نــزاع حـدودي بين القرَدة والبشر

قلم: ديفيد كوامن

عدسة: رونان دونوفان

تتضاءل موائل قرَدة الشِمبانزي في غابات أوغندا يومًا بعد يوم، لذا تسطو على المحاصيل الزراعية للقرى، بل تقتل حتى الأطفال؛ فما السبيل إلى حماية البشر ضد حيوان يحظى بحماية البشر؟

كانت الحياة شاقّة أصلًا على "نتيغيكا سيماتا" وعائلتها التي كانت تكدّ وتكدح للحصول على لقمة عيش من رقعة أرض صغيرة تقع على حرف جبلٍ في غرب أوغندا. كانت محاصيلهم قليلة وبالكاد تكفيهم للطعام وجني قليل من المال، فإذا بهم يجدون مجموعة من قردة الشمبانزي الجائعة والجريئة تهدد مصدر قوْتهم، وأحيانًا حتى سلامتهم الشخصية. وكانت تلك القرَدة قد ازدادت جرأة واقترابًا من موطنهم قبل عام أو عامين على الحادثة المفجعة؛ إذ كانت تصول وتجول في ربوع قرية "كياماجاكا" بحثًا عن الطعام، منتزعةً الموز من الأشجار، وقاطفةً ثمار المانجو والبابايا وأي شيء يثير شهيّتها. كانت أيديها تمتد إلى ثمار الكاكايا المتدلّية من شجرة قريبة من منزل عائلة سيماتا. وفي يوم 20 يوليو من عام 2014، وقعت الحادثة المروّعة.. حادثةٌ ما فتئت تُبتَلى بها عوائل أوغندية أخرى كذلك. فلقد عَمَد قرد شمبانزي -وأغلب الظن أنه كان ذكرًا بالغًا- إلى اختطاف "موجوني"، ابن عائلة سيماتا الدَّارج، وقتله.
"بينما كنت أحفر في بستان البيت، تسلل إليه قرد شمبانزي"، هكذا قالت نتيغيكا -مستذكرةً تلك الحادثة- خلال مقابلة أُجريت معها في بداية عام 2017. كان معها في ذلك اليوم أطفالها الصغار الأربعة؛ إذ إنها تجمع بين أعباء الأمومة والعمل الشاقّ في الحقول. عندما أدارت ظهرها لتُحضر لهم ماءً للشرب، اغتنَم القردُ الفرصةَ فأمسك بطفلها ذي العامين من يده وانطلق به هاربًا. اجتذب صراخُ الطفل بعض أهالي القرية فساعدوا أمه على مطاردة القرد. لكن هذا الأخير كان عنيفًا وقويًا، فسرعان ما ألحق الأذى القاتل بالطفل. قالت نتيغيكا: "خلع القرد ذراعَه، وضربه على رأسه، وبقرَ بطنه وانتزع كليتيه". بعدها، أخفى القردُ جسدَ الطفل المهترئ تحت كومة من العشب ثم لاذ بالفرار. مات موجوني في الطريق إلى مستشفى بالمنطقة. وما زالت الحياة صعبة في كياماجاكا على بعض الناس.. وبعض الشمبانزي. إذْ استمرت هجمات هذه القردة على صغار البشر بالمنطقة، فبلغت ما لا يقل عن ثلاث حالات قتل وخمس إصابات خطيرة. ويبدو أن المحرك الرئيس لهذا العدوان هو فقدان قردة الشمبانزي موئلَها الطبيعي في مناطقَ بغرب أوغندا، والذي كان يتشكل من غابات خارج نطاق المنتزهات والمحميّات الوطنية، قبل أن يحوّله البشر إلى أراضٍ زراعية ويقطع ما به من أشجار للحصول على أخشاب للوقود والبناء.
تَحدُث تغيّرات سريعة في البنية السكانية والمشهد الطبيعي على امتداد إقليم "كاغادي" (الذي يضم قرية كياماجاكا) إلى الشرق من بحيرة "ألبرت" وجبال "روينزوري"؛ وكذلك الشأن في الأقاليم المجاورة. فالتربة الغنية والبركانية ههنا تدعم عددًا متناميًا من العائلات التي تكسب لقمة العيش من زرع قطعها الأرضية الصغيرة بالذرة والكاسافا والفواكه، ومن محاصيل تدرّ دخلًا ماديًا قليلًا، مثل التبغ والبن وقصب السكر والأرز. وتَعِي "الهيئة الأوغندية للحياة البرية" تمامًا مشكلة الشمبانزي؛ وعلى الرغم من أن القردة الموجودة خارج المناطق المحمية (فضلًا عن تلك الموجودة بالمنتزهات والمحميات الوطنية) تدخل في نطاق مسؤولية الهيئة، فإن الغابات المملوكة للأفراد ليست كذلك. وتعليقًا على الموضوع، قال "سام مواندها"، المدير التنفيذي للهيئة: "للأسف، يصعُب علينا -بل يستحيل- أن نمنع تجريد هذه المناطق من أشجارها. فنحن لا نملك سوى أن نتوسّل إلى الناس.. وأن نثقّفهم. ثم نأمل أن يحدث التغيير المنشود". ولكن من الصعب أن يصمد التقدير الذي تحظى به الغابة بفضل منافعها بعيدة المدى -مثل تخفيف تآكل التربة وتلطيف حرارة الجو- في وجه الضغوط قصيرة المدى التي تدفع السكّان لزراعة المحاصيل الغذائية. لذا فإن الحاجة الملحّة -حسب قول مواندها- هي "نشر الوعي" لدى الناس بضرورة توخي الحذر من الشمبانزي بصفة دائمة. ولتحقيق ذلك، نشرت الهيئة ثلاثة حراس بالمنطقة وأنشأت مركز مراقبة لرصد القرَدة ومساعدة أهالي القرى على تعلم أساليب التعايش معها.

تؤوي قردة الشمبانزي في كياماجاكا -وقد لا يتجاوز عددها ستة في محيط القرية- إلى أوكارها ليلًا في ما تبقّى من أحراجٍ أو غير بعيد في أشجار الأوكالبيتوس المزروعة. وتخرج في النهار لتتغذى من محاصيل الحقول والأشجار المثمرة المحيطة بمنازل القرية؛ إذ إن طعامها في البرية قد اختفى في مجمله. تتحرّك هذه القردة خلسةً على الأرض، في الغالب لأنه لم يتبقَّ شيء من ظلّة الغابات لتتنطط عليه، حتى إنها أحيانًا تكون على اتصال قريب مع البشر. فهي تشرب من الجدول نفسه الذي تجلب منه نساء القرية وأطفالهن الماء. وعندما تقف أو تمشي منتصبة القامة، فإنها تبدو شبيهة بالبشر إلى حدّ يثير الخوف في النفوس. يقول العلماء إن قردة الشمبانزي، وكذلك "بونوبو"، هي أقرب الحيوانات إلينا نسَبًا من الناحية الوراثية. ويصنِّف "الاتحاد الدولي لصون الطبيعة" نوعها -المعروف علميًا باسم (Pan troglodytes)- في قائمة الأنواع المهددة بخطر انقراض كبير. أما تعدادها على امتداد إفريقيا فيبلغ 300 ألف قرد على أقصى تقدير، وقد يكون أقل من ذلك بكثير. عند البلوغ، تكون هذه القردة حيوانات كبيرة خطِرة؛ فقد يصل وزن الذكر إلى نحو 60 كيلوجرامًا، أما قوته فتزيد بمقدار النصف عن قوة رجل بحجمه.
وغالبًا ما تتغذى قردة الشمبانزي التي تعيش في غابات خصبة، بالثمار البرية كالتّين؛ لكنها يمكن أن تقتل وتأكل قردًا من نوعٍ آخر أو ظبيًا صغيرًا كلما سنحت لها الفرصة؛ إذ تمزق جسم فريستها أشلاءً وتتقاسمها فيما بينها باهتياج. ولأنها تنزع إلى التوجس من البشر البالغين، فإن سلوكها العدواني تّجاههم، إنْ حدثَ، يكون ضد الأطفال عادةً. وتحظى قردة الشمبانزي في أوغندا بالحماية القانونية: فصيدها أو قتلها ممنوع قانونًا. كما أنها محميّة بموجب تقاليد شعب "البونيورو" السائد في غرب أوغندا، والذي يحرّم صيدها وأكلها، على خلاف ما تفعله بعض القوميات الكونغولية على الطرف الآخر من الحدود.
ظلّت نتيغيكا سيماتا تعيش وزوجها "أوموهيريزا سيماتا" في منزلهما على مرّ ثلاثة أعوام بعد صدمة اختطاف ابنهما وقتله. لكنها لم تعد تقدر على العمل في بستان المنزل، وصار الخوف يسيطر عليهم أحيانًا كلما أرادوا تناول الطعام. قالت نتيغيكا: "أشعر بالخوف طوال الوقت من عودة قردة شمبانزي أخرى". وبنهاية عام 2017، كانت عائلة سيماتا قد هجرت المكان وأصبحت تعيش حياة هامشية في غرفة استأجرتها في مكان يبعد نحو خمسة كيلومترات عن منزلها الأصلي. هنالك قالت نتيغيكا: "أشعر بأننا قُذفنا في براثن الفقر تارة أخرى".

لم يكن مَقتل موجوني سيماتا حادثة منفردة. إذ أفادت تقارير الشرطة من بلدة "موهورورو" (التي توجد في ضاحيتها قريةُ كياماجاكا التي تؤوي مئات العوائل) بحدوث هجمتين للشمبانزي على الأطفال خلال عام 2017. ففي يوم 18 مايو من ذلك العام، اختطفت قرَدة شمبانزي طفلةً دارجة تدعى "ماكولاتي روكوندو" في حقل ذرة أثناء عمل أمها فيه. تمكّن حشد من الأهالي ومعهم رجال الشرطة من تتبّع القرَدة إلى رقعة غابوية، حيث وجدوا الطفلة الصغيرة جثةً هامدة في بركة من الدماء. وبعد خمسة أسابيع، اختطفت مجموعة من الشمبانزي (لعلها كانت المجموعة السابقة نفسها) صبيًا في ربيعه الأول من بستان منزلي آخر وهو على مقربة من أمه. عندها طاردت مجموعةٌ من أبناء القرية تلك القرَدة إلى أن طرحت الطفل أرضًا. لقد نجا من الحادثة. وتوالت أحداث من ذلك القبيل في المنطقة.
وترِد رواياتٌ على الشاكلة المريعة نفسها من أماكن أخرى بغرب أوغندا: طفل قتله قرد شمبانزي في مزرعة لقصب السكر في "كاسونغوري" عام 2005؛ وأربعة اعتداءات من الشمبانزي على أطفال أسفرت عن مقتل طفل واحد قرب "محمية بودونغو الغابوية" في مكان أبعد شمالًا؛ وثمانية اعتداءات في تسعينيات القرن الماضي، ارتُكب سبعة منها في الغالب على يد ذكر شمبانزي واحد مارق بمحاذاة "منتزه كيبالي الوطني". وتشمل تلك الحالات في معظمها قرَدةً هوجاء في لحظة مشؤومة بعينها، لا حيواناتٍ اعتادت قتل البشر. حدث ذلك في أماكن أخرى ضمن نطاق وجود الشمبانزي في إفريقيا، مثل حادثة سيئة الذكر وقعت في "منتزه غومبي ستريم الوطني" في تنزانيا -حيث أجرت عالمة الرئيسات الشهيرة "جين غودال" بحوثها-؛ إذ اختطف ذكرُ شمبانزي بالغ طفلًا رضيعًا وقتله في عام 2002.

ليس بنو البشر وحدهم من يواجه حياة بئيسة كهذه. إذ وقعت حالات قتل لقرَدة الشمبانزي كذلك، لأسباب انتقامية أو دفاعية؛ على الرغم من القانون والعُرف السائد لدى مجتمعات غرب أوغندا. فهُم في نهاية الأمر أُناس ضعفاء وقلقون يخشون على أولادهم. في أواخر عام 2018، قُتل ذكر شمبانزي برمية رمح، وضُربَت أنثى يافعة بالعصي والحجارة حتى النفوق. وتتجلّى كل أوجه الصراع الأليمة هذه بوضوح في مكان يدعى "بوليندي" حيث تخضع التفاعلات المتوترة بين مجموعة من الشمبانزي والبشر لدراسة عالم أحياء بريطاني يدعى "مات ماك لينان". وكان ماك لينان قد أتى إلى أوغندا عام 2006، يومَ كان طالبًا يدرس لنيل شهادة الدكتوراه في "جامعة أوكسفورد بروكس" بإنجلترا، لدراسة سُبل تأقلم الشمبانزي سلوكيًا مع العيش في بيئة طبيعية عدّلتها أيدي البشر. وكان يعلم أن "محمية بودونغو الغابوية" تشكل موئلًا جيدا يؤوي 600 شمبانزي، وأن محمية غابوية أخرى تدعى "بوغوما" -تقع على بعد 80 كيلومترًا باتجاه الجنوب الغربي- تؤوي من تلك القردة عددًا مماثلًا تقريبًا. ولكن بين هذين الملاذين، كان المشهد الطبيعي خليطًا من مزارع صغيرة ومشروعات كبيرة لزراعة قصب السكر، مع تعداد سكاني بشري متزايد ورُقَع غابوية ما تفتأ تتقلّص. وكانت هذه المنطقة الوسطى تؤوي نحو 300 شمبانزي في الرُقع الغابوية، حيث تتجرأ بالخروج إلى الأراضي الزراعية للسطو على المحاصيل. وقد كان كثير من تلك الأراضي خاصًا؛ وبإنـفـاذ "قانون الأراضي" لعام 1998 -الذي رسّم الحيازة التقليدية للأراضي في أوغندا بسندات ملكية- شعر الناس بمزيد من الأمان وراحوا يجرّدون غاباتهم من الأشجار لتحويلها إلى أراض زراعية. وبذلك صارت حياة الشمبانزي في ذلك المشهد الطبيعي محفوفة بالمشاكل، سواء أتعلّقت المسألة بقرد واحد أم بمجموعة قرَدة.
وقد جذبت تلك الظروف المعقّدة ماك لينان إلى "بوليندي"، وهي بلدة تقع في موضع يقارب منتصف الطريق بين محميّتَي بودونغو وبوغوما، حيث وجد مجموعة شمبانزي تضم ما لا يقل عن 25 قردًا. هنالك شرع الرجل في العمل مع منسّق بحوث محليّ يدعى "توم سابيتي"؛ إذ جمعا بيانات عن بيئة عيش الشمبانزي من أدلة غير مباشرة، مثل عيّنات من برازها، ومعاينات لأوكارها. وكانت تلك مسألةً صعبة؛ إذ إن الشمبانزي في بوليندي شرسة عدوانية، على خلاف نظيرتها الوحشية التي تعيش في موئل فسيح جيد ويغلب عليها النفور من البشر. قال ماك لينان: "اكتشفنا سريعًا أنها لا تحبّ وجود البشر في الغابة. وكانت استراتيجيتها تنبني على محاولة ترهيبنا، وهو ما حققته بنجاح كبير". وكانت الذكور البالغة على وجه الخصوص تزعق وتقرع الأرض وتنزع النباتات. ولكنها أصبحت بمرور الوقت تَألف وجود هذين الباحثين؛ ما سمح لهما بجمع البيانات على مرّ عامين اثنين. لكن عمليات إزالة الغابات كانت جارية على قدم وساق، فازدادت قردة الشمبانزي جرأة وجسارة. ووقع أول اعتداء يذكره السكان المحليون، على طفلٍ في عام 2007. وفي العام التالي عاد ماك لينان إلى إنجلترا وكتب أطروحته. وعندما عاد عام 2012 إلى المنطقة لمتابعة دراسته الميدانية، وجد أن الوضع قد تغيّر.
فلقد اختفت الغابة في مجملها، وانتشرت على سفوح التلال حقول الذرة والكاسافا والبطاطس الحلوة وغيرها من منتجات البساتـين؛ فيـما تضــاءل عـدد الشـمبـانزي ضمـن المجمـوعة المحلية، وقلّ عدد الذكور البالغة. ويرجع سبب هذا التناقص -جزئيا- في عدد الشمبانزي إلى النفوق من جراء مصائد تستهدف سيقانها، وهي وسيلة محظورة قانونيًا ومميتة أحيانا تُستخدَم لترويع الحيوانات التي تسطو على المحاصيل، مثل قردة الرباح والشمبانزي. وقد بدت الشمبانزي المتبقية أشرس وأكثر جسـارة، وبخاصة ضــد النسـاء والأطفال. أما قائـمة غذائها من محـاصيل البشر فاتسعت لتشمل مزيدًا من الثمار، مثل الكاكايا؛ مـا أثار استياء الأهالي. واكتشف ماك لينان أن قرَدة بوليندي كانت في طور التأقلم مع الوضع؛ على الأقل حتى ذلك الحين. إذ ازدادت أعدادها قليلًا؛ حتى إنه تفاجأ برؤية أنثى يافعة في أواخر ديسمبر من عام 2019، وهي المرة الأولى التي تظهر فيها أنثى مهاجرة في بوليندي منذ عام 2012 على أقل تقدير.

وقرَدة الشمبانزي هنا متينة وقوية، ولدى جل الإناث صغار رضع. وتشير دراسةٌ لمورّثاتها أن عزلتها تلك لم تُفضِ إلى توالد داخلي (فيما بين الأقارب) شديد. نُشرت الدراسةُ عام 2018 وتـرأستـها "مـورين ماك كارثي" لـدى "مـعهد مــاكس بــلانك للأنثروبولوجيا التطورية". لكن في بعض الأحيان، تحمل الشمبانزي التي تعيش في بوليندي مستويات عالية من الهرمونات المرتبطة بالإجهاد أكثر مما لدى نظيرتها التي تعيش في محمية بودونغو الواقعة على بعد نحو 30 كيلومترا فقط. فهل نفهم من ذلك أن حياة القرصنة التي تعيشها هذه القردة، بالبقاء على مقربة من البشر والسطو على طعامهم، هي حياة مجهِدة بطبيعتها؟ تتعذّر معرفة هل هي تعيش حياة مزدهرة بفضل طعام البشر، أم أنها تعيش في قلق واضطراب بسبب قربها منهم.. أم تعيش الحالتين في آن.
أما أهل بوليندي فلهم مواقف متباينة حيال هذه القرَدة. ومن ذلك موقف رزين تتبنّاه امرأة مسنّة ودود تدعى "ليليان تينكاسيمير" وتعيش في منزل صغير من الطوب الأحمر تزيّنه من الأمام شجرة مانجو ومن الخلف شجرة تين، وكلتا الشجرتين تجتذب قردة الشمبانزي. قالت لي تينكاسيمير: "قردة الشمبانزي ذكية. إن لم يطاردها المرء، فهي تغدو صديقته؛ أما إن طاردها، فسيرى منها شرًّا مستطيرًا". وقد حافظت هذه المرأة على قسم كبير من غابتها؛ إذ إن مبدأَها هو: دع الشمبانزي تعيش هناك؛ دعها تزور المكان". ويأمل ماك لينان أن يشجّع هذا النوع من التسامح ويُسهم فيه. فقد أنشأ هو وخطيبته "جاكي روهن"، "مشروع مجتمع الشمبانزي والبشر في بوليندي". (تُوفيت روهن في مطلع عام 2020 في أوغندا من جراء انصمام رئوي أثناء مواصلة عملها مع ماك لينان). يوفر هذا المشروع مساعدة إنمائية للعوائل التي تسكن المنطقة، وحوافز لتلطيف الصراع بين البشر وهذه القردة؛ مثل: منح رسوم تعليم الأطفال لقاء إعادة تشجير الغابات، وتوزيع شتلات لأشجار بُـنٍّ تنمو في الظل، ومواقد مقتصدة تستهلك كمية قليلة من حطب الوقود، وآبار سبر جديدة تتيح للنساء والأطفال تفادي الشمبانزي عند جلبهم الماء. ولقد أدرك كلٌ من ماك لينان وروهن أن أفضل طريقة للمحافظة على السلم بين أهالي بوليندي وقردة الشمبانزي التي تعيش حولها، هي المساعدة على الفصل بينهما.

أما الوضع فمُختلف في كياماجاكا وغيرها من القرى القريبة من بلدة موهورورو، الواقعة على بعد ثلاث ساعات بالسيارة عن بوليندي. لا يَدرس ماك لينان الشمبانزي الموجودة هنا، ولا وجود لمشروعات مجتمعية مشابهة لمشروعه تمنح الناس حوافز للمحافظة على الغابة أو تتخذ إجراءات لتخفيف الصراع بين البشر والقردة. ولا يدري أحد كم عدد الشمبانزي التي تعيش في ما تبقى من غابة موهورورو (قد تكون 20 قردًا، وربما أقل)، أو المكان الذي قد يقع فيه صراع مُفجع آت ضد البشر. وعلى مسيرة نصف ساعة مشيًا من كياماجاكا، تحدثتُ ودونوفـان مـع رجـل يـدعى "سـواليـكي كـاهـوا"، كـان ولَـده "تويسيغيـومو" (المـعروف باسم عـلي) قـد اختُـطف عـلى يد قرد شمبانزي عام 2016، قبل أن يبلغ ربيعه الثاني. قضى الطفل بعد أن سحبه القرد بعيدًا وأوسعه ضربًا. أحالنا كاهوا إلى شقيقه الأكبر "سيبوا كيسي باغوما"، رئيس القرية، ليخبرنا عن الحادثة. كيسي رجلٌ يجمع بين الوقار والمودّة. أبرز لنا تقريرًا للشرطة وأرانا صورًا ملتقطة للطفل بعد مقتله. كانت ذراع الصبي اليمنى قد شُدّت بعنف حتى كادت تُنتزع من مكانها؛ وكان هناك جرح غائر في العانة لربما أدى إلى انقطاع شريانه الفخذي؛ كما أن بعض أصابعه كانت قد تعّرضت للكسر. ووفقًا للأوقات المدرجة في التقرير، فقد استغرق موت علي نحو 12 ساعة.
وقد ذكر كيسي بنبرة خشنة أن أهالي القرية ظلوا يُنصَحون بالنظر إلى الشمبانزي بوصفها "نافعة"، وبأن السياحة البيئية القائمة على وجود هذه القردة ستجتذب الزوّار إلى حقول الذرة المحيطة ببلدة موهورورو. ثم علّق الرجل على ذلك قائلًا: "نحن لا نرى أي منفعة من ذلك. إنها تقتل أطفالنا". وتطرح المحميّات الوطـنية -مـثل بودونغـو وغيرها- حــيث توجد أعداد كبيرة من الشمبانزي، مشكلةً مـن نـوع خـاص لـ"الهيئة الأوغندية للحياة البرية". إذ تتعرّض تلك المناطق إلى الاضمحلال مـن جراء الاحتطـاب غير القانوني، وزراعة المحاصيل، والاستيطان، وهي ممارسات تتصدى لها الهيئة بحزم بالتعاون مع "الهيئة الوطنية للغابات"؛ بل إن بعض المستوطنين غير القانونيين يُطردون من المحميّات. ولكن عندما تتعلق المسألة بالصراع بين الشمبانزي والبشر ضمن مجتمعات مثل كياماجاكا، فإن "الهيئة الأوغندية للحياة البرية" تعتمد أسلوبًا رفيقًا في التعامل مع المشكلة. إذ يقول "سام مواندها"، المدير التنفيذي لهذه الهيئة إنهم يُحرزون بعض النجاح من خلال أسلوب يقوم على "توعية" الأهالي بالمخاطر المباشرة لوجود الشمبانزي وسط القرى، وكذا بالمنافع الكامنة في وجودها. وكانت رئيسة قرية كياماجاكا، "نورا ناكاوغي"، قد ذكرت لي ودونوفان أن الحل يكمن في إبعاد الشمبانزي، قائلةً: "لا نريد قتلها. ولكنْ، فليأخذوها بعيدًا".

ولِمَ لا تُنقل هذه القرَدة إلى مكان آخر؟ سؤالٌ يطرحه الناس بإلحاح، كما أخبرني ماك لينان. ولكن إلى أين ستُنقل؟ إذ لا توجد موائل شاغرة لتلك الشمبانزي في أي مكان بأوغندا. وسيكون رميها في بيئة تَشغلها قردة شمبانزي أخرى سببًا في حرب فيما بينها. وهناك خيار اضطراري آخر يتمثّل في قتل الشمبانزي لحماية الناس؛ ولكن من المستبعد أن يناصر أحدٌ هذه الفكرة بصفة رسمية. ثم هناك خيار ثالث: اتخاذ تدابير من قبيل منح شتلات أشجار البن، وتوزيع مواقد تتطلب وقودًا حطبيًا أقل، وحوافز لإعادة تشجير الغابات، وآبار السبر، ومصادر الدخل البديلة، والصبر، والتعاطف.
إنها مشكلة نحسبها محلية لكنها ليست كذلك. ذلك أن معضلة أوغندا هذه تنذر بمستقبل قاتم للشمبانزي في كل إفريقيا. فما يجعل قرية مثل كياماجاكا مثيرة جدًا للشفقة، وبلدة مثل بوليندي مهمّة جدا، هو أن ذلك المستقبل في كلا هذين المكانين.. قد صار حاضرًا.
موضوعات ذات صلة
  • اليــاكي بستاني إندونيسيا الأسود

    لولا أنّ قرداً جريئاً صفيقاً اسمه "ناروتو" سرق كاميرا -والعُهدة على الراوي- تعود إلى مصور فوتوغرافي في منتزهٍ إندونيسي، والتقط بها صورة لنفسه (سيلفي).

  • معضلة زيت النخيل

    تمتد الغابات القديمة مئات الكيلومترات في الجنوب الغربي للغابون. في صبيحة يوم من شهر يناير، نزلتُ من قارب ضيق على ضفة نهر "نغونيي" رفقة بعض موظفي شركة

  • جين غودال

    تعد جين غودال إحدى ألمع الأسماء في علم الرئيسات وصون البيئة، إذ تقود جهوداً عظيمة في الحفاظ على قردة "الشمبانزي" وحماية موائلها في الغابات من التدمير.

  • هل يغتال السيركُ مكاكَ اليابان؟

    ارتدت القرَدة زي كرة القدم. إنها قرَدة المكاك الياباني (Macaca fuscata). كان عددها ستة وقد انتصبت على سيقانها مثل البشر وهي مربوطة بحبال إلى مروِّضيها

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ