مُدن تحت غزو الجرذان

بقلم: إيما ماريس

عدسة: شارلي هاميلتون جيمس

حيثما وُجد الناس، فثمة جرذان.. تعيش وتنتعش من حاويات قمامتنا.

الجرذان ظلالنــــا. نحــن نعيــش عـــــلى سطــح المدينة؛ وهي تعيش تحتها عموما. نحن في العادة نعمل نهارًا؛ وهي تعمل ليلا في الغالب. لكن في جل الأمكنة حيث يعيش الناس، تعيش الجرذان أيضا.
في مدينة سياتل الأميركية -حيث ترعرعتُ- تبرَع الجرذان في تسلق أنابيب الصرف الصحي.. من الداخل. والآن في مكان ما بمسقط رأسي، يُطل جرذ "نرويجي" طويل ومبلل بِأنفه المرتعش الزهري فوق سطح الماء بحوض مرحاض. لدى سياتل أيضا نوع آخر، هو جرذ "الأسقف" -أو الجرذ المتسلق- والذي يعشش في الأشجار ويعدو برشاقة على طول خطوط الهاتف. يُعتقد أن الجرذان من هذا النوع الأخير تحديدًا كانت تنقل وباء الطاعون في العصور الوسطى.
وفقًا لأحد الخبراء فإن أعداد الجرذان في المناطق الحضرية، من مدينة سياتل إلى مدينة بوينس آيرس الأرجنتينية، تشهد ارتفاعا بيّنا تراوحَ ما بين 15 و 20 بالمئة في العقد الماضي. وإذ تتناقص أعداد حيوانات ذات شخصية جذابة -مثل الفيلة والدببة القطبية والأسود- فإن أعداد الجرذان في مدننا تبقى مرتفعة وخارج السيطرة، على الرغم من الجهود الجبارة بهذا الشأن.
ومن بين جميع الحيوانات التي تعرف ازدهارًا في أعدادها بعالمنا الحالي -كالحمام والفئران والعصافير والعناكب- فإن لنا شعورا خاصا وأقوى تجاه الجرذان. إذ شاع وصمها بالقذارة والخداع، ويُنظَر إليها بوصفها علامة على تردي حال الحواضر، وناقلة للأوبئة. فالجرذان هي أكثر مخلوقات المدن بعثا لمشاعر الخوف والاشمئزاز في نفوس الناس. فالناس تكره الجرذان.
لكن، هل تستحق هذه الوحوش الصغيرة كل هذه النعوت القدحية حقًا؟ إن بعضا من أكره الأشياء لدينا عن الجرذان -قذارتها وخصوبتها وعنادها وقدرتها الهائلة على البقاء- هي صفات يمكن أن تنطبق علينا كذلك. فقذارتها، مثلا، من قذارتنا حقًا؛ ففي جل الأماكن، تعتاش الجرذان من نفاياتنا ومن بقايا الطعام التي تُرمى بلا مبالاة.

وتعليقًا على ذلك، يقول "بوبي كوريغان"، عالم القوارض من نيويورك: "إننا نحن البشر.. نحن الذين لا نحافظ على نظافة أماكن عيشنا".

كوريغان خبير رائد في شأن جرذان المدن، وقد بدأ يدرس هذه الحيوانات منذ عام 1981، ويعمل مستشارا لدى المدن والشركات التي تعاني مشاكل الجرذان في شتى أنحاء العالم. كان هو من أخبرني بالمعدل الصارخ والمقلق لظهور الجرذان في مراحيض سياتل.
التقيتُ كوريغان في يوم دافئ من شهر أبريل لدى منتزه في مانهاتن السفلى، إحدى عواصم الجرذان في العالم. كان يعتمر قبعة صلبة وصدرية برتقالية اللون ويحمل في يده لوح كتابة؛ وهي عُدّة "رسمية" أتاحت لنا ولوج أحواض الزهور وأنفاق المترو من دون متاعب. كوريغان رجل قصير القامة ذو إصرار وعزيمة. تربى في عائلة أيرلندية كثيرة الأفراد تعتنق المذهب الكاثوليكي وتعيش في جزيرة "لونغ آيلند" بولاية نيويورك. يتحدث لكنة كتلك التي يتحدث بها أهالي نيويورك في الأفلام السينمائية.
يحلو لأهل نيويورك أن يتناقلوا في ما بينهم أحاديثَ عن مشاهداتهم لجرذان كبيرة تماثل الكلاب حجمًا. لكن أكبر جرذ سمع به كوريغان كان مخلوقا يزن 816 جرامًا ويتحدر نسله من العراق. وما زال العرض الذي تعهد به الرجلُ قائمًا: 500 دولار لمن يستطيع الإتيان بجرذ وزنه كيلوجرام واحد. لكنه شبه متأكد من أنه لن يُضطر لدفع هذا المبلغ أصلا.
الجرذ المهيمن في مدينة نيويورك هو "الجرذ النرويجي" (Rattus norvegicus) المعروف أيضا باسم "الجرذ البني". هذا الجرذ من الحيوانات التي تحفر جحورا، ويتميز بجمجمة مرنة إذ يمكن أن يتسلل إلى داخل أي مكان أعرضَ من جمجمته (كالأنبوب المفضي إلى حوض المرحاض). وإذْ كنا في المنتزه، أشار كوريغان إلى وجود تجويف أرضي صغير مباشرة خلف المقعد حيث جلستُ، ثم قال إنه المدخل الرئيس لجحر جرذ، موضحا أن لجل جحور الجرذان ثلاثة مداخل: مدخل رئيس وفتحتان للهروب السريع.
تعيش الجرذان البنية في تجمعات عائلية. وتلد دَرْصين اثنين (الدَرْص هو صغير الجرذ) إلى 14 درصًا في البطن الواحدة، وتحافظ على أعشاشها (التي غالبا ما تبنيها في أحواض الزهور بالمنتزهات العامة) نظيفة نسبيا، كما تُجري دوريات حراسة بمناطق نفوذها الصغيرة. عندما يبلغ درصٌ سن النضج الجنسي -في زمن لا يتجاوز الـ 10 أسابيع- يغادر الجحرَ بحثا عن شريك للتزاوج.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ