اختـراق عربـي في مواجـهة "بـاركنسـون"

في أواخر العام الماضي تمكن فريق بحثي صغير، يقوده عالم عربي كبير، من لفت أنظار المجتمع الطبي الدولي عقب تحقيقه اختراقين علميين مهمين في مجال أمراض الدماغ المتعلقة بالشيخوخة.
من مختبره في مدينة العين الإماراتية، يستهل البروفيسور عمر المختار الأجنف حديثه لـ"ناشيونال جيوغرافيك العربية" حول الاختراق الأول قائلاً: "هو طريقة حديثة وفعّالة تستطيع اكتشاف الإصابة، بشكل مبكر، بمرض باركنسون (الشلل الرعاشي ) والأمراض العصبية الأخرى المشابهة، مثل ألزهايمر (فقدان الذاكرة المرتبط بالشيخوخة)". "ومن شأن الأسلوب الجديد" يتابع الأجنف، "أن يوفر للأطباء إمكانية تشخيص الإصابة بهذين المرضين وتحديد أسبابهما بواسطة آلات التصوير بالأشعة المتوفرة في معظم المراكز الطبية، ما يعد نقلة نوعية طال انتظارها".
وحول مدى أهمية تشخيص الإصابة مبكراً، يبّين البروفيسور الأجنف "إن عدم وجود أدوات تشخيص دقيقة أو علامات بيولوجية يمكن الاعتماد عليها لدى مرضى باركنسون يؤدي إلى زيادة معدلات التشخيص الخاطئ لا سيما في المراحل الأولى للمرض. ويكمن لب المشكلة هنا في عدم تمكن الأطباء من اكتشاف ما يقارب بين 20 إلى 30 بالمئة من حالات الإصابة، الأمر الذي يعطل إمكانية التدخل العلاجي المبكر وبالتالي منع تطور المرض وكبح تأثيراته السلبية على كبار السن".
ويعتمد أسلوب التشخيص الجديد، على استحداث طريقة تصوير "ذكية" قادرة على رصد تطور المرض باستخدام إحدى تقنيتين: الرنين المغناطيسي (MRI) أو التصوير المقطعي البوزيتروني (CT-Scan/PET). وستخضع هذه الطريقة الجديدة لدراسات سريرية على مرحلتين، بهدف تقييم فرص استخدامها كأداة تشخيص، ولتكون أيضاً وسيلة قياس فعّالة لتطوير مستحضرات دوائية جديدة تعالج الأمراض العصبية.
حصل الأجنف مؤخراً على 100 ألف دولار كمنحة بحثية، من جمعية علاج الشيخوخة المرتبط بأجسام ليوي (LBDA) والمنظمة الخيرية لاكتشاف عقاقير لمرضى ألزهايمر(ADDF) الأميركيتين. وفاز إلى جانبه عالم واحد فقط بهذه المنحة، هو البروفيسور ميشيل ميلكي من مستشفى "مايو كلينيك"، وذلك تقديرا لأبحاثهما المتميزة واكتشافاتهما الحديثة في هذا المجال.
ويطمح البروفيسور الأجنف، الذي ولد في ليبيا وتابع دراساته الجامعية في بريطانيا قبل أن يلتحق منذ ثمانية أعوام بـ"كلية الطب والعلوم الصحية" في جامعة الإمارات، إلى ترجمة طريقته المستحدثة "إلى تطبيقات معتمدة من خلال دراسات سريرية معمّقة" حسب قوله. وتوقع أن تستغرق هذه الدراسات، التي ستجريها شركات دولية على مرضى من البشر في شتى أنحاء العالم، ما بين 5 و 7 سنوات وأن تتكلف ما بين 200 و300 مليون دولار، موضحاً أن نسبة نجاح اختباراته على الفئران "فاقت الـ99 بالمئة"، متوقعاً نسب نجاح "عالية جداً" لدى تطبيقها على البشر.
إنجاز الأجنف الثاني تمثل في فتحه الباب أمام علاج واعد لـ"باركنسون"، بعدما تمكن وفريقه من تطوير "أجسام مضادة" قادرة على التعرف إلى المكونات المرضية لهذا الداء. وقد نشر الأجنف العام الماضي خلاصة بحثه، الذي دعمته "مدرسة الطب الصيني في هونغ كونغ"، تحت عنوان "دور بروتين ألفا-سنيوكلين في مرض باركنسون: من الدراسة الجزيئية للمرض إلى علاجه". وقد أجمعت تعليقات مراكز الأبحاث الدولية المتخصصة، عقب نشر الدراسة، على أن من شأن هذا الاكتشاف تمهيد الطريق نحو توفير عقاقير طبية جديدة يمكنها إبراء أمراض عصبية ظلت حتى اليوم من دون علاج ناجع.
ويروي البروفيسور الأجنف رحلته الشاقة مع هذا البحث قائلاً: "استغرقنا العمل على هذه الدراسة قرابة عامين ونصف العام، ركزنا خلالها على تأثير مركبات تتراسيكلين ومشتقات فينوثيازين المستخدمة في الطب الشعبي الصيني، على بروتين يدعى ألفا-سنيوكلين يؤدي تراكمه المستمر في دماغ المريض إلى ظهور أعراض الرعاش وتيبس العضلات وتشنج كامل الجسم (باركنسون) ومجموعة أخرى من الأمراض المرتبطة بتلف الخلايا العصبية".
"وخلال إجرائنا الأبحاث" يوضح الأجنف "لاحظنا الدور المهم الذي تلعبه بعض هذه المركبات الكيميائية في حماية الخلايا المنتجة للدوبامين؛ وهو ناقل عصبي مسؤول بشكل رئيسي عن المهارات الحركية لدى الإنسان". ومع اكتمال الاختبارات، يشرح الأجنف، "نجحت أربع مركبات استخلصناها من النباتات الصينية في كبح الخلل الوظيفي المؤذي لبروتين ألفا-سنيوكلين". وعندما لاحظ مقدار دهشتي من قدرة هذه الأعشاب على فعل ذلك قال "لا تتعجب، فـ75 بالمئة من الأدوية التي نستعملها اليوم مصدرها مركبات نباتية تدمج في مراحل التصنيع النهائية بطريقة كيميائية"، موضحاً أن العقار الجديد، عقب اكتمال تطويره، "سيكون أفضل من أي دواء حالي آخر".
وأشار البروفيسور الأجنف إلى أنه يتبع منهجاً علمياً في البحث لا يقتصر على محاولة تقديم علاج يخفف من أعراض المرض فحسب، بل يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، "فأنا أعمل على المستوى الجزيئي للمرض لأتمكن من فهم آليته الإمراضية على حيوانات التجارب". وأكد أن نتائج بحثه "ستفتح الطريق أمام إمكانية التوصل لعلاج معتمد وغير مكلف نسبياً، يساعد على إبطاء تطور المرض ومن ثم تحسين نوعية حياة المرضى"، وذلك بعد التأكد من فعالية هذه المركبات وعدم إحداثها لأي مضاعفات جانبية عند استخدامها على البشر.
استطاع الأجنف، بفضل نبوغه العلمي، لفت أنظار الجهات البحثية في شتى أنحاء العالم، ما حدا بمؤسسات طبية عريقة أميركية وصينية إلى تخصيص منح بحثية بلغت ملايين الدولارات لتمويل أبحاثه الثورية. ذلك أن المعركة مع الأمراض العصبية ليست سهلة الحسم؛ فعلى مدى الأعوام القليلة الماضية فشلت عشرات الأدوية التجريبية في مراحل الاختبار.
ويُعد تشخيص الأمراض العصبية وعلاجها مكلفاً من الناحية الاقتصادية مع ازدياد معدل أعمار الشعوب، وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية خصوصاً في الدول المتقدمة، حيث أثبتت البيانات السريرية تصاعد وتيرة المصابين به بصورة مطّردة (انظر الرسم البياني). كما أن معظم الإحصاءات المتعلقة بالإصابة بهذه الأمراض، بما في ذلك تلك المتعلقة بالمنطقة العربية، هي مجرد تقديرات نتيجة غياب وسائل التشخيص المتقدمة وضعف التوعية وتفشي الجهل والفقر.
ومعلوم أن "باركنسون" هو ثاني أكثر الأمراض المرتبطة بتلف الخلايا العصبية انتشاراً على مستوى العالم (7 ملايين مريض) بعد مرض ألزهايمر (44 مليون مريض)، وهما يُعدان من أصعب التحديات الطبية التي تواجه العلماء اليوم. ويصنف "باركنسون" ضمن الأمراض المرتبطة بالتقدم في السن، إذْ يبلغ معدل الإصابة بالمرض لدى من تتراوح أعمارهم بين 65 و 69 عاماً، ستة من كل ألف شخص سنوياً، فيما يرتفع العدد لدى من تعدوا 85 عاماً ليصل إلى 26 من كل ألف سنوياً. ولم يتم التوصل حتى الآن إلى أسباب محددة للإصابة بهذا المرض، إذ تتفاوت ما بين التعرض للتلوث البيئي وصولاً إلى الاستعداد الوراثي للإصابة به. ويعد ألزهايمر مرضاً قاتلاً يقضي على وظائف المخ، وتتوقع الجمعية الدولية لمكافحة ألزهايمر أن يزداد عدد المصابين بالمرض إلى130 مليوناً مع حلول عام 2050. -محمد طاهر
موضوعات ذات صلة
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا