نُذُر الكارثة

قلم: إليزابيث كولبريت

دليل المتشائمين

إننا بفشلِنا في التصدي للتغير المناخي قد دَنَوْنا بكوكبنا من الهاوية. يمكن للابتكارات التقنية أن تجنبنا الكارثة، غير أن ذلك لن يبعث على السعادة.

في نشرة الأخبار المسائية على قناة (CBS) الأميركية يوم 22 أبريل 1970، قال المذيع "والتر كرونكايت": "إننا نشهد نهاية يوم فريد من تاريخ أميركا". هنالك احتَشدَ للمشاركة في أول احتفال بِـ "يوم الأرض" نحو 20 مليون شخص عبر مختلف شوارع الولايات المتحدة، بمعدل شخص واحد عن كل 10 أميركيين، وهو عدد غفير للغاية لم يكن يتوقعه السيناتور "نيلسون جيلورد"، صاحب هذه المبادرة. أَعرَب المشاركون عن قلقهم إزاء الوضع البيئي باندفاع وبأساليب غريبة الأطوار وغير اعتيادية؛ إذ عمدوا إلى الغناء والرقص، وارتدوا أقنعة ضد الغاز، وجمعوا أكوامًا من القمامة. وفي مدينة نيويورك، حمل المتظاهرون في الشوارع أسماكًا نفقت من جراء تلوث المياه؛ وفي بوسطن، استلقى المشاركون على الأرض في "مطار لوغان الدولي"؛ وفي فيلادلفيا، وقَّعت الحشود على وثيقة طويلة وكبيرة أكثر من المعتاد ضمّت جميع الأجناس، وكان عنوانها "إعلان الترابط".
في وقت لاحق، قال نيلسون، وهو ديمقراطي من ولاية ويسكنسن: "لقد تحقق في الاحتفال بيوم الأرض ما كنت أرجو بالضبط. لقد كان حقا انفجارًا شعبيًا مذهلًا". لقد عايشتُ ذلك الاحتفال الأول بِـ"يوم الأرض"، ورغم أني لا أتذكر نهائيا أني شاركت في فعالياته، إلا أني إلى حد كبير نتاجُ تلك اللحظة "الفريدة"، بكل ما طبعها من شعارات واستلقاء للمتظاهرين على الأرض. أمضيتُ فترة السبعينيات تلك في المظاهرات الاحتجاجية تحت المطر؛ محاولةً إقناع زملائي بإعادة تدوير علب الصودا بعد استهلاكها؛ ومرتديةً سروال جينز عريض عند القدمين، طُبعت عليه رسومات أزهار كبيرة؛ وحاملةً في قلبي مشاعر القلق بشأن مستقبل الكوكب. ولما كبرتُ، صرتُ صحافية متخصصة في شؤون البيئة. وبطريقة ما، جعلتُ انشغالاتي البيئية في مرحلة الشباب محور نشاطي المهني. سافرت إلى منطقة الأمازون لأعد تقريرا عن تدمير الغابات هناك، وإلى نيوزيلندا للوقوف على آثار أنواع الكائنات الدخيلة، والى غرينلاند مع فريق من العلماء في رحلة الحفر في صفحات الجليد الذائب. وقد أصبح لي أطفالٌ أيضًا، وكم كنت فخورة بهم حين انضموا للنادي البيئي في مدرستهم؛ وكنت كثيرًا ما أحكي لهم ذكرياتي حين كنت أنقب عن المواد القابلة للتدوير من القمامة في مقصف المدرسة.
أعيش اليوم في نيو إنغلاند، حيث يُخَلد الناس يوم 22 أبريل في احتفال مجيد. تتفتح البراعم في أغصان الأشجار، وضفادع الربيع يتعالى نقيقها إيذانًا بحلول الربيع، وطيور "الفيبي" تبني أعشاشها. وكلما حل "يوم الأرض" في كل عام، أحاول أن أذهب في نزهة إلى الغابة القريبة من منزلي. أبحث هناك عن الضفادع الصغيرة وأستمتع بمشاهدة نباتات لا تكون إلا في الربيع. وفي كل عام تتنامى هواجسي بشأن مستقبل الكوكب.

أما من لم يشاهد "والتر كرونكايت" على قناة (CBS) خلال الاحتفال بـ "يوم الأرض" الأول عام 1970، وشاهد بدلا من ذلك نشرة أخبار قناة (NBC)، فلا بد أنه سمع مقدم الأخبار المثير، "فرانك بلير"، يذيع رسالة غريبة عبر الأثير. إذ ذكر بلير في نهاية تقريره عن احتفالات "يوم الأرض" أن عالِمًا لدى الحكومة -يدعى "جاي. موراي ميتشل"- أطلق تحذيرًا مرعبًا في تلك المناسبة. وقد لخّص تحذيره في هذه الكلمات: ما لم يُفعل شيء للحد من تلوث الهواء، فإن ذلك "سيُحدث تأثير غازات الدفيئة" الذي من شأنه أن يرفع درجة حرارة الكوكب بأكمله؛ وبالتالي فإن هذا التأثير يكفي لإذابة الغطاء الجليدي في القطب الشمالي وإغراق "مناطق شاسعة من العالم".
ربما لم يكن لكثير من المشاهدين أي فكرة عمّا كان يتحدث بلير. ففي عام 1970، لم يكن مصطلح "الاحتباس الحراري" قد نُحِتَ بعد. كان العلماء يعرفون أن بعض الغازات -ومنها غاز ثاني أوكسيد الكربون- تحتجز الحرارة على مقربة من سطح الأرض؛ وهو أمر كان مفهوما منذ العصر الفيكتوري. ولكن قلَّة فقط حاولوا تقييم الأثر المترتِّب على حرق الوقود الأحفوري. كانت النماذج المناخية لا تزال في مهدها. ولكن منذ ذلك الحين أصبحَت تلك النماذج أعقد بكثير. ونحن جميعا نعيش نتائج تغير المناخ الآن، رغم أن شريحة كبيرة من الناس لا تزال تتمنع عن القبول بعلم تغير المناخ. وتتعرض منطقة الجليد الدائم في القطب الشمالي للانحسار، وهو الجليد البحري الذي يغطي المنطقة شتاءً وصيفًا. فعلى مدى نصف القرن الماضي، تقلص حجم هذا الجليد بنحو أكثر من ثلاثة ملايين كيلومتر مربع. كما أن مستويات البحار ترتفع بوتيرة أسرع من أي وقت مضى إلى حد كبير بسبب تسارع ذوبان الجليد في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية.
وما فتئت المدن الساحلية المنخفضة في الولايات المتحدة تشهد ما يُطلَق عليه "فيضان اليوم المشمس"، وهو ما يحصل حين يرتفع المد ارتفاعًا كبيرًا فيُغرق شوارع المدن. وتتوقع "الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأميركية" (NOAA) أنه بعد بضعة عقود من الآن، سيكون هذا النوع من الفيضانات شائعًا في مدنٍ أكثر بالولايات المتحدة. وفي أفق عام 2050، يُنتظر أن تشهد مدينة نورفولك بولاية فيرجينيا طوال نصف السنة تقريبًا فيضانات بسبب المد العالي. ومن شأن هذا النوع من ارتفاع مستوى سطح البحر أن يجعل الحياة صعبة في أماكن مثل نورفولك، وهو قادر كذلك على أن يجعل الحياة أمرًا مستحيلا في أماكن مثل جزر مارشال وجزر المالديف. ووفق نتائج دراسة حديثة لباحثين أميركيين وهولنديين، يُتوقَّع أنه بحلول منتصف هذا القرن، سيُصبح جل الجزر المرجانية مهجورًا. وما الفيضانات إلا واحدة من العواقب المؤسفة للعبث في التعامل مع حرارة كوكب الأرض. فاحترار كوكبنا تنجم عنه موجاتُ جفاف أشد وعواصف أشرس، فضلًا عن الرياح الموسمية غير المنتظمة. ومتى ما ازدادت الأرض سخونةً، كانت مواسم حرائق الغابات أطول والحرائق أكثف وأوسع نطاقًا.
قبل عام 1970 بالولايات المتحدة كان من النادر أن تشب حرائق هائلة، وهي حرائق تلتهم أزيد من 40 ألف هكتار. وقد شهد البلد منها العشرات خلال العقد الماضي. ففي صيف عام 2019، التهمت حرائق الغابات أكثر من 7 ملايين هكتار في سيبيريا، والتي تكاد تعادل مساحتها مساحة أيرلندا. فقد غطَّى المنطقةَ ضبابٌ من الأدخنة مُحمَّلٌ بالأسقام، وهو ما جعل مسؤولي الصحة ينصحون سكان مدن مثل كراسنويارسك إلى تجنب الخروج من منازلهم إلا للضرورة القصوى. وفي أواخر عام 2019 ومستهل عام 2020، أتت الحرائق في أستراليا على أكثر من 9.5 مليون هكتار من الأراضي. ليس ذلك فحسب، فقد بات ينجم عن سخونة الأرض تزايد حالات تدهور التربة، وتبيّض الشعاب المرجانية، وموجات القحط القاتلة، فضلًا عن اتساع ظاهرة المناطق البحرية الميتة. يمكنني أن أسترسل في تعديد الآثار الخطيرة للتغير المناخي، ولكنني سأتوقف هنا. ومن وجهة نظري، فإننا نلمس بالفعل قدرا كبيرا من الضرر، وأن الوضع يزداد سوءًا عامًا بعد عام.
تُرى كيف سيكون حال الأرض عام 2070، في الذكرى المئوية لـ"يوم الأرض"؟ يعتمد ذلك بشكل واضح على مدى الكربون الذي ينبعث من الآن إلى ذلك الحين. وللقارئ أن يعلم أنه في الفترة التي تستغرقها قراءة هذا المقال فحسب، يُطلق العالم نحو نصف مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ولكن الوضع بالفعل صار مقلقًا إلى حد يمكن فيه التكهن بما سيؤول إليه مستقبل كوكب الأرض.

كان صدى الاحتفال أول مرة بـ "يوم الأرض" قد انتشر كالنار في الهشيم بين مختلِف وسائل الإعلام الأميركية. ومن ذلك أن قناة (NBC) الإخبارية خصصت أسبوعا كاملًا لمواكبة هذا الحدث من خلال برنامج "توداي" الذي كان يشرف على تقديمه الصحافي، "هيو داونز". قال هذا الأخير في مستهل تقديمه للبرنامج: "لقد دنّسنا أمنا الأرض ببقايا نمط حياتنا المسرف؛ فالمحيطات في أرضنا تحتضر وهواؤنا صار ملوثًا". تابع داونز كلامه قائلًا: "هل لدينا الإرادة لقلب نمط حياتنا رأسا على عقب؟ فلا حلَّ لنا سوى فعل ذلك. أما إذ شغَلنا حب الدنيا والتملك فنتمادى في ضلالنا، فإننا سنختنق أو نَهلك بالطاعون أو المجاعة. قد نصير إلى هذا الوضع بعد قرن من الآن، وربما في غضون العقدين المقبلين".
في عام 1970، بلغ عدد سكان الأرض 3.7 مليار نسمة، وكان على الطرقات نحو 200 مليون سيارة وشاحنة، وكان استهلاكُ النفط يناهز الـ 45 مليون برميل يوميا. في ذلك العام، بلغ مجموع ما أُنتج من لحم الدواجن نحو 13 مليون طن، ومن المأكولات البحرية نحو 65 مليون طن. أما اليوم فهناك ما يقرب من ثمانية مليارات نسمة، ونحو 1.5 مليار من المَركبات تسير فوق الأرض. وقد فاق الاستهلاك العالمي للنفط الضعف، وكذلك استخدامُ الكهرباء. كما تضاعف استهلاك الفرد الواحد من الدواجن أربع مرات تقريبا. وازدادت كميات صيد الأسماك في أعالي البحار على الصعيد العالمي بمقدار النصف تقريبًا، وإن كان الصيد الجائر قد جعل العثور على الأسماك أمرًا صعبًا. وبعبارة أخرى، فإننا "لم نتوقف قط عن طلب المزيد المزيد"، كما قال داونز. ومع ذلك فإن الإنسان لم ينجُ فحسب، بل إنه -استنادًا إلى جملة من المقاييس- استطاع أن يرتقي بحياته. فعلى الصعيد العالمي، ارتفع أمَد العمر المتوقع عند الولادة من 59 عامًا في عام 1970 إلى 72 عامًا اليوم. ورغم أن أعداد البشر على هذا الكوكب ازدادت بأكثر من الضعف، فإن عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع تقلص إلى النصف.
وبالعودة إلى الوراء، نُدرك بسهولة أن توقعات داونز لم تكن دقيقة؛ إذ لم تضع في الحسبان أن ما حققه الإنسان لاحقًا من إنجازات في مجالات متعددة مثل الثورة الخضراء، والتي جاءت بأصناف نباتات جديدة وتقنيات زراعة مبتكرة؛ مما أتاح زيادة إنتاج الحبوب على مدى الخمسين عامًا الماضية فاقت وتيرة تزايد عدد سكان الأرض. في عام 1970، كانت تربية الأحياء المائية شبه معدومة، أما الآن فيُنتَج نحو مئات ملايين الأطنان من السمك كل عام.
بل إن الاحتفال بـ "يوم الأرض" كان بحد ذاته كافيا ليحض على التغيير. فبعد سبعة أشهر فقط، خرج ملايين الأميركيين إلى الشوارع، كما أُنشئت "وكالة حماية البيئة" الأميركية. وفي غضون الأعوام القليلة التي تلت، اعتمد الكونغرس جملة من القوانين البيئية الرئيسة في البلد، ومنها "قانون المياه النظيفة" و"قانون الأنواع المهددة بالانقراض"، فضلًا عن تعديلات جوهرية على "قانون الهواء النظيف". وقد أدت هذه الترسانة من القوانين بدورها إلى ابتكارات تقنية، مثل أجهزة تنظيف غازات المداخن في محطات توليد الكهرباء.
فلماذا لا نفترض أن هذا النوع نفسه من الابتكارات، في المجالين التقني والاجتماعي على حد سواء، سيجنبنا التداعيات الخطيرة للاحتباس الحراري على حياتنا؟ بالتأكيد، فأنا أعتقد أنه سيكون ثمة إنجازات كثيرة من الآن وحتى عام 2070. ففي أثناء الاشتغال على تقريري هذا، ركبت سيارات هيدروجينية لا ينبعث عنها سوى بخار الماء، وشاهدت آلات تمتص ثاني أوكسيد الكربون من الهواء. وسيأتي المستقبل القريب بلا شك باختراعات أخرى لا تخطر على البال.
لكن، للأسف، فإن مشكلة التغير المناخي تكتسي طابعًا خاصًّا. فثاني أوكسيد الكربون يتكدس في أرجاء الغلاف الجوي مئات بل آلاف السنين. وهذا يعني أنه حتى لو تمكنا من خفض انبعاثاته اليوم، فإن كمية ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ومشكلة تغير المناخ ستزداد تفاقمًا. فكما أن مستوى الماء في حوض الاستحمام يستمر في الارتفاع ما لم يُغلق صنبور الماء، فإن درجة حرارة الأرض ستستمر في الارتفاع إذا لم نُوقِف الانبعاثات نهائيًا.
إلا أننا لم نقس مدى تأثير ما ننفثه في الهواء من ثاني أوكسيد الكربون على بيئات أخرى، وذلك لأن المحيطات الكبرى تحتاج في الأغلب إلى وقت طويل لترتفع درجة حرارة مياهها، عند مستوى معين من ثاني أوكسيد الكربون. وقد ارتفع متوسط درجات الحرارة العالمية بمقدار درجة مئوية واحدة منذ ثمانينيات القرن الماضي، غير أنه نظرا للتفاوت الزمني في المنظومة (بين ارتفاع نسبة ثاني أوكسيد الكربون وارتفاع درجة حرارة الأرض)، فإن العلماء يحذرون من أن حرارة كوكبنا سترتفع بنصف درجة مئوية أو نحو ذلك. وعلى العموم، يبدو أننا لا نلمس تأثيرات التغير المناخي إلا في وقت لاحق من تسببنا فيها.
لكن ما هي درجة الاحترار التي تصبح بفعلها هذه التغيرات الكارثية أمرًا لا مفر منه؟ (ولنضرب مثالًا لتلك التغيرات المحتملة: إذا انحسر الغطاء الجليدي في غرينلاند تمامًا، فإن مستويات البحار في العالم سترتفع بنحو ستة أمتار). يحذر العلماء من احتمال وقوع ذلك إذا ما تجاوز متوسط ارتفاع درجة الحرارة السطحية في العالم درجتين مئويتين مقارنة بما كان عليه منذ عصر ما قبل الصناعة؛ مع التنبيه إلى أن ذلك قد يحصل إذا ما تجاوز متوسط ارتفاع درجة الحرارة السطحية في العالم 1.5 درجة مئوية. وللحفاظ على الحرارة عند أقل من درجتين، فإنه يجب خفض الانبعاثات العالمية بنسبة لا تقل عن النصف خلال العقود القليلة المقبلة، حتى نقلصها إلى مستوى الصفر في أفق عام 2070 أو نحو ذلك.

من الناحية النظرية، فإن الأمر ممكن. فمعظم -أو ربما جميع- البنى التحتية التي تستمد طاقتها من الوقود الأحفوري في العالم يمكن الاستعاضة عنها بخلايا الطاقة الشمسية والتوربينات الهوائية ومحطات الطاقة النووية. ومن الناحية العملية، لم تفلح الطفرة الهائلة الحالية في طاقة الرياح والطاقة الشمسية في تقليص استخدامنا الوقود الأحفوري، لأننا لا نكفّ عن المطالبة بالمزيد من الطاقة. ذلك أن مستوى الانبعاثات العالمية لا يزال في تصاعد حتى وإن صارت آثار التغير المناخي أوضح فأوضح اليوم. إذ سجَّلت هذه الانبعاثاتُ في عام 2019 رقمًا قياسيا جديدًا بلغ 43.1 مليار طن. وقد فشلت مرة أخرى قمة المناخ التي عقدتها منظمة "الأمم المتحدة" في مدريد خلال شهر ديسمبر الماضي. وإذا استمر الوضع الراهن، فإن العالم في عام 2070 سيصير مكانًا مختلفا للغاية وأخطر.. حيث يُجبَر ملايين الأشخاص على هجر منازلهم بسبب الفيضانات والقحط والحرائق، وربما أيضا الاضطرابات المرتبطة بالمناخ.

في عام 2019، كتبتُ نعيًا لحلزون يدعى "جورج". كان جورج بطول 2.5 سنتيمتر، وله جسم رمادي وقوقعة ذات لونين، بني وبيج. وكان قد عاش عمره كاملًا 14- عامًا- داخل منشأةِ تكاثرٍ في "هونولولو"، حيث ظل باحثون من "إدارة المياه والغابات والحياة البرية" بجزيرة هاواي يبحثون له عن أنثى ليتزاوج معها، ولكن من دون جدوى. وعندما لم يجدوا له شريكة خلصوا إلى أنه ربما يكون آخر عضو معروف من نوعه المسمّى علميًا (Achatinella Apexfulva). وبعد بضعة أيام على نفوق جورج، نشر القسم قصيدة تأبين في رثائه بعنوان "وداعًا أيها الحلزون الحبيب.. الأخير من نوعه".
وهكذا أُضيف هذا الحلزون إلى قائمة طويلة من أصناف المخلوقات المنقرضة منذ عام 1970. ويضيف بعض العلماء إلى القائمة كائنات أخرى، منها: طائر الغطاس الكولومبي، وسمندل بحيرة يونّان، والضفدع الذهبي، والضفدع المَعِدي، والغزال السعودي. وثمة مئات من المخلوقات الأخرى، مثل دلفين نهر يانغتسي، التي صنفها "الاتحاد الدولي لصون الطبيعة" (IUCN) على أنها "ربما انقرضت". ذلك أن جلها اختفى من الوجود منذ عقود خلت. على أن القائمة لا تضم سوى الأنواع التي قيّمتها هذه المنظمة (ويُعتقد أن القائمة تشكل 2 بالمئة فقط من الكائنات التي انقرضت بالفعل). وتُظهر تقديرات حديثة أن معدلات الانقراض تضاعفت مئات المرات (أو ربما آلاف المرات بالنسبة إلى بعض المنظمات المعنية) مقارنة بما كانت عليه على مرّ جل التاريخ الجيولوجي.
وفي مقابل كل نوع يوجد على شفير الهاوية، ثمة أنواع كثيرة غيره تسير في الاتجاه نفسه. فحسبَ "تقرير الكوكب الحي" الصادر عن "الصندوق العالمي لصون الحياة البرية" (WWF)، تقلصت الأنواع البرية من الثدييات والطيور والأسماك والزواحف والبرمائيات، في المتوسط، بنسبة 60 بالمئة منذ أول احتفال بـ "يوم الأرض". (ولا يعني ذلك انخفاض مجموع أعداد تلك الحيوانات كل على حدة بنسبة 60 بالمئة؛ ذلك أن الخسائر التي لحقت بالمجموعات الصغيرة تختلف في أثرها عن تلك التي تلحق بالحيوانات الفردية.. ومع ذلك فإن هذه الإحصائيات نذير شؤم). وخلصت دراسة نُشرت في الخريف الماضي إلى أن أعداد الطيور في أميركا الشمالية تقلصت بنحو ثلاثة مليارات عمّا كانت عليه قبل 50 عامًا، أي بنسبة تراجع تقدر بـ 30 بالمئة. كما كشفت الدراسة أن من بين الأنواع التي تقلصت أعدادُها كثيرًا، الشحرورُ وعصفور الدوري.
و"إنها حقًّا لَأرقامٌ صاعقة"، يقول "كين روزنبرغ"، عالم متخصص في المحافظة على الكائنات الحية لدى "مختبر كورنيل لعلم الطيور" والمؤلف الرئيس للدراسة المذكورة آنفًا. ويبدو أن أعداد الحشرات تتقلص أيضا؛ إذ توضح دراسة لباحثين أوروبيين نُشرت عام 2017 أن الكتلة الحيوية للحشرات الطائرة في عدد من المحميات الألمانية تضاءلت بنحو 76 بالمئة، وذلك خلال العقود الثلاثة الأخيرة فقط. وإذْ ارتفع متوسط أمد العمر لدى الإنسان مقارنةً بما كان عليه في عام 1970، فإن العكس هو الصحيح لدى جل المخلوقات الأخرى. ويمكن إرجاع هذين المَنْحَيين معًا إلى المصدر نفسه. فمن أجل توفير الغذاء والمسكن والطاقة لسكان كوكبنا المتزايدة أعدادُهم، استأثرنا بمزيد من موارد العالم بلا هوادة. وبذلك فقد تسبب الإنسان بإلحاق ضرر كبير بنحو ثلاثة أرباع الأراضي غير المغمورة بالجليد. وقد تعرض أزيد من 85 بالمئة من بيئات المناطق الرطبة في العالم إلى الاختلال والتدهور. وتوسع نطاق الزراعة عبر العالم، إذ تزايدت مساحة الأراضي ذات المحصول الواحد، فيما تقلصت الأراضي التي كانت توفر أعشابُها البرية مصدر قوت للحشرات المحلية، والتي تشكل بدورها مصدر غذاء للطيور. وحتى في أماكن مثل المنتزهات الوطنية، فإن الموائل الصالحة لأنواع كثيرة من الكائنات الحية آخذة في التقلص بسبب عوامل مثل تغير المناخ والكائنات الدخيلة. وفي السياق ذاته، قالت خبيرة الحفاظ على الكائنات الحية، الراحلة "راشيل كارسون"، إنه "يجب أن يكون للمخلوقات البرية، مثل الإنسان، مكان تحيا فيه".
ويبقى السؤال العريض للأعوام الخمسين المقبلة هو: هل سيستمر الإنسان على النسق نفسه الذي كان عليه قبل خمسين عامًا. يمكن للإنسان أن يقرر بصورة جماعية الحد من تأثيرات سلوكه على أنواع المخلوقات الأخرى، وذلك بوسائل منها: إنهاء اجتثاث الغابات، وإنشاء ممرات حفظٍ للربط بين الموائل الطبيعية المتفرقة. ولكن كما هو حالنا مع تقليص انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، ليس ثمة ما يشير إلى أن الأمر سيحصل. بل على العكس، فقد زادت معدلات تدمير الغابات الاستوائية على مرّ الأعوام القليلة الماضية. والحال أن "شبكة الحياة المتداخلة على الأرض تضيق وتزداد توترًا"، على حد تعبير "جوزيف سيتيلي"، عالم الأحياء لدى "مركز هيلمهولتز لأبحاث البيئة" بألمانيا، والذي شارك في الإشراف على التقرير المذكور آنفًا.
وبطبيعة الحال، قد لا تَصحُّ توقعات سيتيلي وزملائه، وللسبب نفسه بالنسبة إلى توقعات داونز. ربما سيتمكن الإنسان من تطوير درونات (طائرات مسيَّرَة) تحمل حبوب اللقاح؛ وهي بالفعل قيد الاختبار. وقد نتوصل إلى سبل للتصدي لارتفاع منسوب مياه البحار والعواصف الشديدة وموجات القحط الحادة. وقد تساعد أنماطٌ جديدة من المحاصيل المعدَّلة وراثيًا على الاستمرار في توفير الطعام للأعداد المتزايدة من سكان الأرض، حتى مع ارتفاع درجة حرارة الأرض. وفي النهاية، قد يكتشف الإنسان أن "شبكة الحياة المتداخلة على الأرض تلك ليست أساسية لاستمرار وجوده".
قد يبدو ذلك السيناريو في نظر بعض الناس مُفرحًا. لكني أرى فيه ما يُدخل الروع في القلب. إذ يعني أن الإنسان سيتمادى في نهجه هذا، فيواصل تلويث الغلاف الجوي، وتجفيف الأراضي الرطبة، واستنزاف المحيطات من أسماكها، وإخلاء السماء من طيورها وحشراتها. وفي حال تحرَّرنا من الاعتماد على الطبيعة، فإننا سنجد أنفسنا وحيدين في هذا الكون أكثر فأكثر؛ ويومئذ لن يؤنس وحدتنا إلا الدرونات المستوحاة من الحشرات.. إن استطعنا إليها سبيلًا.
موضوعات ذات صلة
  • الخطـر القــادم.. من أنتـاركتيـــكــا

    يبدو مشهد "رصيف باين آيلند الجليدي" من الأعلى كإعادةٍ بالعرض البطيء لحادثة قطار. تتخلل سطحَهُ آلافُ الأخاديد العظيمة، وتقطعُ حوافَهُ صدوعٌ يناهز عرضها

  • إقامة عائلية بأعالي البحار

    بدأت القصة بزوج وزوجته وكلبهما. في عام 2010، اصطحب الغواص "غيسلان باردو" وزوجته "إيمانويل بيريي باردو" كلبهما المسمَّى "كاياك" من سلالة "الهاسكِي الس

  • هل يُنقذ الشباب كوكب الأرض؟

    دليل المتفائلين قبل "غريتا".. كانت كانت "سافيرن". غالبًا ما تظهر صورتاهما معًا جنبًا إلى جنب، لتشكلَا إطارًا زمنيًا للحملة طويلة الأجل التي يقودها

  • غربـة فـي الوطـن

    دليل المتشائمين عندما تتغيّر الأماكن التي لطالما أحببناها، فإنّ وقع التغيّر يولّد فينا شعورًا "شبيهًا بالحنين إلى الوطن". بينما تمدّدت مناجم الفحم

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ