تحديات جديدة لنا جميعًا

قلم: تشارلز سي. مان


دليل المتفائلين




ألهمت التنبؤات المرعبة لعام 1970 إجراءات حسَّنت الحياة كثيرا من نواح عدة. وها نحن نُختَبَر من جديد.
اسمحوا لي بداية أن أضعكم في السياق الزمني، بالقول إني شهدتُ إحدى مظاهرات أول احتفال بـ "يوم الأرض" في عام 1970. هنالك امتزجَت، على ما أذكر، الفرحة بالهيبة. الفرحة، لأننا كنا نحتفي جماعةً ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة بالعالم الطبيعي من حولنا. والهيبة، لأن أصوات من اعتلوا المنصة ضجت بنبوءات بشأن المصير الذي كان ينتظر ذلك العالم.
يومئذ طرقَت تلك التحذيراتُ كلَّ مَسمع. قال عالم الكيمياء الحيوية "جورج والد"، الحائز جائزة نوبل، للجمهور في "جامعة رود آيلند"، إن نجم الحضارة سيأفل في غضون 15 إلى 30 عامًا، ما لم نبادر باتخاذ إجراءات فورية. وكان ذلك التنبؤ مُغرقًا في الأمل برأي "بول إيرليك"، عالم الأحياء لدى "جامعة ستانفورد" ومؤلف كتاب "القنبلة السكانية"؛ إذ صرح في حوار نُشر احتفاءً بـ "يوم الأرض" أن الكوكب لم يعد أمامه سوى عامين لتغيير المسار قبل "أن يصير أي جهد إضافي [لإنقاذه] غير ذي جدوى". وكـان ذلـك التصريح نفسه في غاية التفاؤل، كما اعتـقد "دينيـس هايـس"، المنسـق الوطـني لفعاليـات "يوم الأرض" بالولايـات المتحـدة؛ إذ ورد في مقــال نشـرتـه مجلــة (Wilderness Society) بالتزامن مع يوم الأرض، قوله إن "الأوان قد فات لتفادي المجاعة الجماعية".
من السهل فهم الأسباب الكامنة وراء ما اعتقد هؤلاء. فقد كان الوضع العالمي كارثيا؛ ذلك أنه في زمن أول احتفاء بـ "يوم الأرض"، كان شخص واحد من بين كل أربعة أشخاص يعاني الجوع، أو لنقل "سوء التغذية" كما تفضل "الأمم المتحدة" تسميته. كان نحو نصف سكان العالم يعيشون في فقر مدقع، وكان متوسط أمد الحياة في إفريقيا لا يتجاوز 45.6 سنة. وكان ما يقارب نصف سكان أميركا اللاتينية والكاريبي يفتقرون إلى الكهرباء والتعليم. وكانت المجاعة قد قتلت للتو نحو مليون شخص في غرب إفريقيا. وكانت الحروب والثورات وحركات التمرد تجتاح جنوب شرق آسيا (فيتنام ولاوس وكمبوديا وإندونيسيا والفلبين) وإفريقيا (كينيا وإثيوبيا ونيجيريا والمستعمرات البرتغالية)، والشرق الأوسط (عمان واليمن والأردن)، وأميركا اللاتينية (نيكاراغوا وكولومبيا والمكسيك). وظهر في آسيا وباء الإنفلونزا ليتفشى في بقية أنحاء العالم، ولم يتوقف إلا بعد أن أودى بحياة نحو مليون شخص.
كانت التوجهات البيئية أسوأ، هذا إن وجدت أصلًا. كانت الموانئ، من لندن إلى لوس أنجلوس، ومن بوسطن إلى بومباي (المعروفة باسم مومباي، اليوم) تعج بالنفايات. وكانت مياه جل الأنهار الكبرى -كالدانوب والتيبر والمسيسيبي- غير صالحة للشرب. وكان البنزين المشبَع بالرصاص يُطلق في الهواء دخانًا ساما بكميات هائلة إلى درجة أن دم طفل أميركي في مرحلة ما قبل المدرسة كان يحوي من الرصاص أربع مرات مقدار ما يستدعي تدخلا عاجلا عند نظيره اليوم. غمر الضباب الدخاني الكثيف المدنَ، حتى إن مجلة (Life) تنبأت في مطلع عام 1970 أنه "بحلول عام 1985 سيقلص تلوثُ الهواء بمقدار النصف كميةَ ضياء الشمس الذي يصل إلى الأرض".
عندما حلَّ أول احتفال بـ "يوم الأرض" كان "نادي روما"، المنظمة الدولية حديثة الإنشاء آنذاك، منكبًّا على ما سيصير كتابًا بالغ التأثير، وحمل عنوان "حدود النمو". نُشر الكتاب عام 1972، وأنشأ الفريق المشرف على تأليفه نموذجا حاسوبيا للعالم لتوقع الطلب المستقبلي على الموارد، من قبيل الفحم والحديد والغاز الطبيعي والألومنيوم. وصف الكتاب برسومه البيانية المتتالية، سباقًا نحو ذروة الإنتاج، أعقبه انخفاض مدمر يصاحب تجريد الكوكب من موارده. أكد الفريق أن تفادي الخراب يستلزم "توقيفا عاجلا" لمسيرة البشرية نحو الأمام.

لم يحدث ذلك. وقد صار العالم مختلفا عن التوقعات؛ بل أفضل من نواح عدة. وبفضل التقدم التقني والإصلاحات السياسية والاقتصادية والتغيرات المناخية، تحسن معدل الرفاه البدني للإنسان بكل المقاييس منذ عام 1970. ووفقا لمنظمة "الأمم المتحدة"، فإن شخصا من بين تسعة أشخاص فقط في العالم يعاني اليوم سوء التغذية، رغم زيادة عدد سكان الكوكب بما يربو على الضعف خلال الأعوام الخمسين الماضية. وأضحى احتمال معاناة طفل من الجوع في عصرنا أقل مما هو مسجل عبر التاريخ. ومع تحسن جهود الإغاثة، أصبحت الوفيات الناجمة عن المجاعة أندر فأندر؛ بعدما كانت شائعة فيما مضى. (ومع ذلك ما زال، مئات ملايين البشر يعانون نقص التغذية، لكن من الأهمية الإقرار بما تحقق). وبفضل تحسن الرعاية الصحية والتغذية، ارتفع متوسط أمد الحياة، منذ أول احتفاء بـ "يوم الأرض"، بما يفوق 13 عامًا، وسجلت معظم الزيادة في المناطق ذات الدخل المنخفض. في غضون ذلك، ما فتئت مستويات الدخل ترتفع ومستويات التلوث تنخفض.. في كل مكان تقريبا. وباتت مليارات من الناس اليوم تنتمي إلى ما يشبه الطبقة الوسطى.
في الوقت نفسه، فإن موارد كالصلب والألومنيوم، أبعد ما تكون عن النفاد، بل إنها بالسعر نفسه إن لم يكن أقل. ولم يعرف تاريخ نوعنا البشري يوما هذا الفيض من النِّعم. إنه إشارة إلى مُنجَز جيل ما بعد الحرب والجيل الذي سبقه.
ولقد تحسن الوضع السياسي نفسه، رغم الاستقطاب الذي اكتسح أميركا الشمالية وأوروبا اليوم. ويبين كل مشروع بحث يتقصى العنف السياسي العالمي أن هذا الأخير سريع الانخفاض. صحيح أن الحروب الأهلية التي تتصدر عناوين الأخبار -سورية واليمن وأفغانستان- مروعة، لكنها تظل استثناءً. فثمة ديمقراطيات أكثر مما كان عام 1970، وهي تعمل -وإن بوتيرة غير ثابتة- على تحسين ظروف عيش مواطنيها. في زمن أول احتفاء بـ "يوم الأرض"، كان شخص من كل خمسة في جنوب آسيا يستفيد من الكهرباء، وبات الرقم اليوم يتجاوز التسعة من كل عشرة. كما ارتفعت نسبة سكان أميركا اللاتينية والكاريبي المتمتعين بالطاقة الكهربائية مما يقل عن 50 بالمئة إلى نحو 100 بالمئة.
لكن هذه التحسينات لم تحدث على نحو متساوٍ أو منصف: فما زال ملايين الناس غير مزدهرين، وما زال ملايين غيرهم متخلفين عن الركب. فيما صارت بعض الأماكن، لا سيما الهند والصين، أكثر تلوثا. ومع ذلك، فإن زيادة الرفاه حقيقةٌ لا مراء فيها على المستوى العالمي؛ أي على مستوى نحو ثمانية مليارات نسمة الذين يعمرون هذه الأرض. اليوم قد يكافح عامل المصنع في بنسلفانيا والمزارع في باكستان ويغضبان، لكنهما بمعايير الماضي من الأثرياء الأصحاء.
وفي مقابل كل هذه المكاسب.. سُجلت خسائر. فقائمة المشكلات البيئية تختلف عمّا كانت عليه عام 1970، وربما صارت أصعب مراسًا. فقدان التنوع الحيوي، واستنزاف مياه الطبقات الجوفية، وتحمض المحيطات، وتدهور التربة؛ وأعظمها التغيرات المناخية.. من ذا الذي يستطيع النظر إلى القائمة من دون أن يُصاب بالارتباك؟
يتجلى أحد الدروس المستخلصة من فشل تنبؤات أول احتفاء بـ"يوم الأرض"، في قدرة البشر على حل المشكلات البيئية، إن كانت ذات آثار آنية ملموسة على الرفاه البدني للبشر، مثل تلوث الهواء والماء. لكن المشكلات التي بتنا نواجه اليوم أكثر تجريدًا، وأطول مدى، ولا تقل خطورة؛ وغالبا ما لا تشبه ما واجهنا من قبل. لا أحد يعلم إن كنا سننجح في حلها. وأما الدرس الآخر المستخلص من فشل تلك التنبؤات، فيكمن في عجز البشر كليًا عن قراءة المستقبل.



موضوعات ذات صلة
  • تباشير النجاة

    دليل المتفائلين ستكون الحياة مختلفة -وأدفأ- في عام 2070. لكننا سنجد طرقا للحد من انبعاثات الكربون والعناية بالطبيعة.. ومن ثم الازدهار. لأمي شعر بن

  • بصماتنا الخفيّة

    دليل المتشائمين مصور فوتوغرافي يوثّق كيف أعاد البشر تشكيل الأرض.. حتى في أماكن بعيدة جدًا عن سطحها. التقطت هـذه الـورة في مناجم البوتاس الواقعة أس

  • نُذُر الكارثة

    دليل المتشائمين إننا بفشلِنا في التصدي للتغير المناخي قد دَنَوْنا بكوكبنا من الهاوية. يمكن للابتكارات التقنية أن تجنبنا الكارثة، غير أن ذلك لن يبعث ع

  • غربـة فـي الوطـن

    دليل المتشائمين عندما تتغيّر الأماكن التي لطالما أحببناها، فإنّ وقع التغيّر يولّد فينا شعورًا "شبيهًا بالحنين إلى الوطن". بينما تمدّدت مناجم الفحم

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ