مدينة قيد الإنشاء

بقلم: نينا ستروتشليك

عدسة: نورا لوريك

هل يمكن أن تحول أوغندا أكبرَ مستوطنة للاجئين في إفريقيا إلى مركز حضري؟

وقف "ديفيد كوايجي" في بقعة ظل ألقاها أحدُ مصابيح الشارع العاملة بالطاقة الشمسية، وبدأ يُدخل إحصاءاتٍ في هاتفه الذكي.
كان وهو يتوارى عن أشعة الشمس اللافحة في منتصف النهار، يسرح ببصره على طول منحدر يفضي إلى صف من المستودعات البيضاء حيث يحصل الأهالي على حصصهم الغذائية، ثم يجول بناظرَيه باتجاه خزّانين كبيرين يضخان المياه إلى صنابير على جانب الطريق، حيث تصطف أوعية صفراء لتعبئة الماء، تشع بانعكاس نور الشمس عليها في جميع الاتجاهات.
ظل كوايجي طوال أيام الأسبوع يذرع الطرق غير المرصوفة، ويوثق على خريطة رقمية كل المشروعات التجارية والكنائس والمدارس والعيادات وصنابير المياه ومصادر الإنارة. وكان في كل نقطة يتوقف عندها يضع علامة على موقعها في الخريطة ويطرح أسئلة مفصلة: هل توجد في مدرستكم مياه جارية؟ ما الساعات التي يفتح فيها هذا المتجر أبوابه للعمل؟ كم عدد الأطباء الذين يشتغلون داخل هذه العيادة؟ وعند انتهاء فترة عمل كوايجي وستة رسامي خرائط آخرين، فإنهم سيكونوا قد أَعَدُّوا دليلا مفتوح المصدر لمنطقة تزيد مساحتها على ضعف مساحة باريس.
تلكم ""بيديبيدي"" (Bidibidi). إنها مستوطنة اللاجئين الثانية كبرا في العالم بعد مخيم الروهينغا في بنغلادش؛ تؤوي قراها العديدة الواقعة في شمال أوغندا ربع مليون شخص.
كان كوايجي -البالغ من العمر 26 عاما- قد جاء إلى المنطقة عام 2016؛ إذ دُكّت إحدى الغابات وشُق 400 كيلومتر من الطرق وسط الحشائش العالية وعلى طول مجاري المياه، لفسح المجال أمام سيل من النازحين من جنوب السودان الهاربين من لظى الحرب الدائرة رحاها على بعد بضع ساعات باتجاه الشمال. هنالك أنشأ كوايجي وعائلته مجموعة مساكن من لبنات الطوب على قطعة أرض. ثم تزوج وأنجب صبيا. ويعمل في الوقت الحالي لحساب منظمة غير ربحية تُدعى "الفريق الإنساني لمشروع خرائط الشوارع المفتوحة"، حيث يوثّق تحول "بيديبيدي" من مخيم مؤقت إلى مدينة دائمة.
عبَر كوايجي الطريق باتجاه إحدى المدارس الثانوية الخمس في "بيديبيدي" وهو يضع سماعة في إحدى أذنيه. كانت المدرسة مبنية بشكل مرتجل من فروع شجر سمكية يغطيها قماش مشمع تتخلله فتحات تهوية تخفق مع هبوب الرياح. كوايجي رجل طويل القامة نحيل القوام كثير الكلام، ويختزن طاقة لا تعرف الكلل. لكن يومه هذا كان طويلاً؛ وبينما كان يمشي بمحاذاة ميدان مليء بالصخور، بدأت تنتابه حالة من الفتور بفعل حرارة الجو.. إلى أن لمح رجلا شابا يرتدي قميصا رسميا رمادي اللون. عندها قال: "لقد درست على يد هذا الرجل عندما كنا في جنوب السودان!".
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ