الكـافيـار الصحراوي

بقلم: بقلم: محمد طاهر
عدسة: يوسف قيس و الإمارات أكواتيك

على بعد 25 كيلومتراً من وسط مدينة أبوظبي، وتحديداً في ضاحية مصفح، تقع أكبر مزرعة مغطاة للأسماك في العالم فوق قطعة أرض مساحتها 60 ألف متر مربع. هنا، تتكاتف التكنولوجيا مع رأس المال لتحقيق هدف مشترك هو إنتاج أغلى أنواع البيض في العالم: الكافيار (أو البطارخ)، وهو بيض غير مخصّب يستخرج من بطون أسماك الحفش (Sturgeon) التي تعيش فقط في المياه الباردة للنصف الشمالي من الكرة الأرضية.
تتخصص "المزرعة-المصنع" العملاقة بإنتاج نوع واحد فقط من الحفش هو (Acipenser baerii)، الذي ينتج كافياراً يبلغ متوسط ثمن الكيلوجرام الواحد منه ما يقارب الأربعة آلاف دولار أميركي. وتقف مخاطر انقراض هذا النوع من الأسماك، وندرة مواسم حصاده -إذ ينحصر إنتاج الكافيار الطازج في مرتين فقط سنوياً- وراء ارتفاع ثمن بيضه.
"تنقسم المزرعة إلى نصفين متطابقين" يقول مهند أبو عوض، وهو رجل في أواخر الثلاثينيات ويشغل منصب مدير إنتاج في مصنع "الإمارات أكواتيك"، مشيراً بيديه ناحيتي اليمين واليسار في ما كنا نسير تحت الأضواء الخافتة لممر طويل خال يطغى عليه اللون الرمادي. ثم ما لبث مهند، الذي قضى أكثر من 15 عاماً في مجال زراعة الأسماك، أن اتجه يميناً وفتح باباً يؤدي إلى باحة كبيرة ونظيفة تحوي أحواضاً خضراء ويعم فضاءها ضجيج المضخات والمحركات الهادرة.
نظرت من حولي فلم أجد عاملاً واحداً. استفسرت من مضيفي عن الأمر. فتبسّم وقال "المزرعة مؤتمتة بشكل كامل ولا يتدخل العاملون في مراحل الإنتاج إلا نادراً". ثم أخرج هاتفه الذكي من جيبه وضغط على أحد التطبيقات فظهرت خريطة إلكترونية ملونة للمزرعة بكامل أحواضها وأقسامها، وقال وهو يشير إلى الشاشة الصغيرة "لو حدث أي أمر طارئ فسيظهر هنا؛ عندها ما عليّ سوى الاتصال بأحد الفنيين لإصلاح الخلل حتى لو كنت أبعُدُ آلاف الكيلومترات".
وبالفعل، يبلغ عدد العاملين الفعليين في المزرعة 15 شخصاً، ينفذون أعمالاً روتينية من مثل ملء مستوعبات العلف، ونقل الأسماك بين الأحواض، وتشغيل المضخات وصيانتها. وبذلك تحقق المزرعة معادلة قياسية في عالم إنتاج الغذاء؛ تغطية 9 بالمئة من احتياجات الأسواق العالمية من بيض الكافيار بـ15 عاملاً فقط!
لكن هذا الجيل الحديث من المزارع، والذي بات أقرب ما يكون في نظام إنتاجه إلى المصانع، يتطلب تسخير الكثير من التكنولوجيات المتقدمة إضافة إلى استثمار كثيف لرأس المال. فأسماك الحفش تتطلب ظروفاً بيئية أبعد ما تكون عن أجواء دولة الإمارات العربية المتحدة شديدة الحرارة. لذلك تقوم مبردات عملاقة بتبريد مياه البرك والأحواض لتتراوح حرارتها بين 14 و18 درجة مئوية على مدار العام، وهو أمر يستلزم كميات هائلة من الطاقة ويزيد من البصمة البيئية للمشروع الذي تكلف 500 مليون درهم (حوالى 135 مليون دولار).

التتمة في النسخة الورقية
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا