بوح الحرير

بقلم: محمد طاهر
عدسة: أسامة السلوادي

حدق الرجل مشدوهاً بالشاشة، قبل أن تجتاحه موجة غضب ويضغط بأصابع يديه على مسندي كرسيه المتحرك في حركة عفوية وكأنه يروم الوقوف على قدميه؛ لقد شاهد للتو عارضة أزياء إسرائيلية تختال أمام الحضور بزي فلسطيني تقليدي وكأنه مُلكٌ لها.
استبد الغيظ بالمصور الفلسطيني الذي عمل 20 عاماً مصوراً فوتوغرافياً لأهم الصحف ووكالات الأنباء العالمية. لم يغمض له جفن حتى انسلال خيوط الفجر الأولى. ألح عليه هاجس منع "تهجير" الثوب كما حصل مع الإنسان الفلسطيني. تساءل في نفسه: ما السبيل إلى حماية وصون تراث أجدادي ومنع مصادرته؟
ما إن دبت الحياة في أوصال الشارع الواقع أسفل شرفة منزله، حتى لمع الجواب في ذهنه؛ لن يَفِلَ حديد "عَبْرنة" الثوب إلا استخدام السلاح الأمضى في الإعلام الحديث: "الصورة". من هنا ولدت فكرة "ملكات الحرير" العمل التوثيقي الذي استغرق تنفيذه قرابة سنتين ما بين إعداد وبحث وتصوير.
"كل الصور والتحضيرات تمت من فوق كرسيي المتحرك" يقول السلوادي بصوت هادئ أشبه ما يكون بالهمس وهو جالس قبالتي في أحد فنادق أبوظبي التي زارها لافتتاح معرض لصوره بداية العام الحالي. يتابع المصور نحيل الجسم ذو السحنة السمراء حديثهُ قائلاً: "لذا فإن لهذا العمل-الكتاب معنىً وطعماً آخرين، بسبب حجم التحديات الهائلة التي واجهتني ليس أقلها الوصول إلى أماكن التصوير القصية والوعرة". أما أبرز العقبات التي واجهها أثناء تنفيذ عمله فتمثلت في العثور على الأثواب المطلوبة، خصوصاً وأن بعضها أصلي وقديم (أحدها يعود تاريخ حياكته إلى أكثر من 120 سنة).
ارتكزت خطة السلوادي، الذي أقعدته رصاصة في الظهر عام 2006 خلال إحدى تغطياته الميدانية في الضفة الغربية، على تصوير سيدات وفتيات يرتدين أزياء تتكامل مع الطبيعة والجغرافيا الفلسطينية؛ من أقصى شمال الجليل الأعلى وصولاً إلى بئر السبع جنوباً مرورا بمدن القدس ونابلس ورام الله وحيفا وغزة. ذلك أن "لكل منطقة في فلسطين ثوبها الخاص الذي يختلف عن غيره في المناطق الأخرى" حسب المصور الفلسطيني الذي يواصل تشريحه الجغرافي قائلاً: "كلما اتجهنا جنوباً في النقب وبئر السبع زاد التطريز وكمية الحرير المستخدمة وكذلك كثافة استخدام اللون الأحمر. أما في شمال الضفة ومنطقة المثلث فيقل التطريز حتى يكاد يختفي تماماً، بحيث يُصنع الثوب من القماش العادي ويزين بربطة للخصر". ويعلل السلوادي هذه الاختلافات بالتفاوتات الاجتماعية والاقتصادية إذ يقول "فالسيدات الأكثر ثراء وتفرغاً يقمن بتطريز أثوابهن بغزارة. أما في المناطق الزراعية حيث تقضي النساء سحابة يومهن في أعمال فلاحية تستنزف الجهد والوقت، فلا مجال ولا مكان للتطريز".
سألت السلوادي عن سبب تسمية عمله التوثيقي "ملكات الحرير". سرح الرجل بنظره بعيداً وكأنه يحاول استحضار التاريخ ثم قال: "نَقَشَ أجدادنا الكنعانيون رسوماً رائعة على جدران المعابد، وقد أعجبت ملكات كنعان بهذه النقوش فنَسَخْنها تطريزاً على ملابسهن الحريرية. بدورهم، أعجب العامة من السلف القديم من جداتنا بهذه البدعة الملكية فقلدنها، وتناقلتها الجدات الفلسطينيات حتى وصلت إلى الحفيدات بالأمس القريب. من هنا رأيت أن لقب 'ملكات' يتماشى مع الحديث عن جداتنا اللواتي ارتدين الحرير".

الموضوع كاملا
موضوعات ذات صلة
  • بهيبته المنيرة، يتوج مسجد قبة الصخرة -التحفة المعمارية التي بناها عبد الملك بن مروان- المشهد في القدس القديمة فوق الدرجات المؤدية إلى ساحته. شوارع القدس العتيقة

    هي موضع أطماع الغزاة، ومحط أنظار شعوب العالم أجمع، والحاضرة الأسطورية التي يروي كل حجر من حجارتها فصلاً مختلفاً من التاريخ بتشعباته القديمة والحديثة.

  • مُعَشَّر مخضرم وقد اسودت يداه جراء التعامل مع خليط البارود المحروق. التعشيـر: رقصـة البــارود

    على وقع الطبول والأهازيج وأبيات الشِّعر، يمارس أبناء بادية وقرى الحجاز، غربي المملكة العربية السعودية، طقساً حربياً تقليدياً يتطلب شجاعة كبيرة ولياقة

أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا