على الأقدام في.. طـوكيو

بقلم: نيل شيا

عدسة: ديفيد غاتينفيلدر

رحلة عبر الأنسجة الغنية المفعمة بالحيوية لهذه المدينة اليابانية العملاقة.. في حلتها الجديدة.

قُبيلَ فجر يوم بارد من شهر يونيو، وقفتُ في الظلام على مقربة من الضفة الغربية لنهر "سوميدا" بمدينة طوكيو، أشاهدُ السياحَ يأخذون سترات نايلون فاقعة اللون كالتي يرتديها لاعبو كرة القدم في التدريبات. بدا المشهدُ كأن هؤلاء الزوار السبعين المرتجفين القادمين من جنوب إفريقيا والصين وماليزيا وإسبانيا وروسيا، جاؤوا إلى هنا لمطاردة الكُرات على طول الواجهة المائية الرملية.
كانت تفصلنا عن طلوع الفجر ساعةٌ أو ساعتان، وكُنا -أنا وهؤلاء السياح- في واقع الأمر نلبس تلك السترات تأهبًا لجولة في "تسوكيجي شيجو"، التي كانت أكبر أسواق السمك في العالم آنذاك (أي في يونيو 2018). هذه السوق متاهة من المحلات والثلاجات وأرصفة التحميل وأجنحة المزادات وأكشاك الباعة، ولطالما زودت المدينةَ بالسمك على مر نحو قرن من الزمان. وقد صارت أيضًا قِبْلة سياحية يُرَوِّجُ لها كثير من المقالات الصحافية وبرامج الطبخ؛ وهو أمر أثار استياء بعض العاملين فيها.
لكن هذه السوق التاريخية كانت تدنو من أجَلها يومَ زُرتها عام 2018. اجتذبت الأكشاكُ التي يداعبها النسيم، وأرضياتُ الحصى المتشققة، السياحَ الباحثين عن الأصالة؛ إلا أن طوكيو المغرقة في الحداثة عدّت هذه المكونات -بصفة رسمية- جزءا غير صحي من ماضيها الجامح. ولذا تَقرر إغلاق أبواب تسوكيجي في خريف ذلك العام نفسه، لينتقل باعَتُها من قلب المدينة إلى منشأة جديدة عادية في الجنوب الشرقي.

اصطففنا لولوج السوق. تلألأت حراشف الأسماك في برك تحت أقدامنا وامتلأ الجو بروائح النفط والجَزْر. مرت بمحاذاتنا في سائر الاتجاهات، الرافعاتُ الشوكية وعربات الثلج كطيور جافلة. أدركتُ حينها أننا قد ارتدينا تلك السترات لغرضين اثنين: فأما الأول فطلبًا للسلامة في خضم حركة المرور، وأما الثاني فلتفادي إرباك سير ذلك العمل التجاري الرائج في تسوكيجي.
كانت السوق تستقبل في كل يوم نحو 1500 طن من الأسماك ونباتات البحر واللافقاريات المتلوية من شتى ربوع العالم، حيث يُفرَزُ هذا القدر الهائل -الذي تناهز قيمته 15 مليون دولار- ويُقَطعُ ثم يُشحن إلى باعة التجزئة. لما وصلتُ في الساعة الرابعة والنصف صباحا، كانت السوق تنضح نشاطا منذ ساعات.
اكتنف الضباب مئات الرجال المُجِدِّينَ وهم يقهقهون ويتصايحون والسجائر مثبتة بين أسنانهم. وَجَّهَنا حراس أمنٍ ذوو قفازات بيضاء بمحاذاة كومة صناديق "ستيروفوم"، بعضها بحجم التوابيت ودواخلها ملطخة بالدماء. سمعنا في مستودع كبير قبالتنا ضجيج شفرات مناشر وهي تقطع لحوم الأسماك المجمدة.
قَدِمَ جل السياح ليشهدوا مزادات التونة الشهيرة، حيث تُباع أسماك عملاقة جُلِبت من أماكن نائية كساحل "ماين" بأسعار قد تبلغ مئات آلاف الدولارات. كان المزاد رتيبا مقارنة بما شاهدنا للتو من نشاط؛ إذ وقف بضعة رجال هادئين وطفقوا يُزايدون على سعر هذه الأسماك، المكون الرئيس لوجبات باهظة في مطاعم طوكيو وموسكو ونيويورك.
فتر النشاط في حدود الساعة العاشرة صباحا، إذ تسللتُ خارج السوق وحيدا، وتحدثت إلى تجار سمك أعربوا عن أسفهم لإغلاق السوق الوشيك. وحدها شاحنات التسليم ظلت نشيطة، حيث استلقى سائقوها داخل مقصورتها إذ كانت الرافعات الشوكية تُحَمِّلُها بالأسماك.
آذنَ ليلُ ذلك اليوم بالانتصاف، فمشيتُ غير بعيد قاصدًا معبدًا صغيرا لديانة "شينتو" ضم صفوفا من آثار حجرية تخلد كثيرا من المخلوقات البحرية الصالحة للأكل. ظلت تسوكيجي منذ زمن بعيد تتشح بالظلام والرعب والبذاءة؛ إذ كانت من الرقع النادرة التي تسقط فيها واجهة طوكيو العصرية الأنيقة كاشفةً عن شهية بشرية فجة.. أما أنا فقد بلغ مني التعب آنذاك مبلغا عظيما.
احتكت بقدمي قطة. وعلى حجر أمامي نُقِشت عبارة "سوشي زوكا"، وتعني "تذكار السوشي". في غضون سويعات ينطلق نشاط السوق اليومي من جديد.
موضوعات ذات صلة
أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ