المهرج الوفي

بقلم: توم أونيل
عدسة: داني غرين

وقد حلّت أسراب هذا النوع الأصغر من بين أنواع البفن الأربعة ضيوفاً على جزر وشطآن بريطانيا ذات المرتفعات القصية الوعرة، لأجل التزاوج والتكاثر؛ إذ كلما كانت هذه الأصقاع بمنأى عن البشر والمفترسات، توفر ملاذاً أفضل للبفن الأطلسي. وما من أحد يعلم على وجه الدقة كيف وأين تقضي هذه الطيور المُسمّاة علمياً "فراتيركولا أركتيكا" (Fratercula arctica) بقية أشهر السنة قبل موسم التزاوج وبعده. لابد وأن ذلك يحدث في مكان ما بالبحار الشمالية الشاسعة حيث تطير وتتغذى وتجوب الأجواء في عزلة تامة وبعيدا عن الأعين.
لكن ومهما يكن من أمر رحلات البفن وأماكن إقامته، فإن أزهى فترات عيشه هي فصل الربيع، حينما يغدو التزاوج والتكاثر الباعثَ الوحيد لعودة هذه الطيور البحرية إلى البَرّ. إذ تستنفر سلوكها الاجتماعي إلى أقصاه عبر مراحل تناسلها كافة: عند المغازلة فالتزاوج وحتى عند التناوش والتصارع. وتتراوح تجمعات البفن ما بين بضع مئات من الأزواج في ولاية ماين الأميركية وعشرات الآلاف في آيسلندا. أما الجزر البريطانية حيث التقط داني غرين الصور المنشورة في هذه الصفحات، فإنها تجتذب نحو 10 بالمئة من العدد الكلي المقدر بـ 20 مليون طائر بفن أطلسي (لا أحد يعلم العدد الحقيقي)، إذ تزعم آيسلندا أنها تأوي قُرابة نصف هذا العدد الإجمالي.
تُغيّر طيور البفن مظهرها كلما حلّ موسم التزاوج. فتصبح مناقيرها أكثر سماكة وسطوعاً، ويستحيل سواد ريشها بياضاً ناصعاً، وتظهر الزخارف حول عيونها، فتصبح وجوهها أشبه بوجوه المهرجين المطلية بالصبغ. ولمّا يتم "عقد قران" البفن، مع نفس شريك العام السابق في الأغلب، يستخدم الزوجان الجديدان منقاريهما المبهرجين وقدميهما الوتريتين في حفر جحر لهما في الأرض الهشّة اللينة، وإن كان بعض البفن يعشش على الصخور والجلاميد. تضع الأنثى بيضة واحدة، وتتناوب مع الذكر على حضانتها تحت الجناح. ويتشارك الأبوان واجب إطعام الفرخ أيضًا، ولو أن الأنثى تقوم بجل رحلات الصيد فتعود مسرعة من الماء ومناقيرها ملأى بالأسماك، متفاديةً طيور النورس والكَرْكَر وغيرها من قراصنة الجو.


التتمة في النسخة الورقية
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا