“سانت كاترين” ملتقى الأديان

بقلم: محمد طاهر

عدسة: أشرف طلعت

في الثالث من محرم عام 624 للميلاد، أرسل النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) صك أمان إلى رهبان متنسّكين داخل دير مسيحي ناءٍ يقع في أقاصي جبال سيناء، رداً على طلبهم الحماية.

وقد عُرف الصك في ما بعد باسم "العهدة المحمدية"؛ ومن بين ما تضمنته سطور هذه العهدة الشريفة -التي مُهرت بتوقيع 21 شاهداً من الصحابة الكرام والتي خطّها بيده علي بن أبي طالب على جلد غزال- أن "لا يُغيّر أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا حبيس من صومعته ولا سايح من سياحته، ولا يهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم ولا يدخل شيء من بناء كنائسهم في بناء مسجد ولا في منازل المسلمين، فمن فعل شيء من ذلك فقد نكث عهد الله وخالف رسوله، ولا يحمل على الرهبان والأساقفة ولا من يتعبد جزيةً ولا غرامة وأنا أحفظ ذمتهم أين ما كانوا من بر أو بحر في المشرق والمغرب والشمال والجنوب وهم في ذمتي وميثاقي وأماني من كل مكروه".
وقد التزم المسلمون منذ ذلك الوقت، بعهدة نبيّهم ووصاياه السمحة؛ إذ أمن رهبان الدير -الذي عرف في ما بعد بـ"دير سانت كاترين"- على مقدساتهم وأملاكهم ومارسوا شعائرهم بكل حرية، لا بل ساهم المسلمون عبر قرون من الزمن في ترميم الدير ودفع الأذى عن ساكنيه اقتداء بسُنة رسولهم الكريم.

يعيد المؤرخون تاريخ بناء دير "سانت كاترين" إلى مطلع القرن الرابع للميلاد. ففي أعقاب انهيار مملكة الأنباط بفعل صراعها مع الإمبراطورية الرومانية مطلع القرن الثاني للميلاد، عمّت الفوضى المنطقة الممتدة بين بلاد الشام وسيناء، ما حدا بالنسّاك المسيحيين إلى اللجوء لمناطق وعرة ونائية لاتخاذها صوامع للتعبّد. ومع مرور عقود من الزمن أصبحت المنطقة الوعرة المحيطة بـ"جبل موسى" -أعلى قمم سيناء ومصر قاطبة- مقراً رئيساً للمتعبدين من أتباع عيسى عليه السلام؛ وما لبثت أخبار هؤلاء المؤمنين أن تناهت إلى مسامع الإمبراطورة "هيلانة" -والدة الإمبراطور الروماني "قسطنطين"- التي أمرت، مع بدايات القرن الرابع للميلاد، بتشييد "كنيسة العليقة" بالقرب من مكان الشجرة التي آنس نارها نبي الله موسى عليه السلام. بعد ذلك بـ 200 عام، بنى "جوستنيان" الإمبراطور الروماني، "الكنيسة الكبرى" (أو كنيسة التجلي)، وشيّد سوراً عظيماً ليكون حصناً للدير ورهبانه وممتلكاته من هجمات البدو المجاورين.
تعددت تسميات الدير عبر القرون، وفي ذلك يقول المطران "ديمتري دميانوس" رئيس أساقفة سيناء للروم الأرثوذكس ورئيس الدير الذي تجاوز السبعين: "لدى بناء الدير كان من المفترض أن يُسمى باسم نبي الله موسى، ذلك أنه نادى ربه في هذه المنطقة منذ حوالى 1400 عام قبل الميلاد، لكن الدير اتخذ اسم 'التجلّي' نسبة إلى شجرة موسى التي آنس نارها في المكان نفسه، قبل أن يُطلق عليه في ما بعد 'دير العذراء مريم' ". أما سبب تسميته بدير سانت كاترين فيعود، حسب المطران دميانوس "إلى امرأة مسيحية ذاع صيتها في مدينة الإسكندرية تدعى 'كاترين' اشتهرت بقوة إيمانها وقدرتها على محاججة الكافرين. وقد حاولت السلطات الرومانية إقناع هذه المرأة بالتخلي عن رسالتها والعودة إلى الوثنية؛ لكنها أبت ذلك، فحكم عليها بالإعدام حوالى عام 307". وتذكر المرويات التاريخية أن رُفاة جثمان كاترين نُقل إلى جبل موسى إثر رؤية غريبة رآها أحد كهنة الدير. وتوجد اليوم بقايا هذا الرفات داخل صندوقين من الفضة يضم أحدهما جمجمتها والثاني يدها اليسرى. ومنذ ذلك الحين كُنّي الدير باسمها ليصبح الاسم الرسمي، كما يقول المطران دميانوس: " 'دير طور سيناء' وبين قوسين دير سانت كاترين".
يسكن الدير حالياً 25 راهباً، وثمة 10 رهبان جدد قيد الاختبار، حسب المطران دميانوس، الذي أوضح أن عدد رهبان الدير المقيمين بلغ أوجه خلال القرن السادس عشر، إذ كان ثمة 700 راهب يقيمون في محيط الدير داخل كهوف و"قلايا" التعبد، إضافة إلى 40 آخرين داخله. ويشير المطران ذو اللحية البيضاء الكثّة: "صحيح أننا جزء من الكنائس الأرثوذكسية الموجودة في اليونان وروسيا وأوكرانيا ودول البلقان، إلا أننا نحتفظ بعلاقات جيدة مع كل الكنائس الغربية، ونستقبل الجميع هنا من دون تفرقة وبكل ترحاب وروح سمحة".

يحظى الدير بقيمة أثرية وتاريخية عظيمة، فقد أُدرج ضمن مناطق التراث الثقافي العالمي. وهو يشبه في شكله حصون العصور الوسطى الأوروبية، بسوره العالي من حجارة الغرانيت والذي تتراوح ارتفاعاته ما بين 12 و 15 متراً وتتخطى سماكة جدرانه المترين. وتقبع داخل هذا السور "الكنيسة الكبرى" وفي مواجهتها "كنيسة العليقة" ومن ورائها "بئر موسى" التي تمد المجمّع بالماء. وفي مقابل "الكنيسة الكبرى" يقف "مسجد الحاكم بأمر الله" الصغير الذي بناه "أبو المنصور أنوشتكين" -أمير الجيوش الفاطمية- بمئذنته البيضاء ذات الأمتار العشرة طولاً والذي يحوي منبراً يُعد أحد ثلاثة منابر خشبية كاملة من العصر الفاطمي الأول.
تضم "الكنيسة الكبرى"، في ما تضم، أقدم أيقونة للعذراء مريم، إضافة إلى هدايا قيّمة أرسلها ملوك وأمراء على مر القرون من بينها ثريات من الفضة الخالصة، وقطع فنية من حضارات متعددة؛ فسيفساء عربية وأيقونات روسية ويونانية وجورجية ولوحات جدارية زيتية. أما أهم محتويات الدير على الإطلاق فهي "مكتبة المخطوطات"، التي تعد واحدة من بين أكبر المجموعات الخطية في العالم، والتي تأتى في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد مكتبة "الفاتيكان" الشهيرة بنفائسها التى لا تقدَّر بثمن.
يقول الدكتور "عبد الرحيم ريحان" في دراسته القيّمة "سيناء ملتقى الأديان والحضارات" إن مكتبة دير سانت كاترين تحوي زهاء ستة آلاف مخطوط، أقدمها "التوراة اليونانية" المعروفة باسم "كودكس سيناتيكوس" وهي نسخة غير تامة كتبها عام 331 "أسبيوس" أسقف قيصرية.
موضوعات ذات صلة
  • أين دفنت كليوباترا؟ أين دفنت كليوباترا؟

    أين دفنت كليوباترا؟ سؤال ما فتئ يحير علماء التاريخ والآثار منذ أن وضعت آخر فراعنة مصر حداً لحياتها بواسطة السم وهي بعد في الـ39 من عمرها. فقد تعددت ال

  • كيف تبدو أرض الكنانة كيف تبدو أرض الكنانة

    كيف تبدو أرض الكنانة بعد مرور عام ونصف تقريباً على ثورة 25 يناير؟ سؤال تصعب الإجابة عليه وسط فوضى التصريحات والمواقف السياسية والمطالبات الفئوية والإن

  • الفراعنة السود الفراعنة السود

    بقلم: روبرت درايبر عدسة: كينيث غاريت وقد ظل بعنخي على مرّ عقدين من الزمن يحكم مملكته في النوبة، وهي منطقة من إفريقيا يقع الجزء الأكبر منها بالسودان ا

  • سكة لبنان المنسية

    حوالى 125 عاماً، منحت السلطات العثمانية الضوء الأخضر لإحدى الشركات الخاصة لإطلاق أول خط سكة حديد في ما كان يعرف آنذاك بـ"جبل لبنان". وما إن حل عام 189

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ