الأرض.. بعيون صقورها

بقلم: ناديا دريك

عدسة: مارتن شولر

عبر التاريخ البشري جُلِّه، لم يكن في الإمكان دراسة الأرض وفهمُها انطلاقاً من مكان آخر.. غير الأرض نفسها. لا يمكننا -نحن بنو البشر- أن نعيش خارج الأرض أو في سمائها أو بعيداً عنها، لأننا محكومون بالجاذبية وبمحدودية أجسامنا من الناحية الأحيائية؛ فبالنسبة إلى جل الناس، ليس ثمة من حياة سوى على وجه هذه البسيطة. وإلى الآن، بعد نحو ستة عقود من الرحلات الفضائية، لم يتمكن من سبر أغوار كوكبنا سوى قلة قليلة من العلماء؛ إذ شاهدوا كيف أن الشمس تبدو من بعيد في الأفق وكأنها تسترق النظر إلى الأرض. فمنذ أول رحلة فضائية للإنسان في عام 1961، لم يحظ سوى 556 شخصاً بهذه التجربة النادرة؛ بل إن 24 ملاحاً فضائياً فقط تمكنوا من بلوغ أقصى نقطة عن الأرض، حتى بدت -من صغرها- وكأنها ساعة يد. ووحدهم ستة رواد فضاء استطاعوا أن يسافروا بعيداً عن الأرض، حيث غاصوا في فضاء لُجِّيّ وسط بحر من النجوم لا شاطئ له وشاهدوا الجانب الخلفي البعيد للقمر، والذي لا يظهر أبداً من الأرض. إن السفر في رحلة عبر الفضاء لتجربةٌ غريبة ومنافية لطبيعة البشر. ذلك أن فسيولوجيا الإنسان تطورت على نحو يؤهله للعيش بنجاح على سطح هذا الكوكب وليس في سمائه. وربما لهذا السبب يمكن أن يعجز رواد الفضاء عن وصف تجربتهم في مشاهدة الأرض من الفضاء الخارجي. وفي ذلك يقول رائد الفضاء الإيطالي "لوكا بارميتانو"، إننا حتى الآن لم نجد الكلمات المناسبة لوصف طبيعة السفر عبر الفضاء الخارجي وصفاً دقيقاً. فأساس التواصل اللغوي في عصرنا الحالي يقوم على الكلمات، والتي يجب أن تكون متماسكة البُنيان ومحكومة بالمعاني والدلالات؛ وذلك أياً كانت اللغة التي يختار المرء لحديثه (بالمناسبة فإن بارميتانو يتحدث خمس لغات). وإلى غاية منتصف القرن العشرين (أي قبل أول رحلة للإنسان إلى الفضاء الخارجي)، لم يكن ثمة ما يدعو الإنسان إلى وصفِ تجربة لم يكن قد خاضها. يقول بارميتانو: "إننا -بوصفنا بشراً- لا نشط بفكرنا بعيداً إلى عوالم رحلات الفضاء". على أن رؤية الأرض من الفضاء قد تغير نظرة المرء إلى العالم. وقد سافرَت رائدة الفضاء الأميركية "نيكول سكوت" في رحلتين فضائيتين على متن المكوك الفضائي "ديسكوفري"، ثم رَجعَت وقد تَملَّكها ميلٌ إلى إنجاز أعمال فنية تجسد ما انطبع في ذهنها عن مشهد كوكب الأرض من الفضاء. أما مُرتاد الفضاء الكندي "كريس هادفيلد" فيقول إنه حين كان يطوف حول الأرض، أضحى يشعر بأنه أقرب إلى البشر على سطح الأرض أكثر من أي وقت مضى. أما "كاثرين سوليفان"، وهي أول سيدة أميركية تمشي في الفضاء (خارج المركبة) عام 1984، فعادت من تجربتها أكثر استيعاباً للعوامل المتشعبة التي تجعل من الأرض واحةً مدهشة. تقول كاثرين: "رافقني إحساس ما فتئ يكبُر بداخلي في جميع رحلاتي الفضائية، ليس فقط للتمتع بتلك المناظر أو التقاط الصور لها، بل لجعل رؤية الأرض من الفضاء ذات معنى وأثر في حياة البشر على سطح الأرض".

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ