اسأل خبير: البحث عن الأحافير

29 - نوفمبر - 2020
في أكتوبر 2020، احتفلت "مجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية" بمناسبة الذكرى العاشرة لإصدار أول أعدادها منذ عام 2010، وقد تصدرت أجندة وفعاليات متنوعة أثرت الجمهور العربي المتابع للمجلة عبر منصاتها الرقمية؛ من بينها فقرة خاصة بالجمهور تحت عنوان "اسأل خبير" مع "د. نزار إبراهيم"عالم الأحافير لدى "جامعة ديترويت ميرسي" الأميركية. وهنا استعراض لأبرز أسئلة جمهورنا مرفقة بالإجابة العلمية الرصينة من لدن نزار إبراهيم.

مرحبًا، هل يمكنك إخبارنا مزيدًا عن المسار التعليمي/ الأكاديمي الذي اتبعته لتصبح عالِمًا ناجحًا؟ وكيف يمكن لشخص أن يصبح عالم أحافير؟
هناك مساران رئيسيان: دراسة العلوم الحيوية أو دراسة علوم الأرض. لدى بعض علماء الأحافير خلفية أكاديمية في علوم الأرض (علم الرواسب، نموذجًا)؛ فيما لدى آخرين منهم تكوين أكاديمي في علم الأحياء (علم الحيوان، نموذجًا)؛ ولدى آخرين -وأنا منهم- خلفية في كلا العِلمين (إذ حصلت على درجة البكالوريوس في الجيولوجيا وعلم الأحياء من "جامعة بريستول" بالمملكة المتحدة، ثم درجة الدكتوراه في علم الأحافير من كلية طبية في دبلن بأيرلندا). في رأيي، هذا هو أفضل مسار، لأن علم الأحافير يقع عند تقاطع علوم الأرض والعلوم الحيوية. إذا كان عليكم أحد العلمين من الاثنين وكنت مهتمًا بعلم الأحافير الفقارية، فأنصحكم بدراسة العلوم الحيوية، لأن علم التشريح، وعلم الأحياء التطوري، وعلم التصنيف، وعلم الحيوان... كلها على قدر كبير جدا من الأهمية في أبحاثنا.

هل كان حجم الديناصورات الكبير عائقًا في عدم تأقلمها مع تغير البيئة؛ مما أدى إلى انقراضها؟
إجمالًا، يمثل الحجم الكبير مشكلة عند حدوث انقراض جماعي، مثلما حدث في نهاية العصر الطباشيري. غالبًا ما تكون الحيوانات الكبيرة أكثر تخصصًا من حيث المكوِّن البيولوجي لغذائها وتتطلب كميات كبيرة من الطعام ومساحة كبيرة للعيش، وغالبًا ما لا يكون لديها نسل كثير. وذلك ما يجعلها أكثر عرضة لحوادث الانقراض الكبرى؛ ومن المعلوم أن الحجم الصغير كان عاملًا رئيسًا في النجاة من انقراض نهاية العصر الطباشيري. على أن سؤالك يشير ضمنيًا إلى أن حجم الديناصورات الكبير قد حدَّ من قدرتها على التأقلم وتسبب بزوالها بشكل أو بآخر. أقول إن الديناصورات هيمنت على كوكبنا فترة طويلة جدا، وكانت تتمتع بقدرة هائلة على التأقلم، وسيطرت تمامًا على النظم البيئية الأرضية؛ حتى إن الثدييات عاشت في ظلالها. لذا، تُعد الديناصورات إحدى قصص النجاح الأكثر إثارة للإعجاب في الطبيعة؛ إذ تتأقلم مع التغيرات البيئية والتكتونية والمناخية الضخمة على كوكب لا ينفك يتطور.. وما زالت مستمرة في الازدهار: أليست الطيور ديناصورات! (انظر عدد أكتوبر 2020 من مجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية). أخيرًا، أود أن أضيف أنه -فضلًا عن الطيور- لم تكن بعض الديناصورات الأخرى ضخمة بالشكل الذي نتصوره. باختصار، لم يكن الحجم الكبير لبعض الديناصورات سببًا في انقراضها. فلقد "تآمرت" العوامل الخارجية ضد الديناصورات وأنهت سلطانها المثير للإعجاب (لكن انظر أعلاه: فقد قلنا إن الطيور تواصل رحلة الازدهار تلك). بالمناسبة، من المحتمل أيضًا أن ينتهي عهدنا نحن كذلك على يد تغيّرات هائلة مماثلة.. ونحن لسنا بتلك الضخامة الهائلة. ويمكننا أن نرى الآن كيف تسبب فيروس مجهري في ركود اقتصاداتنا؛ فما بالكم بما سيحدث إذ اصطدم نيزك ضخم بكوكبنا فحجب عنا نور الشمس بضع سنوات فأهلك محاصيلنا الزراعية وغاباتنا!

تدهشني قدرة علماء الأحافير على "بعث الحياة" في هياكل من العصور القديمة. كيف يمكن لهيكل عظمي أن يخبرنا كثيرًا عن عينة بما في ذلك الشكل الحقيقي للعينة ونمط حياتها وصوتها ولونها؟
تحتفظ العظام بقدر هائل من المعلومات، من خطوط النمو (التي تخبرنا عن مدى نمو حيوانٍ ما وسرعة نموه) إلى الإصابات والأمراض (اكتشف علماءٌ داء السرطان في عظام ديناصورات)، ومواقع ارتباط العضلات الرئيسة. ويظل اللون غير معروف في معظم الحالات، ولكن من المحتمل أن بعض الأحافير المُصانَة جيدًا لديناصورات ريشية لا تزال تحتفظ بألوانها، في شكل "ميلانوسومات" Melanosomes (انظر أيضًا عدد أكتوبر 2020 من مجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية). ولا يزال البحث في أصوات الحيوانات المنقرضة في مراحله المبكرة؛ وتُجرَى بحوثٌ من هذا النوع على الأصوات التي كان يُصْدرها ديناصور يسمى "باراصورولوفوس (Parasaurolophus). وللعِلم، فإن من المُستبعَد أن الديناصورات المفترسة الكبيرة- مثل "تيرانوصور الملك" (Tyrannosaurus rex)- كانت تُصدر الأصوات ذاتها التي نسمعها في الأفلام عنها. وبمقدور الزواحف المفترسة -مثل التماسيح- أن تُحدث مجموعة من الأصوات، وكذلك الطيور طبعًا. ومن الأفضل أن ننظر إلى هذه المجموعات، بدلًا من النظر إلى الثدييات، كالأسود.

ما هي طرق الكشف عن الأعمار التقريبية للأحافير؟ وهل تلك الطرق موحَّدة لجميع الأحافير؟ ما مدى دقة تحديد عمر الأحافير باستخدام النظائر المشعة؟ كيف يمكننا أن نثبت أن الكربون لا يتحلل بسبب عوامل أخرى؟ كيف يتم تحديد عمر الأحافير المكتشفة حديثا؟ كيف نعرف عمر الأحفورة؟ كيف يُقَدِّر العلماء عمر الأحافير؟
هناك طرق مختلفة عديدة لمعرفة عمر الأحافير، لكن يبقى التأريخ الإشعاعي (Radiometric dating) الوسيلة المعتمَدة في تحصيل جُلّ تواريخنا -الدقيقة للغاية- الخاصة بالأحافير القديمة وطبقات الصخور. غالبًا ما يفكر الناس في "التأريخ بالكربون 14" كلما تعلق الأمر بتأريخ الأشياء القديمة، ولكن هذه الأداة تنفع فقط مع الاكتشافات الحديثة نسبيًا؛ أي المُكتَشَفات الأثرية. أما عند التعامل مع مُكتَشَفات عصر الديناصورات، فإن العلماء يستخدمون طُرقًا أخرى، مثل "تأريخ الأرجون-الأرجون"، أو "تأريخ اليورانيوم-الرصاص".

هل من نصائح بشأن تحفيز طلابي على دراسة علم الأحافير بشكل علمي؟ ما هي أكثر المعلومات التي أثارت اندهاشك وقد تثير اندهاشهم؟ هل هناك متاحف افتراضية في هذا المجال يمكن للطلاب الاطلاع عليها؟
في الوقت الحالي، يقدم "متحف سميثسونيان للتاريخ الطبيعي"، من بين متاحف أخرى عديدة، زيارة افتراضية. وردًّا على الجزء الأول من سؤالك، فإن علم الأحافير يتيح لنا جمع أجمل وأعمق قصة على الإطلاق: تاريخ الحياة على الأرض. فلا وجود لقصة أخرى، أكانت حقيقية أو متخيَّلة، تضاهي قصتنا هذه. وعلم الأحافير هو أيضًا أداة رائعة عندما يتعلق الأمر بفهم كيفية تأثير التغييرات العالمية الرئيسة (مثل فقدان التنوع البيولوجي، والتغير المناخي) في النظم البيئية لكوكبنا على المدى البعيد. فمنظور "الزمن العميق" هذا أصبح الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى. من المفيد أيضا أن يعلم طلابك بأنهم إن أرادوا فهم جسم الإنسان حقًا، فينبغي لهم أن يعودوا بالزمن إلى الوراء ليروا كيف شكل التطور نُظم أعضاء هذا الجسم منذ زمن بعيد. أُدرِّس علم التشريح البشري في الجامعة، بما في ذلك تشريح الجثث، وما زال يذهلني كل يوم كيف يمكن إرجاع كل التفاصيل الصغيرة لأجسامنا -من عظام الأذن إلى أعصابنا- إلى أسلافنا القدامى.

هل للذكاء الاصطناعي دور في الاستكشافات الحديثة والتصورات الجديدة للديناصورات؟ كيف تتخيل مستقبل علم الأحافير والبيولوجيا القديمة؟
يجري استخدام الذكاء الاصطناعي/ التعلم الآلي في أبحاث علم الأحافير؛ على سبيل المثال، للكشف عن هوية الأحافير المجهرية الدقيقة. كما يُستخدَم لبعث "الحياة الرقمية" في الديناصورات (على سبيل المثال، اختبار فرضيات مختلفة بشأن سرعات المشي لدى تيرانوصور الملك). ويُعد "التصوير المقطعي المحوسب" (CT scanning) الآن أداة مستخدمة على نطاق واسع ويستمر في إلقاء الضوء على أشياء مثل التشريح العصبي والهواء المضغوط للديناصورات -مثالًا لا حصرًا-، كما يقدم مسح "السنكروترون" (Synchrotron) القوي معلومات رائعة عن بيولوجيا الديناصورات (انظر أيضًا عدد أكتوبر 2020 من مجلة ناشيونال جيوغرافيك العربية). سيكون مستقبل علم الأحافير مليئًا بالاكتشافات الجديدة بأجزاء غير مكتشَفة من العالم، والتي سيتم تحليلها باستخدام ترسانة متزايدة من الأدوات المبتكرة التي يمكن أن توسع مداركنا بشأن بيولوجيا هذه المخلوقات الرائعة. إذن، حان الوقت الأنسب لمعانقة عوالم علم الأحافير!

أين توجد أحافير الديناصورات عادة؟ وهل يمكننا أن نتنبأ بأماكنها؟ كيف يتم تحديد أماكن البحث عن الأحافير؛ وهل يتم ذلك بطريقة عشوائية؟ هل هناك طبقة محددة تحوي الأحافير؟
استنادًا إلى الخرائط الجيولوجية ونوع الأحافير الصخرية المحفوظة في (الصخور الرسوبية)، يمكننا التكهن بمكان وجودها؛ على نطاق واسع على الأقل. لكن العثور على أحافير استثنائية -وخاصة أحافير الديناصورات- غالبًا ما ينطوي على الكثير من الاستكشاف (أي البحث في مساحات كبيرة من الأرض قد يستمر ساعات أو أيامًا أو أسابيع). لذلك، لا تزال قوة التكهن لدينا محدودة نسبيًا.. وأحيانًا تتحقق أفضل الاكتشافات في الأماكن التي لم نتوقعها إطلاقًا!

ما مدى إمكانية استنساخ الدينصورات من خلال أحافيرها؟ وهل هناك أبحاث جادة في هذا الشأن؟
لا، لن نتمكن من استنساخ الديناصورات انطلاقًا من أحافيرها. هناك سُبُلٌ في علم الوراثة وعلم الأحياء التطوري يمكن للمرء أن يتخيلها يومًا ما لإنشاء شيء يمكن وصفه بأنه أقرب شكلًا إلى طائر (تذكّروا دائما أن الطيور ديناصورات حية) يتميز ببعض من خصائص الديناصورات "التي أُعيدَ تفعيلها". يمكنك العثور على بعض المعلومات بشأن هذه الجهود على الإنترنت، لكن ذلك يختلف تمامًا عن استنساخ ديناصور حقيقي منقرض.

في حال عثرتُ على ما أظن أنه أحفورة، كيف أتأكد من ذلك؟ ومع أي جهة ينبغي لي التواصل؟
أفضل ما يمكنك فعله هو الاتصال بالمتحف المحلي أو بخبير معترف به في هذا المجال. وذلك في غاية السهولة حاليًا، لأنه يمكنك التقاط الصور بهاتفك وإرسالها إلى باحث على الجانب الآخر من العالم في غضون دقائق.

هل تخطط لأي رحلات استكشافية في المنطقة العربية؟
نعم، بالتأكيد أنا أخطط لمواصلة عملي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

هل صحيح أنه تم العثور على بعض أحافير الديناصورات في مصر؟
أجل، لقد تم ذلك فعلًا.

هل دراسة الأحافير تساعد في فهم نظرية التطور؟ وما هو رأيك بنظرية التطور؟
نعم.. يقول عالم الوراثة الشّهير وخبير علم الاحياء التطوّري، "ثيودوسيوس دوبجانسكي": "لا شيء في علم الأحياء منطقي إلا في ضوء التطور. ويمكن قول الشيء نفسه عن علم الأحافير والعديد من المجالات الأخرى في العلوم. الأدلة على التطور قاطعة، لذا لم يعد الأمر اليوم مسألة رأي. إذ سيبدو ذلك السؤال كمَن يطلب رأي شخص حول الجاذبية؛ فبصرف النظر عن رأي الشخص، فإن الجاذبية تظل حقيقة لا جدال بشأنها. إن تفصيل التسلسل الفعلي لأحداث تطور الحياة على الأرض، مَهمة ضخمة فعلًا. فبالإضافة إلى علم الوراثة وعلم الأحياء التطوري ومجالات أخرى، تؤدي الأحافير بالتأكيد دورًا رئيسًا. فبعض المكتشَفَات الأحفورية -كحيوان "تيكتاليك" (Tiktaalik) مثلًا- أصبحت أيقونية، لأنها تلقي الضوء على التحولات التطورية الرئيسة (كتحوّل الزعانف إلى الأطراف). إذا أردنا فهم قصة الحياة، بما في ذلك أصولنا ومستقبلنا، فنحن بحاجة إلى مجموعة واسعة من المجالات العلمية المختلفة.. وعلم الأحافير هو بالتأكيد أحدها.
موضوعات ذات صلة
  • التيروصورات عمالقة السماء

    ترتسم على وجوه معظم الناس أمارة الاندهاش حين يسمعون كلمة "تيروصور"، لكن هذه الدهشة تخف حين يسمعون "إنه مثل الزواحف المجنَّحة". إنه الاسم الشائع الذ

  • الديناصورات التي لم تَنقرض

    تمتد مستنقعات المنغروف على طول ساحل "يوكاتان" المكسيكي، بين شواطئ ذ ات رمال بيضاء ومنتجعات زاهية الألوان؛ وهي تُعد فردوساً للطيور وللمستمتعين بمشاهدته

  • كشف الستار عن ديناصور جبّار

    في الفيلم الأميركي، "صيادو الأشباح" (Ghostbusters) الصادر عام 1984، يخوض فريق من علماء الظواهر الخارقة معركة ضد "زول"، وهو وحش جهنمي يشبه وجهُه وجهَ و

  • نظرة جديدة إلى الديناصورات

    يعتمد علماء الأحافير على تقنيات علمية مبتكرة وسيلٍ من الأحافير المكتشفة حديثًا، ليعيدوا كتابة ما يعرفونه عن وحوش العصور السحيقة هذه: من ألوان جلودها و

أضف تعليقك
اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ

اﺛﺮ ﻣﻌﺎﺭﻓﻚ ﻣﻊ ﻣﺠﻠﺔ ﻧﺎﺷﻴﻮﻧﺎﻝ جيوغرافيك اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺿﻊ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺑﻴﻦ ﻳﺪﻳﻚ

اﺷﺘﺮﻙ ﻣﻌﻨﺎ