انبعاث الشهباء

بقلم: كايلاين هوغان

عدسة: سيباستيان ليسته

نفذت عند المغيب أشعةُ شمس وردية عبر ستار بلاستيكي شفاف يغطي ثقباً واسعا في الجدار بالطابق الثالث من بناية متهاوية. جلست "أميرة غرمان" -البالغة من العمر 60 عاما- على مقعد متأرجح تحت ظلة صفراء ذات حواف ذهبية، مرتديةً سترة صوفية زرقاء فاتحة. أضاء مصباحٌ وحيد في ثريا مكسورة الغرفةَ الصغيرةَ بإنارة خافتة مرتجفة. نظرتْ عبر تلك النافذة المؤقتة إلى "مدرسة اليرموك" في الجهة المقابلة من الشارع وقد امتلأت ساحتها بأغلفة الرصاص ومدفع مرتجَل الصنع.
كانت عائلة غرمان تعيش في الطابق العلوي الذي أضحى اليوم متاهة من الجدران المتهاوية والحطام. تقول: "أريد أن أكون في بيتي". وقد اتخذوا اليوم ملاذاً بواحدة من الغرفتين الوحيدتين الآهلتين في البناية. أعادت المحلات التجارية في شارعهم فتح أبوابها وسط الحطام، وكان الناس يمرون على عَجل وأعينهم تنظر إلى الأرض. يستمر القتال في أماكن أخرى، فيما تستعيد حلب استقرارها.. وإن كان استقراراً هشاً. ولاحت في الأفق مَهمة جسيمة تتمثل في إعادة إعمار المدينة.
وكان الجيشُ السوري قد طوَّقَ الحيَّ -المسمّى "الكلاسة"- حيث تقطن العائلة في الشطر الشرقي المدمَّر من حلب، بعد شهور من الحصار من أجل استرداد المدينة من أيدي المتمردين ومعارضي نظام الرئيس بشار الأسد. كانت حلب في ما مضى أكبر حواضر سورية بساكنة ناهزت الأربعة ملايين نسمة، فَرَّ منهم مئات الآلاف. وهرب أزيد من هذا العدد من أرجاء سورية إبّان الحرب الضروس طيلة سبعة أعوام. ولقي أزيد من 400 ألف شخص حتفهم، واتهمت منظمة "الأمم المتحدة" قوات الأسد باستعمال الأسلحة الكيميائية لقتل أعداد كبيرة من الناس في مدن كثيرة.
لاذت غرمان وعائلتها بالفرار إلى الريف منذ نحو ثلاثة أعوام (في عام 2015). قال زوجها صالح: "سلبتنا الجماعات المسلحة ممتلكاتنا"، في إشارة إلى المقاتلين المعارضين للنظام، والذين كان عددٌ منهم جيرانَه في ما مضى. وقد زُجَّ بصالح في السجن عاماً كاملاً بعدما عثرت قوات المعارضة على صورة الرئيس السابق، حافظ الأسد، في بيت عائلته. استرجع الجيش أجزاء من المدينة في شهر ديسمبر 2016. وبعد عام، عاد إليها نحو 300 ألف من السكان. ويتوجَّب على كثير من الرجال العائدين أداء الخدمة العسكرية.

بعد ظهيرة يوم جمعة في "ساحة سعد الله الجابري"، رُحتُ أشاهد عائلات تتناول حلوى غزل البنات وتحتشد لدى حروف ملوّنة عملاقة تؤلف جُملة "I ♥ ALEPPO" (أحبُّ حلب)، نُصبَت في عام 2017 احتفاءً باليوم العالمي للسياحة. كان الزوار في ما مضى يأتون إلى هذا المكان من كل بقاع العالم. حَمَلت لافتةٌ ممزقة على بناية مدمرة عبارة "حلب مدينتك، وتحتاج إليك للدفاع عنها". عادت الحياة إلى هذه الساحة بعدما هُجرت أثناء الحرب. تجاذب أشخاص أطراف الحديث عن كرة القدم، وقد جاؤوا من دمشق لدراسة الهندسة المعمارية، وكانوا يجوبون أرجاء حلب، حاملينَ معهم خرائط إذ يخططون لإعادة إعمار هذه المدينة. التقطت "ريان اللولو" -البالغة من العمر 18 عاماً- صوراً مع والدتها التي سافرت على متن الحافلة عشر ساعات من بيتهم في محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة؛ وهي الرحلة التي كانت تستغرق في ما مضى 45 دقيقة.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ