كوكبنا تحت المراقبة

بقلم: روبرت درايبر

تشير عقارب الساعة إلى حوالى العاشرة والنصف صباحاً من يوم السبت في منطقة "إزلينغتون" بشمال لندن، حيث يقود رجلان درّاجتين ناريتين صغيرتين بسرعة على طول طريق "أبر ستريت" التي تحفّها المحلّات التجارية. وبخوذتيهما وقفّازاتهما وسترتيهما فإنهما يبدوان أشبه بالشخصيات المهووسة التي تظهر في الألعاب الحاسوبية، أكثر من شبههما بالبشر العاديين. يتحرك الرجلان جيئةً وذهاباً بين المركبات وينعطفان متجاوزَين الحافلات ثنائية الطوابق بسرعة تُذكّر بطيّاري "الكاميكازي" اليابانيين الانتحاريين. إنها سرعة جنونية تجعل سائقي المركبات الأخرى يجفلون. يتابع الرجلان حركاتهما الاستعراضية فيقودان درّاجتيهما على عجلة واحدة (والأخرى مرفوعة) ويرسمان بهما مسارات على شكل الرقم 8 على طول الشارع المزدحم. ولكن يبدو أن ما يشغل بالهما هو غرض أكبر من مجرّد القيادة الترفيهية.

بعد ثلاث دقائق أو أربع، يخرجان فجأة من شارع "أبر ستريت" داخلين جادةً سكنيةً هادئة ذات أشجار وارفة الظلال. وهناك يصعدان بدرّاجتيهما على الرصيف ويطفئان محركّيهما. بعدها يترجّلان عن درّاجتيهما والخوذتان ما زالتا على رأسيهما، فيخوضان في حديث مطوّل. أما فحوى حديثهما فلا أحد يعلمه سواهما. لكن هناك شيء من المرجّح أن هذين الرجلين لا يعلمانه، ألاَ وهو: أنه في موقعٍ يبعد عنهما أقل من كيلومترين اثنين، وفي غرفة معدومة النوافذ، ثمة شخصان آخران يراقبانهما.
يقول "سال" لزميله "إريك": "إنهما يتحركان".
يجلس هذان الرجلان على مسافة ثلاثة أمتار عن بعضهما بعضاً، وأمامهما لوحة تحكّم طويلة في غرفة المراقبة بواسطة "الدوائر التلفزيونية المغلقة" (CCTV) الخاصة بمنطقة إزلينغتون. إنها غرفة بلا زينة، مفروشةٌ بسجّاد رمادي يتماشى مع جدرانها المطلية باللون نفسه. سال رجل كهل ويكبر صاحبَه إريك بعقود. يرتدي كلٌ منهما لباساً مكتبياً غير رسمي. ينشغلان بعملهما من دون أن يتجاذبا أطراف أي أحاديث عادية. ينطلق سائقا الدرّاجتين، فيشرع سال في تلقين الأوامر لحاسوبه مستعملاً لوحة المفاتيح، فيستدعي الكاميرا رقم 10 لتعرض ما تلتقطه على الشاشة. عندها يظهر السائقان من جديد، وهما ينطلقان بسرعة مجتازين شارع "أبر ستريت". وما إن يختفيا عن مرأى سال، حتى يعثر إريك عليهما بسرعة ضمن منظور الكاميرا رقم 163. وباستعمال إريك ذراع للتوجيه، يركّز الكاميرا على الدرّاجة الخلفية مقرّباً المشهد إلى أن تصبح لوحة أرقامها مقروءة.
عندها يخاطب سال مركز الشرطة بجهاز الاتصال اللاسلكي قائلاً: "لدينا سائقا درّاجتين صغيرتين مثيران للريبة، ينفّذان بهما حركات بهلوانية على شارع أبر ستريت".
أمام الرجلَين لوحة عرض هائلة تضم 16 شاشة. وتنقل اللوحة لهما صوراً حيّة من شبكة كاميرات الدوائر التلفزيونية المغلقة البالغ عددها 180 كاميرا. واستناداً إلى الأدلة المرئية، فإن يوم السبت هذا يبدو هادئاً نسبياً.

أما في وقت سابق من الأسبوع ذاته، فكان رجل قد قضى نحبه بعد تعرّضه إلى الطعن في شقّته؛ ومن معبرٍ علوي للسيارات (معروفٌ -لسمعته السيئة- باسم "جسر الانتحار") لدى طريق "آرتشوَيْه رود"، كان رجل آخر قد رمى بنفسه إلى حتفه. في وقت لاحق من هذا اليوم في "منتزه فينزبري"، ستتابع الكاميرات على مدى ساعات بأسرها 35 ألف زائر لمهرجان قائم هناك، بحثاً عن النشّالين والسُّكارى المشاكسين وغيرهم من المُفسدين الصغار.
ولكن في الوقت الحالي، فإن سائقي الدرّاجتين هما مصدرا النشاط الوحيد اللافت للنظر في إزلينغتون. وصحيحٌ أن سال وإريك (اللذَين يعملان بهذه الوظيفة منذ 15 عاماً، وأربعة أعوام توالياً) يتعقّبان هدفيهما من كاميرا إلى أخرى بكفاءة مقرونة بنوع من الرتابة، فإني أكاد أرى الدم يتسارع في عروقهما. فما نراه في المشهد هنا -وفق ما يعتقدانه- هما عضوين في إحدى العصابات التي ابتُـليت بها إزلينغتون منذ أكثر من سنة. هذه العصابات تخطف الهواتف الذكية من المُشاة، ثم تبيعها في السوق السوداء. ويحدث ذلك بمعدل يناهز الـ 50 مرة في الأسبوع بمنطقة يعيش فيها نحو 233 ألف نسمة. إن إمكانية القبض على سائقَي الدرّاجتين وهما يرتكبان عملاً مخالفاً للقانون، قد يبدو غير ذي صلة بالنسبة إلى غير المُلمّين -مثلي- بأصول هذا العمل. إذ لم يشدّ انتباهي سوى مشهد سائقَي الدراجتين اللذين لا يبدو أن لديهما أدنى فكرة بكونهما مراقبين أينما تحرّكا. لعلّهما مجرمان.. لعلّهما مختلاّن نفسياً. لا يمكن لنظام الرصد والمراقبة هذا أن يبتَّ في مسائل من هذا النوع، والشيء الوحيد المؤكّد هو أننا نراهما من دون أن يرياننا. وتماماً كما لو أن كلاً منهما ظبي جعله صيادٌ في مرمى منظور بندقيته، فإن سائقي الدرّاجتين لا يبديان أي علامات على أنهما عرضة للأذى. لكنهما هكذا مكشوفان للغاية.
موضوعات ذات صلة
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ