حين يلبس التمرد ثوب التنكر

بقلم: جاكلين شارلز

عدسة: تشارل فريجي

في الأميركيتين، تُستخدَم الحيواناتُ الأسطورية والشياطين الشريرة في الكرنفالات وغيرها من الاحتفالات ذات الأزياء التنكرية، إحياءً لجذور الثقافة الإفريقية والأصلية والأوروبية.. وكذا لرشق المضطهدين السابقين برسائل سلبية.

خلال رحلتي إلى هاييتي قبل بضعة أعوام، سافرت عبر طريق غير مألوفة لزيارة بلدة "جاكميل" الواقعة في الساحل الجنوبي الشرقي، حيث يُحتفَل بـ "الكانافال" (Kanaval) -أي الكرنفال بلغة الكريول الهاييتية- في الأسبوع الذي يسبق إقامة "الكرنفال الوطني" في العاصمة، "بورت-أو-برانس".
وعـلى خلاف الاحتفالات التي تتمحور حول "المرانغ" (Méringues)، وهو الاسم الذي يُطلق على نغمات الكرنفال في هذا البلد الناطق بالفرنسية، تقدم جاكميل تجربة أبسط وأكثر شعبية. فكل إيقاع ههنا يروي قصته الخاصة الفريدة وهو يرسلك في نوبة من الرقص، بدءًا من الأطفال الذين تعلوهم ألوان السخام الأسود؛ مرورًا بصوت "الرارا"، وهي إيقاعات "الفودو" التي تعد حجر الأساس لاحتفالات الكرنفال في هاييتي؛ وانتهاءً بالموسيقيين الذين يقرعون الطبول أو الذين ينفخون في الأبواق المصنوعة من معادن أعيد تدويرها أو سيقان البامبو. شعرت بالذهول وأنا أشاهد فعاليات الكرنفال الثرية بإبداعات فنية لا تخطر على بال وهي تغمر شوارع البلدة الضيقة. رأيت أشكالا تجسد الشيطان تجمع بين الجمالية والرعب، وحيوانات أسطورية ضخمة، وأقنعة غريبة الشكل مصنوعة من الورق المقوى والمشكّل.
يرى بعض الناس أن موسم الكرنفالات -وخاصة "ماردي غرا" في مدينة "نيو أورليانز " بالولايات المتحدة- يعني الإفراط في العري وإبراز مفاتن الجسم، ورمي العُقود (جمع عِقد) ذات الخرز إلى المتفرجين، وتعالي صيحات مجلجلة تدعو للتحرر من كل القيود وتشجع على الانغماس في اللهو والإفراط في تناول المشروبات الكحولية. لكن الأمر مختلف في أجزاء من الكاريبي، فالكرنفال هناك له دلالات أكبر من الأجواء الصاخبة التي حولت هذه الاحتفالات البهيجة إلى عنصر جذب سياحي؛ بل هي فضاء تتجسد فيه الفنون، ومنصة عامة لمشاركة الآراء والتعبير الصريح الصارخ عن الهوية الثقافية القوية والمتمكنة التي يجسدها أحفاد الأفارقة الذين عانوا الاستعباد. ولأن هؤلاء العبيد كانوا ممنوعين من عبادة آلهتهم أو المشاركة في الحفلات التنكرية التي تعود إلى القرن الثامن عشر من قبل أسيادهم الفرنسيين والبريطانيين، فإنهم عمدوا إلى دمج الفلكلور والتقاليد الإفريقية في طقوس المستعمر لخلق احتفالاتهم الخاصة.
واليوم باتت فعاليات من قبيل "عيد القربان المقدس" و"عيد الملوك الثلاثة" و"يوم الموتى" تأخذ أشكالًا مختلفة عبر الشتات الإفريقي، ويمكن أن تُقام في أوقات مختلفة من العام؛ ولكن تظل بينها جميعا عناصر مشتركة. إذ إن الشخصيات المتشحة بالأزياء المزركشة، والاحتفالات المسيحية، والفنون الشعبية، وتصورات السكان الأصليين؛ كلها تمتزج في طقوس متمردة وعنفوانية.​
موضوعات ذات صلة
  • احتفالات وطقوس غريبة تمتد جذورها إلى عصور وثنية احتفالات وطقوس غريبة تمتد جذورها إلى عصور وثنية

    على الرغم من تقدمها التكنولوجي ، لا تزال القارة الأوروبية تشهد كل عام في الفترة الممتدة شهري ديسمبر وأبريل ، احتفالات وطقوس غريبة تمتد جذورها إلى عصور

  • لغة الشَّعر البريتاني لغة الشَّعر البريتاني

    بقلم: أماندا فيغل عدسة: شارل فريجيه قد يصعب على المرء أن ينزل من سيارة أوروبية صغيرة، بل يصبح ذلك أقرب إلى المستحيل على من يرتدي قبعة أو قلنسوة ارتفا

  • أزياءٌ من البــراري

    ها قد ولّى زمن الألبسة المصنوعة من جلود التماسيح والعجول؛ وبدلاً منها، أصبحت الألبسة المصنوعة من جلود الحيوانات الدخيلة دارجةً أكثر على الموضة. ويُعد

  • ..وعاد الفراء إلى عالم الأزياء

    كان الجو شديد البرودة في منتصف فبراير إلى درجة تتجمد فيها أطرافك، رغم السماء الصافية وأشعة الشمس التي تلقي بوميضها فوق الثلج الأبيض. كنا نحث الخطى بثب

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ