المحرك الكهربائي ليس اختراعاً بشرياً

17 - أكتوبر - 2016
صحيفة الخليج- محمد هاني عطوي

اكتشاف العلاقة بين الكهرباء والمغناطيسية، في القرن الثامن عشر، كان مقدمة لظهور اختراع من أهم اختراعات البشرية، هو المحرك الكهربائي. لكن العلماء يشيرون إلى أن وجود المحرك في الطبيعة يسبق كثيراً جداً الفترة التي اخترع فيها، أو أعيد اكتشافه، إذا صح القول؛ إذ يعود وجوده إلى ولادة أبسط الكائنات الحية، البكتيريا، أي إلى نحو ملياري سنة. بفضل أعمال الفيزيائي الصربي نيكولا تسلا (1856-1943)، انتشر استخدام المحرك الكهربائي على نطاق واسع، إلا أن العلماء يشيرون إلى أن فكرة المحرك نفسها مرتبط وجودها بولادة السوطيات، وتحديداً تحت الغشاء الخلوي لأبسط الكائنات الحية، التي لا يزيد طولها عن واحد من ألف من المليمتر، أي البكتيريا، ويمكن القول، إن فكرة عمل المحرك الكهربائي كنز تخفيه البكتيريا منذ وقت طويل، يسبق اختراع المحرك بمئات ملايين السنين، فالمحرك يعمل بتيار من الجسيمات مزود بـ "الروتور" (الدوار)، المركب بدوره من مغناطيسات، ويدور عادة في مركز "الستاتور" (الساكن)، المكون بدوره من عدة "بوبينات" (ملفات) ذات أسلاك موصلة.
سوط الحركة
في منتصف القرن الماضي تقدمت صناعة المجاهر، فأصبحت قوية بما يكفي لمشاهدة البكتيريا، وقد أدى ذلك إلى الكشف عن وجود "السوط"، وهو ذيل طويل مرتبط ببقية أجزاء جسم البكتيريا، يسمح لها بالانتقال بحركات دورانية سريعة. وفي العام 1997، قام فريق ياباني يرأسه هيرويوكي نوجي، من "معهد التكنولوجيا" في طوكيو، بالتعمق في هذه الآلية، من خلال تجربة تتمثل في استخدام خيوط من "الأكتين الفلورسنتي" أي التي تُرى في المجهر بدلاً من السوط، وحينها اكتشف الباحثون وجود محرك صغير جداً ترجع إليه آلية تحرك ذيل البكتيريا. أحدثت تلك الدراسة ضجة كبيرة بالفعل، وهذا ما دفع سيسيل سايكس- الاختصاصية والباحثة في حركات الخلايا بمختبر الفيزياء والكيمياء في معهد كوري- إلى القول، إن البكتيريا اخترعت آلة جديرة بالعالم نيكولا تيسلا. اليوم، يظهر هذا المحرك بأبعاد ثلاثية ويعمل بنشاط، وقد تمكن فريق من علماء الأحياء المجهرية برئاسة مورغان بيبي في "إمبريال كوليدج" في لندن، من الدخول إلى ثلاثة أنواع مختلفة من البكتيريا لاستخلاص توقعات رقمية، وهي أول محاولة من هذا النوع. يقول روميه فولوكس -مدير الأبحاث في معهد علم الأحياء الدقيقة للبحر الأبيض المتوسط- الذي يعمل مع مورغان بيبي: هنا ندخل إلى البكتيريا، ونرى عبرها ما نريد معرفته؛ لأننا قبل ذلك كنا لا نتمكن من الرؤية إلا من خلال السطح، وكان علينا استخراج المحرك من البكتيريا، أي من بيئتها الطبيعية، كي نصل إليه، ويضيف أن الخدعة في ذلك تمثلت في خفض درجة حرارة البكتيريا بشكل كبير (حوالي 180 درجة مئوية تحت الصفر) في فترة زمنية قصيرة، لمنع تشكيل بلورات الجليد التي قد تعيق مشاهدة الهيكل الداخلي، علماً بأنه لا يزيد طوله عن بضعة نانومترات (النانومتر هو وحدة لقياس الأطوال القصيرة جداً، وهو جزء من مليار جزء من المتر). بعد تلك الخطوة لم يبقَ للباحثين سوى مراقبة المحرك بالمجهر الإلكتروني من جميع الزوايا، وذلك قبل معالجة وجمع الصور من خلال دقة تفاصيل الصورة بطريقة رقمية، ويعتبر التصوير المقطعي الإلكتروني البارد تقنية ثورية، وينتشر استخدامها بشكل هائل، ويعطي نتائج مذهلة كما في حالة البكتيريا.
ماكينة بكتيرية
يشير فولوكس إلى أن النتيجة لافتة للنظر حقاً، حيث تكشف الصور النقاب عن ماكينة منتظمة العمل تماماً، وذلك على مستوى الغشاء البكتيري، فحين ولادة الخيوط السوطية ظهر المحرك الذي يعتبر تحفة تقنية في مجال المنمنمات، لا يزيد طوله عن بضع عشرات من النانومتر، هذا المحرك البيولوجي يتألف من عنصرين: "الستاتور" (الساكن) المكون بدوره من سلسلة من الأنابيب التي تظل ثابتة، و"الروتور" (الدوار)، وهو نوع من الأقراص المتحركة بحركة دورانية، تعلوها ألواح تعمل على تحقيق ثبات الجهاز بشكل عام. وتتمثل طريقة عمل هذا المحرك البيولوجي في وصول "البروتونات" (الجسيمات المشحونة إيجابياً) إلى "الستاتور" (الساكن)، الذي ينشط حركة الهيكل برمته، وذلك على غرار الإلكترونات في المحرك الكهربائي، وتقول سيسيل سايكس: تعمل هذه "البروتونات" على تغيير البنية البروتينية لتركيبة الساكن والدوار، ما يتسبب بدوران "الدوار"، وهذا الأخير يسحب معه السوط، الذي يخضع بدوره لحركة دوارة، ويسمح للبكتيريا بالحركة.
ويعلق مورغان بيبي على ذلك بالقول: لأول مرة نجد أنفسنا قادرين على رؤية وشرح الكيفية التي تمكن هذه الآلات الجزيئية من التطور عند البكتيريا، وتمكنها من استعمار بيئات جديدة. إنها لمحة رائعة عن التنوع الهائل للحياة التي تطورت على الأرض. إن المحرك البكتيري في بداية الكشف عن أسراره، لكنه يفرض بالفعل ولمرة أخرى الفكرة القائلة، إن الحل الأمثل الذي وجده الإنسان، أوجدته الطبيعة الممثلة بخالق الكون من قبل، ما يعني أن المحرك الكهربائي لم يولد في دماغ العبقري نيكولا تيسلا، ولكن في كائن بكتيري بسيط جداً.

انتهى

موضوعات ذات صلة
أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا