الجميلة والوحيش

بقلم: محمد طاهر

عدسة: يوسف الحبشي

في عالم يلتهم فيه القوي الضعيف، تمارس واحدةٌ من أرقّ كائنات الأرض وأجملها، تكتيكات دفاعية ناجعة تبقيها على قيد الحياة.
رغم خفتها ووداعتها إلا أن للفراشة -تلكم الحشرة الرقيقة الرهيفة- أعداء كثر في الطبيعة. وهي في سبيل النجاة والبقاء في عالم تسوده شريعة الغاب، تلجأ في مواجهة المفترسات إلى وسائل دفاعية «ناعمة» حَبَتها بها الطبيعة؛ أبرزها التمويه والتفاعلات الكيميائية.
تتماهى الفراشة مع محيطها عبر تنويعات أجنحتها شكلاً ولوناً؛ فتشكل جزءاً يصعب تمييزه من مشهد الطبيعة العام حيناً، أو تُخيف أعداءها برموز دائرية أشبه بالعيون مطبوعة على أجنحتها. أما حين لا ينفع شكلٌ ولا لونٌ في ردع المفترسات، فيكون آخر دواء الفراشة الحرب الكيميائية، عبر إطلاق روائح مُنفرة تبعد المفترسات. أما الأدهى من هذا وذاك فهو اغتذاء يرقات «ملكة جمال الحشرات» على عصارات نباتية مُرَّة؛ فما إن يلتهم مفترسٌ إحداها، حتى يتجنَّب التهام أخرى من بنات جنسها بعدما تجرع مرارة الطعم.
يقول يوسف الحبشي -مصور هذا التحقيق- إن أغرب الفراشات توثيقاً بعدسته، كانت «الفراشة ذات الأجنحة الزجاجية» المعروفة باسم «Glasswing Butterfly». تعتمد هذه الفراشة على شفافية أجنحتها للاختفاء عن أعين المفترسات، ولولا العروق السوداء والشريط البرتقالي المحيط بأجنحتها لكانت غير مرئية تماماً لنا معشر البشر. وأوضح باحثون في دراسة علمية نشرت مؤخراً في دورية (Nature Communications) أن جناح هذا النوع من الفراشات يتألف من تركيبة نسيجية نانوية (متناهية الصغر) على شاكلة قباب متراصة. ويسمح هذا التكوين النسيجي الكيميائي للضوء باختراق الجناح، فيشتته في جميع الاتجاهات بدلاً من عكسه. وعلى الرغم من أن التركيبة النسيجية تتيح للجناح عدم امتصاص ضوء الشمس، إلا أن هذا النوع من الفراشات يستمر في التواصل سراً بين بعضه بعضا عن طريق عكس الأشعة فوق البنفسجية التي لا يراها مخلوق آخر سواه.
في عالم الوحيش، لا تستهينوا بدهاء أجمل المخلوقات.. وأرقّها.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ