تباشير النجاة

قلم: إيما ماريس

دليل المتفائلين

ستكون الحياة مختلفة -وأدفأ- في عام 2070. لكننا سنجد طرقا للحد من انبعاثات الكربون والعناية بالطبيعة.. ومن ثم الازدهار.

لأمي شعر بني طويل مفروق في الوسط. ها هي تخيط أغلفة بذور الأوكاليبتوس على فستان من قماش أخضر باهت وهي تضحك مع صويحباتها. أمي في ربيعها التاسع عشر.
إنه شهر فبراير من عام 1970، شهورا قبيل أول احتفال بـ"يوم الأرض"، وقد نظّم طلبة "كلية سان خوسيه" بكاليفورنيا "معرض نجاة" تخللته فقرة دفن سيارة صفراء جديدة من طراز "فورد مافريك". خُطط لإعلان موت هذه السيارة وسائر محركات الاحتراق، لأنها تلفظ ملوثات أسهمت في توليد ضباب كريه يلامس الأرض في سان خوسيه وغيرها من مدن العالم. كتب "بول آفري"، مراسل صحيفة "سان فرنسيسكو كرونيكل"، أن تلك السيارة الصفراء "دُفعت وسط مدينة سان خوسيه في استعراض تقدمه ثلاثة وزراء، والفرقة الموسيقية التابعة للكلية، وزُمرة من الطالبات الفاتنات ارتدين عباءات خضراء تشبه الأكفان".
ما زالت أمي تذكر تلك العباءات بوضوح رغم مُضي 50 عامًا. انتاب الطلاب يومئذ القلق بشأن قذارة المياه والاكتظاظ السكاني وتلوث الهواء، لكن أمي اعتصمت بحبل الأمل. تقول: "ظننت ساعتها أن البشر سيتحركون إن لزم الأمر"، وكذلك كان.. إلى حد ما: فالسيارات في الولايات المتحدة اليوم أنظف بنسبة 99 بالمئة مما كانت عليه في ذلك الزمان؛ والفضل يعود إلى القوانين المناهضة للتلوث. لم أرِث شعرَ أمي البني ولا مهارتها في الخياطة؛ فما زلتُ -وأنا في الحادية والأربعين من عمري- أستعين بها لرتق ملابسي. لكني أخذت عنها تفاؤلها.. فثمة أشياء جديدة تلزمنا بالتحرك في أيامنا هذه.
مرت 15 عامًا وأنا أُعدّ تقارير بيئية ظهرت في منشورات علمية وعامية وكتاب عن مستقبل صون الطبيعة، وما زلت حائرة إزاء جملة من المشكلات التي تواجهنا، من قبيل التغيرات المناخية واضمحلال الوحيش والنبيت وتفشي الحيف البيئي؛ وكلها آفات يصعب علاجها مقارنة بالضباب. لكن في خضم هذا اليم الذي تتلاطم فيه أمواج الحزن والقلق والغضب وحب غرابة الحياة الجميلة على الأرض، ألمس في نفسي تصميما صلدًا على عدم الاستسلام أبد الدهر. من أين لي الأملُ؟ إننا نمتلك حقًّا المعرفةَ والتقنية اللازمتين لإطعام عدد أكبر من السكان وتوفير الطاقة للجميع والشروع في عكس آثار التغيرات المناخية ومنع جل حالات الانقراض، كما أن الرغبة العامة في التحرك تكتسح الشوارع؛ ومن ذلك أن شهر سبتمبر الماضي شهد خوض نحو ستة ملايين شخص عبر العالم "إضرابات من أجل المناخ". إن التغيرات الثقافية تملأ الأجواء، كما حدث في عام 1970، لذلك أعتقد أننا سنؤسس لعام 2070 جيد. لن يكون عام 2070 كنظيريه 2020 و 1970؛ فلا سبيل إلى التراجع عما فعلنا، وستستحيل إعادة عقارب الزمن إلى الوراء. لا مفر من التغيير، بيئيا كان أم اقتصاديا أم اجتماعيا. سيكون بعضه مأساويا. سنفقد أشياء عزيزة على أنفسنا: أنواعا، وأماكن، وعلاقات مع عوالم غير بشرية عاشت آلاف السنين. سيصعب التنبؤ ببعض ذلك التغيير. وستشهد النظم البيئية تعديلا، وسوف تتطور الأنواع.
نحن أيضا سنتغير. سيتعلم كثير منا رؤية نفسه من منظور مغاير، بوصفه نوعًا من بين أنواع؛ أي جزءًا من الطبيعة، لا نقيضًا لها. أتوقع أننا سنذكر أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين بوصفهما مرحلة انتقالية مؤلمة وعسيرة لقّنت البشرية طرائق الازدهار في إطار علاقات بيئية إيجابية مع بعضهم بعضا ومع الأنواع المحيطة بهم.

تظل التغيرات المناخية أكبر تحدياتنا المشتركة. وإن كانت تبدو كاسحة، فجزء من المسألة يعزى إلى عجزنا -بصفتنا أفرادًا- عن وقف مدّها. إننا، وإن التزمنا بقواعد استهلاك تحترم البيئة احتراما تاما (كرفض السفر عبر الطائرة، وإعادة استعمال أكياس التسوق، والتحول إلى كائنات نباتية)، نجد أنفسنا أسرى لنظام يحول دون التوقف عن زيادة الطين بلة. إن العيش يتطلب أكلا وعملا ودفئا كافيا في الشتاء وبردا كافيا في الصيف للنوم والعمل، وفي الوقت الراهن يستحيل تحقيق هذه الأمور في معظم الأماكن من دون إفراز الكربون.
لكن التغيير قد يحدث أسرع مما يتصور كثير من الناس. فقد حلت السيارات محل الخيل في أماكن عديدة في غضون 15 عاما؛ وعشنا آلاف السنين بلا بلاستيك إلى أن صارت هذه المادة في كل ركن؛ وكنا على مر التاريخ مخترعين حاذقين مسارعين إلى تبني التقنيات الجديدة. إذا توفرت الإرادة الشعبية والسياسات الصحيحة، فلن تواجهنا مشكلات تذكر على درب إبداع طاقة جديدة وبنيات نقل تحتية، وسلع مصنوعة من دون سموم أو انبعاثات كربون، وبدائل بلاستيكية قابلة للتحلل.
يجدر بنا، بصفتنا أفرادًا، أن نصرف جهدنا إلى المطالبة بتلك السياسات الكفيلة بجعل الانتقال الأخضر أسرع وأقل كلفة؛ إذ سيكون ذلك أنجع من تبني الخيارات الخضراء المكلفة المتاحة في السوق اليوم. ما فتئتُ أستشعر إدراك الناس للأمر، وهذا أيضا يمدني بالأمل. لا يمكننا حل أزمة المناخ باعتماد قواعد استهلاك "جيدة"، لكن يمكننا تحسين الأشياء كثيرا من خلال المواطنة الصالحة.
يشكل توليد الكهرباء والحرارة مصدر ربع الانبعاثات. ومن حسن الحظ أنها أسهل إيقافا إن توفرت الإرادة السياسية. يقول "جوناثان فولي"، المدير التنفيذي لمؤسسة "بروجيكت دروداون" (Project Drawdown) التي تنجز تحليلات لما يتعلق بحلول التغيرات المناخية، من كلفة وأرباح: "يمكننا بكل يسر خفض هذا المعدل إلى النصف في غضون 10 أعوام". لقد نضجت الطاقة الريحية والشمسية بما يكفي للاستعمال على نطاق واسع؛ وفضلا عن ذلك، فإن بطاريات تخزين الطاقة -مركزيا وعلى صعيد البيوت- تحسنت أداءً وكلفةً، فيما تفلس شركات الفحم.
أما الزراعة واستغلال الغابات واستخدام الأراضي فأمرها أعقد؛ إذ تنتج رُبعا آخر من انبعاثاتنا، جلها أوكسيد النتروز المنبعث من الأسمدة الطبيعية والصناعية، والميثان المنبعث من الماشية، وثاني أوكسيد الكربون المنبعث من الحقول واحتراق الوقود. قد تعمر الكوكب في أفق عام 2070 عشرة مليارات من الأفواه الجائعة؛ فما السبيل إلى تقليص آثار الزراعة على الأرض والمناخ، مع إنتاج ما يكفي للعيش من طعام؟
يتجلى أحد الحلول في الكف عن دعم إنتاج اللحوم وتشجيع تحول سائر فئات المجتمع نحو مزيد من الأغذية النباتية. تستأثر لحوم الأبقار على وجه الخصوص بجل موارد الأرض والماء، فإنتاج كيلوجرام منها يتطلب إطعام بقرة واحدة نحو ستة
كيلوجرامات من النبات. من حسن الحظ أن ثمة أملا تُجسِّده بدائل لحم جديدة ولذيذة من قبيل (Impossible Burger) و(Beyond Meat). لا أتصور أن كل الناس سيصيرون نباتيين في أفق عام 2070، لكن معظمهم سيتناولون كميات أقل بكثير من اللحوم مقارنة بما يفعلون اليوم.. وقد لا يشتاقون إلى شيء منها.
ماذا عن المزارع نفسها؟ ينقسم حُماة البيئة إلى فسطاطين" يؤمن أحدهما بلزوم تكثيف الزراعة من خلال توظيف الروبوتات والمواد المعدلة وراثيا والبيانات الكبيرة، في سبيل إنتاج كميات هائلة من الطعام انطلاقا من مساحات صغيرة؛ فيما يعتقد الثاني أن المزارع لا بد أن تصير "طبيعية" أكثر، إذ يُجمع بين المحاصيل وتُقلَّص كميات المواد الكيميائية السامة، مع ترك حدود الحقول لتشكل موائل برية. وبعد أعوام من إنجاز التقارير عن الموضوع، أجدني أتساءل: لِمَ لا نستطيع الجمع بين الإثنين؟ بإمكاننا استحداث "مزارع عمودية" تستخدم الطاقات المتجددة في ناطحات السحاب، كما بإمكاننا إحداث مزارع كبيرة مفتوحة تُزوَّدُ بتقنيات فائقة وتُنتِج محاصيل كبيرة، على أن تكون رفيقة بالحياة البرية وتُخزّن في تربتها الكربون بنشاط.
تأتي بقية انبعاثات الكربون من الصناعة والنقل والمباني، وهي المصادر التي تقض مضجع فولي. فما السبيل إلى تعديل مليارات المباني واستبدال أفران الغاز والنفط؟ وما السبيل إلى تنحية قرابة 1.5 مليار سيارة عن الطرقات؟ لا نستطيع الاعتماد على طلاب حالمين لدفنها جميعا.
يكمن الحل الحقيقي الوحيد، في سعي الحكومات إلى إحداث تغيير عبر القوانين والتحفيزات الضريبية. إن نصف السيارات الجديدة المسجلة في النرويج اليوم كهربائية، والأمر يعود بالأساس إلى إعفائها من ضريبة المبيعات؛ ما يجعلها بأسعار سيارات الوقود نفسها؛ والتي سيُحظر بيعها في أفق عام 2025. وفي نيويورك، سَنَّ مجلس المدينة في ربيع عام 2019 قانونًا يُلزم المباني الكبيرة والمتوسطة بتقليص انبعاثاتها من الكربون بأزيد من الربع في أفق عام 2030. إن تحويل بلد كالولايات المتحدة بالكامل إلى مبانٍ ناجعة ونقل جماعي سلس وسيارات كهربائية، لن يتأتَّى بكلفة منخفضة؛ لكن دعونا لا نغفل مسألة النفقات. يقول فولي، مُلمِعا إلى الاستجابة الفدرالية إزاء الأزمة المالية عام 2008: "إن المَبالغ التي نتحدث عنها ههنا لا تزيد عما قدمناه ضمانات للبنوك".
تحاول مؤسسة "بروجيكت دروداون" تمرير رسالة أساسية: نحن نعلم كيفية القيام بذلك. يقول فولي وفريقه إن أحد أنسب حلول التغيرات المناخية من ناحية التكلفة يتجلى في ضمان ولوج الفتيات والنساء إلى التعليم وتحديد النسل. مثالا على ذلك، كانت النساء في كينيا تنجب في المتوسط 8.1 طفل في سبعينيات القرن العشرين، فانتقل هذا الرقم إلى 3.7 عام 2015، ثم توقف هذا المنحنى التنازلي فترة وجيزة في بداية الألفية الثالثة بسبب انقطاع الفتيات عن الدراسة. إن من شأن تمكين النساء، الإسهامُ في تحقيق استقرار عدد سكان العالم.. والحد من الطلب على الغذاء والطاقة.

ومهما خفضنا الانبعاثات العالمية إلى ما يناهز الصفر، فإن معالجة التغيرات المناخية تتطلب منا الاستثمار في طرائق لتبديد بعض غازات الدفيئة الموجودة في الجو بالفعل. واعدةٌ هي التقنيات اللازمة لبلوغ هذه الغاية، إلا أن جلها ما يزال في مراحله الأولى؛ باستثناء الأشجار التي تتسم بنجاعتها في امتصاص الكربون على المدى القصير على الأقل. وللأشجار ميزة أخرى: إنها تشكل غابات تتدلى فيها الأشنة وتغفو فيها السحالي وتتقافز فيها القردة جيئة وذهابا وهي تلتهم التين البري. لقد أمضيت بعض الوقت في غابات كهذه، ويعجز تعبير "التنوع الحيوي" الجاف عن حمل سائر معانيها الحَقّة.
ربما سمعتَ يومًا أننا في مرحلة الانقراض الجماعي السادس. ذلك تأكيدٌ يستند إلى معدل الانقراض المرتفع، لا إلى إجمالي الخسائر المسجلة إلى حد الساعة. حدثت منذ القرن السادس عشر أقل من 900 حالة انقراض موثَّقة، وهو رقم كبير، لكن الراجح أنه لا يُثْبت الواقع. لكن إذا أخذنا في الاعتبار أن العلماء أحصوا إلى اليوم أزيد من 100 ألف نوع، فمن الصعب أن يكون انقراضا "جماعيا" بتعبير علماء الأحافير الذين يُعرّفونه بأنه فترة ينقرض فيها ما لا يقل عن ثلاثة أرباع الأنواع. وإذا نحن أبقينا هذه المعدلات في ارتفاع لبضعة ملايين من السنين -أو زدناها بتجاوز بعض عتبات المناخ أو تدمير الموائل- فربما وجدنا أنفسنا في بؤرة انقراض جماعي. إلا أننا لم نبلغ بعدُ تلك المرحلة؛ وإن لم نتخذ اليأس كابحًا لجماحنا، فسيكون أمامنا مجال لتغيير المسار.
تشير أبحاث حديثة إلى إمكانية إنقاذ جل الأنواع واستعادة الحياة البرية إلى مستويات سابقة، من خلال الجمع بين تدابير من قبيل: إحداث مزيد من المنتزهات والمناطق المحمية، واستعادة بعض النظم البيئية، وتقليص مساحات الأراضي المزروعة. تستأثر الزراعة في الوقت الراهن بثلث مساحة اليابسة، لكن إذا خفضنا إلى النصف استهلاك اللحوم وهدر الطعام وزدنا إنتاج المحاصيل وتاجرنا في الطعام بنجاعة أكبر، فإننا سنتمكن -حسب تقديرات الباحثين- من إنتاج كل حاجاتنا من الطعام اعتمادًا على مساحات أصغر؛ مما سيتيح مجالا جغرافيًا أوسع للأنواع الأخرى.
وما فتئ عالم الطبيعة "إدوارد أزبورن ويلسون" وآخرون يدعون إلى اعتماد نهج "نصف الأرض" الرامي إلى جعل نصف الكوكب مجالًا بريًا يكون فيه النشاط البشري محدودًا ومضبوطًا بعناية. صحيح أن المنتزهات الشاسعة رائعة وضرورية لبعض الأنواع، لكن من شأن ذلك أن يهدد بتهجير كثير من الناس. وتعليقًا على ذلك، تقول "جورجينا ميس"، خبيرة التنوع الحيوي لدى "كلية لندن الجامعية": "لا شك أن المنتزهات ضرورية، وربما احتجنا منها إلى 20 بالمئة أو أكثر. لكن الناس بحاجة إلى العيش مع الحياة البرية والتعايش معها جنبًا إلى جنب". تنبني رؤية هذه العالمة للمستقبل على ضرورة تقاسم البشر وبقية الأنواع المجال الجغرافي في كل مكان تقريبا. تقول: "أنا أُومن بالأرض كلها للجميع، وليس نصف الأرض".
أعتقد أن هذا التفكير سيشكل القاعدة عام 2070؛ إذ ستكون الحدودُ غير مشدَّدَة، والأفنية الخلفية أقرب إلى البرية، وستخترق الممراتُ البرية المزارعَ والمدنَ، وتُخزن السهول الفيضية الكربونَ وتنتج الطعامَ وتتحكم في الفيضانات، وسيتسلق الأطفال الأشجار في بساتين ساحات المدارس لقطف ثمار الفاكهة.
ستبقى الأماكن البرية، وسيقع الناس دائما في حبها؛ لكنها قد تختلف عمّا هي عليه اليوم. وبينما تتحرك الأنواع تفاعلا مع التغيرات المناخية، ستستحيل محاولة وقف تغير النظم البيئية، بل قد تفضي إلى نتائج عكسية في بعض الأماكن. بدلًا من ذلك، سنركز على بقاء جل الأنواع على الكوكب بأعداد كبيرة. وستتلاشى الفكرة القائمة على إمكان تصنيف سائر الأنواع إلى فئات "أصيلة" وأخرى "دخيلة"، وهي فكرة غير ذات معنى على أي حال. إن النظم البيئية في تغير دائم، وجلها تأثر بالبشر على مرّ آلاف السنين.
ولن يكون تدبير البيئة تلقائيا في كل مكان. في نيوزيلندا وجزر أخرى حيث تشكل الأنواع الدخيلة أكبر تهديد للأنواع الأصيلة، قد نضطر للاستعانة بشِراك رحيمة أو الهندسة الوراثية لإزاحة القادمين الجدد. وفي أماكن أخرى ستحتاج الأنواع المهددة إلى المساعدة على التأقلم، وربما دعت الضرورة إلى نقلها نحو موائل جديدة لا تسودها حرارة مرتفعة. سيكون التدبير المكثف ضرورة في حالة كثير من الأنواع على المدى القصير.
في أفق عام 2070 سيؤول تدبير قطاعات شاسعة من الأرض إلى الشعوب الأصلية؛ إذ ما فتئت سيادتها تُؤخذ على محمل الجد في الآونة الأخيرة. سيكون ذلك في مصلحة الحياة البرية، حيث تَبيَّن أن الأراضي التي تديرها تلك الشعوب تؤوي معدلات أنواع مرتفعة مقارنة بالمنتزهات الوطنية. وفي بعض المناطق، ستُحيَا سُننُ تدبيرٍ تقليدية طورتها الشعوب الأصلية على مرّ آلاف السنين؛ سُننٌ أوجدت المناظرَ الطبيعية الخلابة التي رآها المستعمرون أول ما غزوا تلك المناطق فحسبوها -خطأً- "طبيعة برية بكرًا".

ركزتُ جهدي على علم الانقراض والتغيرات المناخية على مرّ سنوات عديدة، وبحثت عن حلول تقنية وسياسية، من قبيل الألواح الشمسية ومزيد من المنتزهات. في غضون ذلك، ناضلت -من موقع حياتي الخاصة- في سبيل العدالة للفقراء والمقهورين. استغرقني الأمر زمنا طويلا لإيجاد الخيط الناظم بين تلك المعارك؛ ولأدرك أن قوى كالاستعمار والعنصرية تشكل طرفا من أزمة المناخ، ومن ثم وجب التطرق إليها في معرض البحث عن الحل.
إن الذين يجنون أكبر الأرباح من الوقود الأحفوري ليسوا في العادة هم من يعانون أكثر تداعيات استخدامه. من ذلك، مثلا، أن محطات توليد الطاقة التي تفرز أبخرة سامة تُنشَأ على نحو غير متناسب في الأحياء الفقيرة التي لا يقطنها السكان البِيض. وهذا التفاوت عابر للحدود: إذ بيَّن أحد التحليلات أن الفجوة بين أفقر البلدان وأغناها من حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد قد فاقت بالفعل 25 بالمئة مما يفترض فيها لولا التغيرات المناخية، ويُعزى الأمر أساسا إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في البلدان المدارية يقلص إنتاجية الزراعة. كما تتسبب العواصف العاتية وموجات القحط والفيضانات في إلحاق الضرر بالسكان الأفقر في العالم.
تضمنت "اتفاقية باريس" لعام 2015 آلية تحث الدول الغنية على مساعدة صنوتها الفقيرة، بوصفها أول خطوة على درب إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي. ما زال التمويل غير كافٍ، لكن يُتوقع أن يزيد، لا سيما حين تقبل الحكومة الأميركية الإجماع العلمي الدولي وتعود للانضمام إلى الاتفاقية. قد توظَّف بعض التمويلات لبناء مراكز أبحاث مناخية في المناطق الأكثر تضررا؛ "بوصفه نوعًا من جبر الضرر المعرفي"، على حد تعبير "أولوفيمي تايوو"، الفيلسوف في "جامعة جورج تاون" بواشنطن العاصمة، الذي ألمع إلى أن قرونا من الاستعمار لم تركز الثروة وحدها في الأمم الغنية، بل أفضل الجامعات أيضا؛ ما أفضى إلى هجرة الأدمغة من الأمم الفقيرة.
إن من شأن العدالة المناخية الحقة جعل الأرض أكثر مرونة، حتى وهي تساعد البشرية على التعافي من الصدمة والألم التاريخيين. وبعبارة أخرى، فإن تصرفنا إزاء التغيرات المناخية يشكل فرصتنا لنرتقي بصفتنا نوعًا من الأنواع.

في عائلتنا اليوم خياطةٌ جديدة. إنها ابنتي ذات العشرة أعوام، التي تحب الخياطة. أودّ تصور الحياة التي ستعيشها حين تبلغ الستين من عمرها.
أول ما يسترعي انتباهها حين تستيقظ في شقتها بالمدينة عام 2070، زقزقةُ العصافير: جوقة فجر صاخبة، منبه قوامه أنغام صادرة عن أنواع متعددة تتسرب إلى الأذن بسلاسة لغياب ضوضاء المرور. تشغل النور، المولَّد بألواح طاقة شمسية تغطي سطوح كل بيوت المدينة تقريبا. أما البناء نفسه فهو "كتل كربون" جُمعت من الجو.
تغادر سريرها، وتشرب القهوة. لا تُضطر للبحث عن كيس بُنّ يحمل ملصقات من قبيل: "تجارة نزيهة" أو "رفيقة بالطيور"، لأن كل ما على رفوف محل البقالة من المنتجات يحمل تلك الصفات. تستقل قطارا بغير انبعاثات، يتوقف من تلقاء نفسه دقيقتين بعدما ترصد الكاميرات المثبتة فيه عائلة ثعالب تقترب من السكة. السماء صافية لا يكدر صفوها ضباب، وإن كانت درجة الحرارة تزيد قليلا عما كانت عليه في عام 1970. وفي الأفق تستطيع رؤية طواحين الهواء الأنيقة وهي تدور.
حين تبلغ محطتها، تنزل وسط سحابة من الفراشات الملكات المهاجرة في طريقها صوب حشائش اللبن في منتزه قريب. يتوقف الناس على المنصة ليفسحوا المجال للفراشات وهي تغمرهم في مرورها.
تصل إليها رسالة: إنها مدعوة إلى حفل لتخليد الذكرى المئوية لـ"يوم الأرض".. حفل وليس احتجاجا. لم يتبق سياسيون مترددون لإقناعهم، ولم تتبق سيارات وقود لدفنها. ستكون هناك فرقة موسيقية ورقص، ستة صنوف من تاكوس بغير لحم وصبار كمثري مستورد من شعب "كوميياي" قرب سان دييغو.
وبينما تتجول في الشارع، تتوقف لالتقاط بعض بذور الأوكاليبتوس من الأرض، فتعود إليها ذكرى بعيدة لحديث راج في مطلع القرن العشرين عن قطعها جميعًا لأنها لم تكن أصيلة في الأميركيتين. تمسكها بين يديها وتقرر خياطتها حول طوق فستانها الأخضر الذي سترتدي في الحفل.
تصل إليها رسالة أخرى: هذه أنا! أبلغ من العمر 91 عاما. أود حضور الحفل أيضا.
موضوعات ذات صلة
  • حياةٌ‭ ‬في‭ ‬جلباب‭ ‬التغير‭ ‬المناخي

    قبل ثلاثين عاماً، كان الوقع المدمّر المحتمَل للانبعاثات الحابسة للحرارة الناتجة عن إحراق الوقود الأحفوري والغابات المطرية، قد تصدّر عناوين الصفحات الأ

  • نُذُر الكارثة

    دليل المتشائمين إننا بفشلِنا في التصدي للتغير المناخي قد دَنَوْنا بكوكبنا من الهاوية. يمكن للابتكارات التقنية أن تجنبنا الكارثة، غير أن ذلك لن يبعث ع

  • هل يُنقذ الشباب كوكب الأرض؟

    دليل المتفائلين قبل "غريتا".. كانت كانت "سافيرن". غالبًا ما تظهر صورتاهما معًا جنبًا إلى جنب، لتشكلَا إطارًا زمنيًا للحملة طويلة الأجل التي يقودها

  • غربـة فـي الوطـن

    دليل المتشائمين عندما تتغيّر الأماكن التي لطالما أحببناها، فإنّ وقع التغيّر يولّد فينا شعورًا "شبيهًا بالحنين إلى الوطن". بينما تمدّدت مناجم الفحم

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ