بحثًا عن السكينة

بقلم: فران سميث

عدسة: أندي ريشتر

يبدو على القاضية "إيليني ديرك" الوقار والهيبة، بردائها الأسود وهي جالسة خلف مقعدها المرتفع بمنصة القضاة الخشبية لدى محكمة مدينة "جاكسونفيل" بولاية فلوريدا الأميركية. ولكن النظر إليها من وضع أسفل لدى ركن المحلَّفين ومن خلف طاولات المحامين، لا يتيح رؤية ما ترتديه تحت ذلك الرداء: إنه سروال اليوغا المزركش بشكل لافت.
اكتشفَتْ ديرك منافعَ اليوغا منذ أكثر من 25 عامًا. فقد كانت هذه القاضية تعاني ألمًا شديدًا في البطن بسبب "داء كرون" (Crohn's disease)، أو ما يسمى بالتهاب الأمعاء الناحي، وقد أوصاها طبيبُها بإجراء عملية جراحية. وعلى أمل تجنب الجراحة، ذهبت ديرك لاستشارة ابن عمها الذي كان مُعلم يوغا. لقَّنَها هذا الأخير كيف تمارس وضعيات يوغا تتطلب الوقوف رأسًا على عقب، يُطلَق عليها اسم "الانقلابات". ويُقال إن هذه الوضعيات تقوم بتخليص الجسم من السموم، على الرغم من عدم وجود أدلة علمية تدعم هذا الادعاء. غير أن أعراض ديرك ما لبثت تتلاشى. تقول: "اليوغا أنقذت حياتي".
بعد ذلك تَمرَّنت القاضيةُ لتصبح مدربةَ يوغا؛ وإذا لم يكن الجو حارًا للغاية في الخارج، فإنها تنظم حصصًا شهرية مجانية في حديقة المحكمة. فعندما يستفيض المحامون في مرافعاتهم مُددًا طويلة أثناء المحاكمة، تَطلب ديرك فترةَ استراحة تؤدي فيها مع هيئة المحلفين تمارين الوقوف والاسترخاء والتنفس. على أنها معروفة في الأوساط القانونية بالقاضية التي تحكم على الجناة بممارسة اليوغا خلف القضبان.
تَبُتُّ ديـرك في قضايـا الجُنَح، مثـل السـرقة، وحيـازة كميـات بسيطة من المخدرات، والقيادة تحت تأثير مـواد مـخدرة أو كحولية؛ وهي جُنَح يعاقب عليها القانون بالسجن مدة تصل إلى عام. غير أن ديرك تُمكّن الجانحين من تخفيض مدة العقوبة بنسبة 40 بالمئة أو أكثر إنْ هُم التزموا ببرنامج أسبوعي يدعى
"Yoga 4 Change" (يوغا من أجل التغيير). فهي ترى اليوغا وسيلة لترويض الأفكار الانهزامية في العقل وكبح جماح مشاعر الغضب والخوف والألم والضغوط التي تَقود المرءَ نحو السلوك السيء.
وتشرح القاضيةُ ذلك قائلة: "ما إن يَنبذ المرءُ هذه المشاعر، حتى يَفسح لنفسه المجالَ لكل ما هو إيجابي". ومع ذلك، لم يقتنع زملاؤها في البداية؛ إذ كانوا يتساءلون: "أَيُعقَلُ هذا.. اليوغا!".
وكذلك فعل جناةٌ كُثُر، ومنهم "سيسيل ريديك"، وهو سجين في "مركز مونتغمري الإصلاحي" بمدينة جاكسونفيل؛ إذ يقول: "كنت أعتقد أن الأمر غريب حقًا".
والحالُ أنَّ تقييمًا لذلك البرنامج في ثلاث مؤسسات سجنية إصلاحية بمدينة جاكسونفيل، قد خلص إلى أنه وبعد ستة أسابيع من ممارسة اليوغا، أَبلغَ المشاركون في البرنامج عن تحسن كبير في مستوى النوم والصحة العامة والقدرة على التحكم في مشاعر الغضب والقلق. والآن بات قاضيان آخران -على الأقل- من قضاة المدينة يتيحان خيار اليوغا ضمن الأحكام.
يختار بعض الجناة تنفيذ العقوبة كاملة بدلًا من تجربة اليوغا، لكن ريديك فضَّلَ خيارَ الخروج من السجن مبكرًا عندما أتاحهُ له أحد زملاء القاضية ديرك. وقد فوجئ بمدى تأثير هذه الحصص عليه من حيث شعوره بالاسترخاء، وتهدئة آلام ظهره، وإثارة إحساس لم يشعر به من قبل: "السكينة".

نشأت اليوغا بوصفها ممارسةً روحية في الهند، ومنها انتشرت على نطاق واسع. في الولايات المتحدة، تُعد اليوغا نظامًا للياقة البدنية، وطريقًا نحو التغيير أو التنوير، وعلاجًا للكثير من الأمراض، من الإدمان والصداع وفقدان السمع إلى اضطراب الكرب التالي للرضح وأمراض القلب وكذلك.. داء كرون.
لكن يَظل التحقق من صحة منافع اليوغا أمرًا صعبًا. إذ لا تشمل جل الدراسات سوى عدد قليل جدًا من المشاركين؛ ما يجعل النتائج غير حاسمة. ويعزى ذلك أساسًا إلى عدم جاذبية اليوغا عمومًا في أعين المسؤولين عن المنح الحكومية الكبيرة أو القائمين على تمويل البحوث في المجالات التجارية، مثل صناعة الأدوية. ويُقرُّ "سات بير سينغ كالسا"، مدرب يوغا وعالم أعصاب وصاحب خبرة واسعة في علم اليوغا لدى "جامعة هارفارد"، بأن طريق البحث في هذا المجال ما زال طويلًا. ثم يستدرك قائلًا: "ولكني أستطيع القول إننا أثبتنا مصداقيتنا". فقد اختبر كالسا نجاعة اليوغا في علاج الأرق، واضطراب الكرب التالي للرضح، والقلق، وكذا حالة الإجهاد المزمن التي يقول عنها الرجل إنها الحالة الأكثر إثباتًا لمنافع اليوغا.
يؤدي الإجهاد دورًا كبيرًا في نشوء أمراض عديدة تفتك بنا. كما أنه سببٌ رئيس في تناول الطعام غير الصحي، واضطراب النوم، وتعاطي الكحول والمخدرات، وإدمان عادات سيئة أخرى. يقول كالسا: "إن الطب الحديث يفشل حقًا في اتّقاء الأمراض المزمنة".
موضوعات ذات صلة
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ