هكذا تُصنع الأبراج الجليدية

قلم: أراتي كومار- راو

عدسة: سيريل جازبيك

ما عساك أن تفعل حين تجد الثلوج التي تعتمد عليها للحصول على الماء تذوب سريعًا؛ وحين تنحسر الأنهار الجليدية في أعالي الجبال؟ في أقصى شمال الهند، يتصدى أهالي منطقة "لاداخ" لآثار التغير المناخي تلك بإنشاء مخروطات جليدية عملاقة تمد المزارعين التواقين إلى الماء بهذه المادة كلما احتاجوا إليها.

ثمـة هجـوم يستهدف "لاداخ"، الواقعة على هضبة مرتفعة عـند الطـرف الشمالي للهيمالايا. فالعدو يقطع مواردها المائية ويجفف أراضيها الزراعية ويضطر مزارعيها اليائسين للهجرة نحو مدينة "ليه" على ضفاف نهر "السند"؛ بعدما دأبوا زمنًا طويلا على تربية قطعان ماعز "الباشمينا" وزراعة القمح والشعير على أراضيهم القاحلة. قُدتُ السيارة بمعية "سونام وانغتشوك" عبر ممرات وأودية، لتفقّد ما أعدَّه من دفاعات لصد ذلك الهجوم: أبراج جليدية يطلق على الواحد منها اسم "ستوبا". قال لي وانغتشوك، وهو مهندس أنشأ أيضًا مدرسة بديلة في لاداخ: "لا يرتدي هذا العدو زيًّا رسميا، ولا يدين بالولاء لأي دولة قومية، ولا يحمل أسلحة آلية. لا تمنعه حدود، ولا يتقيد بالقوانين الدولية. إننا -أهل لاداخ- على خطوط جبهة حرب مختلفة تمامًا".
ذلك العدو هو التغير المناخي. فلقد ارتفع متوسط حرارة الشتاء بنحو درجة مئوية واحدة في العقود الأربعة المنصرمة؛ ما أدى إلى انفصام عروة حاسمة بدورة المياه في لاداخ. لا يتعدى ما تتلقاه لاداخ من تساقطات مطرية في المتوسط 100 مليمتر سنويًا؛ إذ تقبع بين باكستان والهند، حيث تصد عنها سلسلة جبال "الهيمالايا" الرياحَ الموسمية المحمّلة بالأمطار الآتية من الجنوب الغربي. وتُعد ثلوج الشتاء والأنهار الجليدية الجبلية شريان حياتها؛ غير أن هذه الثلوج صارت متقلبة، إذ تذوب قبل حلول الربيع، فيما انحسرت الأنهار الجليدية نحو أعالي الجبال حيث باتت تذوب في زمن أبكر من المعتاد. يقول وانغتشوك: "إن الفجوة آخذة في الاتساع أكثر فأكثر بين ذوبان ثلوج آخر الشتاء وذوبان الأنهار الجليدية في الربيع". وهذه الفجوة التي تؤدي إلى الجفاف ربيعًا تجعل الزراعة مستحيلة. إذ يعلق هذا المهندس على الأمر قائلًا: "بصمتنا الكربونية ضئيلة، لكننا مع ذلك نؤدي فاتورة التغير المناخي". لا تستطيع لاداخ وقف التغير المناخي؛ لكن أبراج ستوبا الجليدية قد تعيد بعض الماء في فصل الربيع.ر

لمّا انحرفنا عن الطريق السريعة صوب وادٍ على الحدود الباكستانية، روى لي وانغتشوك قصته. قال إنه في عام 2013، لاحظ أن الجليد ظل متجمدا في ظل جسر على ارتفاع منخفض، وفي ذروة الصيف. عندها أدرك أن بمقدوره مساعدة القرى على تجميد الماء شتاءً لاستعماله ربيعًا. كانت تغطية قطاعات واسعة من الجليد غير عملية، لكن قالبًا مرتفعا قد يُظلل ما بداخله؛ وكلما زاد انحدار الجوانب، كان ذلك أفضل من أجل تقليص المساحة المعرضة لأشعة الشمس. قال وانغتشوك وهو ينعطف انعطافا حادا: "استلهمت من دروس الرياضيات بالمرحلة الثانوية أن المخروط كان الحل الأبسط". وللعِلم، فإن الستوبا في البوذية هو تلة من حجر أو طين تضم آثارا مقدسة. أنشأ وانغتشوك وطلابه أول ستوبا جليدي في نوفمبر عام 2013. إذ وجّهوا مسار رافدٍ يمر بمحاذاة مدينة "ليه" إلى أسفل الجبل عبر أنبوب، ثم حوّلوا مجراه بواسطة أنبوب عمودي نحو فوهة في الأعلى. هذا كل ما في الأمر: فبناء ستوبا لا يتطلب تقنية فائقة. كان فريق وانغتشوك يفتح الفوهة ليلا حين ينزل الهواء إلى ما دون درجة التجمد. يتجمد الرذاذ الرفيع عند سقوطه، وشيئا فشيئا تتشكل كومة من الجليد حوالي الأنبوب ثم تتحرك نحو الأعلى.
بلغ ارتفاع أول ستوبا تجريبي 6 أمتار، وحوى 150 ألف لتر من الماء، وظل على حاله إلى شهر مايو. منذئذ علَّم وانغتشوك أهالي القرى المجاورة للاداخ كيفية إنشاء هذه الأبراج. وفي عام 2019، أنشؤوا 12 ستوبا، تجاوز ارتفاع اثنين منها 30 مترا. وفي العام الحالي، بنوا 26 ستوبا، يبلغ ارتفاع تسعة منها 30 مترًا. إن التغير المناخي لا يُحْدث الجفاف ربيعًا فحسب، بل يسبب أيضا فيضانات ناجمة عن أمطار الصيف المفاجئة. يعتقد وانغتشوك أن مياه الري من الستوبا قد تعيد إلى سفوح التلال غطاءها النباتي الذي يمتص الأمطار. يقول: "إذا كان حجم ستوبا وموقعه مثاليين، فقد يدوم طيلة الصيف وحتى الشتاء التالي. وقد ينمو عامًا بعد عام"، فيصير دائمًا كالنهر الجليدي.
قدنا السيارة على امتداد الحافة حتى بلغنا قرية "كاريث". استقبل الطلابُ وانغتشوكَ استقبال الأبطال في المدرسة الإعدادية. وقد أقاموا أول ستوبا صغيرة في هذه القرية عام 2016. هنالك قال"محمد علي"، مدير المدرسة: "نريد توعية الأطفال بشأن ما يحدث في العالم وتأثير ذلك فينا". ويريد وانغتشوك توعية العالم بما يفعله ذلك بمنطقة لاداخ؛ إذ يقول إن الستوبا "جرس إنذار لتغيير نمط حياة المدن القائم على إفراز الكربون بكثافة". بلغ ارتفاع ستوبا قرية كاريث في العام الماضي 22 مترا. يقبع في ظل جبل، وقد بقي على حاله حتى في أيام أغسطس؛ ما أتاح للمزارعين ري حقولهم. وفي العام الحالي، بنى المزارعون والطلاب معًا ستوبا آخر أعلى. قال محمد علي: "يوما ما، سنبني ستوبا جليديا بإمكانه النمو".
موضوعات ذات صلة
  • ضريـح من جليد

    هناك، في أعالي الهيمالايا، ترفل الصحراء في حُلل خضراء. أدى التغير المناخي في إقليم "لاداخ" الهندي إلى تقلّص مساحات الأنهار الجليدية واختلال دورات الأ

  • سقف العالم يذوب!

    بات الجليد الذي ظل يميز منذ زمن بعيد سلاسلَ جبال جنوب آسيا، يذوب مشَكِّلًا بحيرات ضخمة جديدة؛ ما يُنذر بحدوث فيضانات كارثية. ما إن تُحلِّقَ في طائر

  • اللغز الكبير لـ إيفرست

    قبل نحو قرن من الزمن، اختفى "ساندي أُرفــــاين" وصاحبه في تسلّق الجبال، "جورج مالوري"، من حافة مرتفعة على جبل "إيفرست". فهل يا ترى نجحا في بلوغ القمة

  • مستقبل بلا جليد!

    تشكل فصولُ الشتاء الجليدي ثقافةَ منطقة "البحيرات العظمى" واقتصادَها.  وبينما تُحوّل ظاهرة احترار المناخ الجليدَ المعتاد إلى وحل بارد، يتنامى الإحساس ب

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ