق مزرعة عائلة مارسيللي، تعيش "كارميلينا كولانتونو"، التي تنتمي إلى الجيل الرابع من صانعي الجبن والألبان في المنطقة، وهي ما تزال تمارس الانتجاع، ولكن على صهوة جواد، إذ ترعى قطيع العائلة الذي يتألف من 300 رأس من أبقار "بودوليكا"، مسافة 180 كيلومترا من مراعي الشتاء وإليها. وجبن كاتشوكافالو الذي تصنعه كولانتونو مشهور وحاصل على جوائز، وتقدمه شتى المطاعم، من روما إلى مانهاتن، وهو مميز بعبق الأعشاب والنباتات البرية من بوليا وموليزي.
وكان للانتجاع، حيثما وُجد، دور في تشكيل المشهد العمراني. فعلى مر آلاف السنين، أقيمت أضرحة وكنائس ونُزل و-في نهاية المطاف- قرى على جوانب تلك الدروب والمسالك. وفي منطقة "موليسي"، نشأت بلدة "سايبينوم" العريقة على امتداد أحد أهم دروب المنتجعين في إيطاليا. ويُقال إن المدينة قد سميت بهذا الاسم المشتق من الفعل اللاتيني "saepire" (سيَّجَ)، لكثرة ما بها من حظائر الأغنام المسورة. وعلى أحد أبواب البلدة، يوجد نقش يعود تاريخه إلى عام 168 للميلاد، يَحظر على سكان البلدة إيذاء الرعاة الذين يمرون عبر درب الترحال. أما في اليونان، فقد كانت تلك الدروب حلقة الوصل الوحيدة بين القرى المنعزلة في قلب الجبل وعند الساحل؛ وعلى جانبيها ازدهرت التجارة ونشأت قصص الحب الرومانسية. ففي "فوسكينا"، وهي قرية رعاة تقع شمال بابالا، حكت لي صديقة تعمل في صناعة الجبن التقليدي قصة زواجها منذ قرابة الستين عامًا بشاب يعيش في قرية ساحلية تبعد مسيرة يوم عن منزل عائلتها. وقد رتب والدها للزيجة، بعد أن قطع رحلات عدة في مسالك المنتجعين بحثًا عن الزوج المناسب لابنته. وأخبرتني أن ذلك المسعى كان شائعًا في ذلك الزمن. والرعاة المرتحلون