نهضة المدائن

بقلم: روبرت كونزيغ

عدسة: آندرو مور

الغاية من وجود المدن هي جمع الناس ببعضهم بعضًا. لكننا في القرن العشرين فجّرنا الأساس الذي قامت عليه. اصطحبني ''بيتر كالثروب'' ذات يوم من عام 2018، في رحلة بالسيارة عبر بعض من ذاك الحطام؛ إذ أراد أن يريني الشكل الذي يقترحُه لجعل المدن تنبعث من حطامها.
كالثروب هذا مهندس معماري أسهم في سبعينيات القرن الماضي بهندسة أحد أوائل المباني المكتبية الحكومية ذات الاستهلاك الخفيف للطاقة، والذي ما زال قائما إلى اليوم في مدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا. لم يكتف الرجل بذلك الإنجاز وإنما وسّع دائرة اهتمامه؛ إذ يقول: "إن كان المرء يرغب حقا بتحقيق نتائج إيجابية تراعي ما هو بيئي وما هو اجتماعي، فليس ما يهمّ هو تصميم مبنًى واحد، بل تشكيل مجتمع محلي".
أما اليوم، فإن كالثروب يدير شركة تصميم حضري صغيرة في حجمها لكنها مؤثرة عالميا، تدعى "كالثروب أسوشييتس". على أحد جدران مكتبه الفسيح غير المتكلّف في مدينة بيركلي بولاية كاليفورنيا، عُلِّق ميثاق منظمة "مؤتمر التنمية الحضريّة الجديدة" الذي يستنكر "انتشار الزحف العمراني الذي لا هويّة مكانيّة له". أسهم كالثروب في إنشاء هذه المنظمة عام 1993.. والتي مازال نضالها طويلا مستمرا لتحقيق أهدافها.
انتظرنا حتى وقت متأخر من صباح ذلك اليوم حتى تخف حركة المرور، ثم ركبنا سيارة كالثروب الكهربائية من طراز ''تيسلا'' وانطلقنا نحو منطقة ''وادي السيليكون'' الواقعة جنوب مدينة سان فرنسيسكو على الجانب القصي من هذه الحاضرة مترامية الأطراف.
وبينما أخذنا ننعطف باتجاه جسر "باي بريدج"، قال لي كالثروب بسخرية مبطّنة: "صدّق أو لا تصدّق؛ فمشكلة الحواضر القائمة على استعمال السيارات هي أنه إنْ لم يكن هناك خيارٌ آخر، فإن الناس ستستعمل السيارات أكثر مما ينبغي.. أكثر مما ينبغي للمناخ، وأكثر مما ينبغي لموارد الناس المالية، وأكثر مما ينبغي للمجتمع المحلي من حيث الازدحام المروري، وأكثر مما ينبغي لوقت الناس. أعني، إنه بصرف النظر عن الطريقة التي ينظر بها المرء إلى هذا الوضع، فسيجد جانبا سلبيا. فعدم المشي مَجْـلَبةٌ للسمنة؛ ورداءةُ نوعية الهواء تفاقم الأمراض التنفسية".
تمكّن كالثروب في تسعينيات القرن الماضي من إحراز إنجاز مهم في مجاله؛ إذ أسهم في إقناع سلطات مدينة بورتلاند في ولاية أوريغون بإنشاء خطٍّ سككي للقطارات الخفيفة بدلاً من طريق سريعة إضافية، وبأن تُجمَّع المساكن والمكاتب والمتاجر على طول هذا الخط. وهكذا ذاع صيت الرجل بصفته شخصًا ذا رؤية نافذة في عالم التخطيط العمراني، بفضل تبنّيه مفهوم "التنميّة المرتكزة على استعمال المواصلات العامة". وقد بلغتْ بورتلاند شأنا كبيرا في ذلك وصل مداه إلى الصين، حيث التقيتُ عالمَ بيئة كان قد اصطحب العديد من خبراء التخطيط العمراني الصينيين في زيارات إلى تلك المدينة الأميركية. ويستذكر كالثروب بداية تجربته مع بورتلاند فيقول إن ما حدث لم يكن تطبيقًا لفكرة جديدة، بقدر ما كان دعوة "إلى إحياء فكرة الضواحي الموصولة بعربات 'الترام'، حيث كان المرء يحظى بمراكز مدن فاتنة وضواحي مناسبة للمشي، وكانت جميعًا مترابطة بواسطة المواصلات العامة".
على الجسر، وجدنا نفسَـينا عالقين وسط حركة مرور خانقة، علمًا أننا كنا قد تعمّدنا الانطلاق متأخّرين لنتفادى الازدحام.
في العالم المثالي كما يتخيّله كالثروب، سواء أكان ذاك العالم في الصين أم أميركا أم غيرهما، لا ينبغي أن تواصل المدن توسّعها بنهم شديد، طامسةً الطبيعة المحيطة بها؛ بل تُوجِد سبلاً أفضل لتمكين الطبيعة من النفاذ إلى شرايينها، حيث يمكنها أن تلامس الناس وتؤثر فيهم. وستنشأ المدن على شكل تجمّعات سكنية متراصّة، ومربعات سكنية صغيرة مناسبة للمشي تُبنى حول شبكة من المواصلات العامة السريعة. وستعيد مدنُ المستقبل هذه خلطَ المسائل من جديد: فلن تعود إلى الفصل بين أماكن العمل والسكن والتسوّق، كما يفعل الزحف العمراني اليوم الذي يُجبر الناسَ على استخدام السيارات للتنقل بين تلك الأماكن الثلاثة؛ كما أنها لن تفرق بين الأغنياء والفقراء، ولا المسنّين والشباب، ولا البِيض والسود كما يفعل الزحف العمراني وبخاصة في الولايات المتحدة. علاوةً على ذلك، فإن سكّان هذه المدن سيكونون أقل تسخينًا للهواء الذي يحيط بهم والكوكب عمومًا، لأنهم سيكونون أقل استخدامًا لسياراتهم وأقل تعبيدًا للطرقات. وهذا بدوره سيبطئ وتيرة التغيّر المناخي الذي يهدد بجعل مدنٍ في القرن الحالي غير صالحة للعيش.
ومن وجهة نظر كالثروب، فإن تحقيق كل ذلك لا يتطلّب منشآت مبهرة للعيون أو تقنيّات مستقبلية، علما أنه من الممكن لشيء من هذا أن يكون مفيدًا؛ ولكن أهم ما نحتاج إليه هو معالجة أخطاء الماضي القريب ومفاهيمه المجانبة للصواب.
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ