طقوس دموية في مواجهة طقس متطرف

بقلم: كريستين رومي

عدسة: روبرت كلارك

ظهرت الضحية الصغيرة ممدّدة في قبر غير عميق بأرضٍ خالية إلاّ من القمامة. كان ذلك يوم الجمعة السابق لعيد الفصح هنا في "وانشاكيتو"، وهي قرية على الساحل الشمالي للبيرو.

كان صوت الموسيقى الراقصة يصدح من المقاهي الساحلية الواقعة على بعد بضع مئات من الأمتار إلى الشرق من هذا المكان، فتتلقاه الأذن بنوع من الهلع كأنه وقع قلب شديد الخفقان. ترافقت الموسيقى مع الحفيف الخفيف لمجارف العمّال وهم يزيلون الزجاج المحطّم والقنينات البلاستيكية وأغلفة طلقات بنادق الصيد، للكشف عن الشكل العام لقبر صغير كان قد حُفر في طبقة وحل قديمة.
كان من بين هؤلاء، طالبَان جامعيان -عالما آثار متدرّبان- يرتديان زَيَّ جرّاحين ويضعان كمّامتين على وجهيهما. استلقى كل منهما على بطنه لدى جانب من القبر، وشرعا في الحفر باستعمال المجرفة. أول ما برزَ للعيان ذروةُ جمجمة طفل، تعلوها فروة سوداء.
وضع هذان المنقِّبان مجرفتيهما جانباً واستخدما فرشاتَـي دهان بدلاً منهما لكنس الرمل السائب بتأنٍّ وعناية فائقة؛ فكشفا عن بقية الجمجمة وكذا كتفي هيكل ناتئين من خلال كفن قطني خشن. ومع مرور الوقت، ظهرت إلى جانب الطفل بقايا حيوان لاما صغير ذي فرو بلون الذهب.
راح "غابرييل برييتو" -أستاذ علم الآثار لدى "جامعة تريخيّو الوطنية" في البيرو- يُمعن النظر إلى داخل القبر ويومئ برأسه، قائلا إنها الضحية "الخامسة والتسعين". فقد كان يُدوّن باستمرار عدد الضحايا المكتشفة، وكانت تلك -الموسومة بالرمز (E-95)- هي الضحية الـ95 التي نُبشت منذ بدأ الرجل يستكشف موقع تلك المقبرة الجماعية في عام 2011. وفي المحصّلة، بلغ العدد النهائي القاتم لهذا الموقع وموقعٍ آخر مجاور، 269 طفلاً بين سن الخامسة وسن الرابعة عشرة، فضلاً عن ثلاثة أشخاص بالغين. وقد قضى جميع هؤلاء الضحايا قبل أكثر من 500 سنة، في ممارسات منسّقةٍ بعناية لطقوس تضحية بقرابين بشرية، ربما لم يكن لها مثيلٌ في ما سبق من تاريخ العالم.
وتعليقاً على الاكتشاف، يقول برييتو وهو يهزّ برأسه في ذهول: "هذا شيء مروّع وغير متوقّع على الإطلاق". ولقد أصبحت هذه العبارات لازمة متكرّرة على لسانه -وهو في المقام الأول أبٌ لأطفال قبل أن يكون عالم آثار- إذ كان يحاول أن يجد تفسيراً منطقياً للاكتشاف المروّع لدى ذلك الموقع المسمَّى "وانشاكيتو-لاس ياماس". ففي زماننا وثقافتنا، فإن مقتل طفل واحد فقط بطريقة عنيفة يجعل أي قلبٍ -إلا أقساها على الإطلاق- يتفطّر حزناً وكمداً؛ كما أن شبح جريمة جماعية يُرعب كل عقل سليم. لذا لا بد لنا أن نتساءل: ما تلك الظروف القاهرة التي تفسّر عملاً نراه اليوم شنيعاً على نحو لا يمكن تصوره؟
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ