السيطرة على الجينات.. الثورة الوراثية المقبلة

07 - أغسطس - 2016
الخليج
بسبب وجود خلايا تقوم بإطفاء جينات معينة، في الوقت الذي يجب أن تكون مفعلة، أو العكس؛ يحدث الكثير من الأمراض التي تصيب الإنسان. وهذه العملية هي ما يعرف بالخلل الجيني، التي يراها العديد من العلماء محور الثورة المقبلة في علم الهندسة الوراثية وعلم الأحياء عموماً، وتعتمد فكرتها على السيطرة على الجينات، أي إيقاف أو إعادة تشغيل «الجينوم»، وليس تعديله أو تحريره، ما يساعد في علاج العديد من الأمراض. وفي المقابل لا تزال تقنيات تغيير الجينات ماضية في طريق التطور، وبقدر ما يبشر ذلك بإمكانية إسهامها هي الأخرى في وقاية الإنسان وعلاج الأمراض، بقدر ما يثير المخاوف من سوء استخدامها من الناحية الأخلاقية.


يسبب الخلل الجيني، أو الاضطراب الذي يصيب عمل الجينات، الكثير من الأمراض، منها على سبيل المثال متلازمة «أنجلمان»، التي تحدث نتيجة خلل في الجين الموجود في كروموسوم 15، وهو «UBE3A»؛ إذ يكون هناك نقص في هذا الجين المورث من الأم، أو تحدث فيه تغيرات. وأعراض هذه المتلازمة أن الأطفال المصابين بها، رغم أنهم سعداء ومبتسمون دائماً؛ تكون تحركاتهم متشنجة، ويعانون صعوبة في التكلم، وصعوبات التعلم لديهم تكون واضحة، كل ذلك لأن الجين المسؤول متوقف عن العمل، وإذا ما تم تشغيله سيشفى المريض من هذه الأعراض للأبد. في فبراير/ شباط الماضي أعلن ديفيد سيغال، عالم الأحياء الأمريكي والمدير المساعد لعلم «الجينوم» في جامعة كاليفورنيا، أنه وفريقه تمكنوا من السيطرة على الجين المسؤول عن اضطراب متلازمة «أنجلمان»، في فئران التجارب، الأمر الذي أثار اهتمام العلماء بشكل خاص، واستبشار المصابين بهذه المتلازمة عموماً. ليس هذا فحسب، بل إن هذه الثورة في علم الأحياء، من شأنها إحراز تقدم في علاج أمراض كثيرة، مثل انفصام الشخصية والسمنة المفرطة وإدمان المخدرات ومتلازمة «أنجلمان»، كما سبقت الإشارة، وحتى أمراض مستعصية كالسرطان. ورغم أن التجارب لا تزال تُجرى على الفئران فقط، فإنها ستحظى بدراسات ومناقشات كبيرة بين العلماء. وقد استخدم سيغال وفريقه ثورة تحرير الجينات في محاولة السيطرة عليها والتحكم فيها، وبمعنى آخر وبشكل علمي دقيق فإن هذه التقنية الجديدة يتم بها تحرير ال «epigenome»، وهو مجموع التفاعلات الكيمياوية ما فوق الوراثية فوق غشاء الهستون، وبين خيطي الحمض الريبوزي النووي المنزوع الأوكسجين «دي إن أيه»، في داخل النواة.


ووفق العلماء فإن تفاعلات علم ما فوق الجينات أو «epigenome»، تؤثر في فعالية المورثات، إما بتصميتها (وهو ما يحدث في الغالب) أو تضخيمها أحياناً، وفي كلتا الحالتين تكون النتيجة اختلاف التعبير الوراثي للخلية، فتتغير الخلايا ووظائفها تبعاً للتأثيرات والظروف الخارجية. ويعتقد سيغال أن علم ما فوق الجينات ربما سيكون محور الثورة العلمية المقبلة، وذا أهمية أكبر من ثورة تعديل الجينات، لأنها حسب قوله قد تكون التقنية الأفضل في علاج الأمراض. ويدرس هذا العلم الثوري الجديد نسبياً، بشكل رئيسي العوامل الخارجية والبيئيّة التي تنشّط أو تثبّط عمل الجينات، وتؤثر في كيفيّة قراءة الخلية للجينات، ويسعى لوصف التعديلات الديناميكيّة في القدرة الكامنة لخليّة ما على النسخ؛ هذه التعديلات التي قد تنتقل أو لا تنتقل بالوراثة. وبخلاف علم الجينات القائم على دراسة التغيرات في سلسلة الحمض النوويّ «دي إن أيه» (أي النمط الجينيّ genotype)؛ فإن التغيرات في التعبير الجيني والنمط الظاهري، تحدث لأسباب أخرى في علم ما فوق الجينات، إذ يعمل هذا العلم على تشغيل وإطفاء الجينات المصابة، دون تعديل سلسلة الحمض النووي التابعة لها، ويتم التحكم بتمظهر الجينات عن طريق البروتينات الكاظمة، التي ترتبط بالمواقع الكاتمة الموجودة على سلسلة الحمض النووي «دي إن أيه».


تقنيتان ثوريتان




من جهة أخرى، وخلال العامين الماضيين، تصدرت ثورة تحرير الجينات عناوين الأخبار العلمية في جميع أنحاء العالم، وذلك بفضل أداة ثورية تدعى «كريسبر» للتحويل الجيني، والتي جعلت تغيير الحمض النووي داخل الخلايا رخيصاً وسهلاً، وأتاحت للباحثين تغيير الحمض النووي لأيّ كائن حي بسرعة فائقة، بما في ذلك الإنسان، فهي وفق بروس كونكلين، عالم الوراثة في معهد «جلادستون» في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأمريكية، تقلب كل شيء رأساً على عقب. وفي السنوات الأخيرة أحدثت هذه التقنية تحولات جوهرية في أبحاث الطب الحيوي، ويأمل الباحثون في استخدام هذه التقنية لتعديل جينات البشر، بغرض القضاء على الأمراض، وإكساب النباتات قوة تحمّل، والتخلص من مسببات الأمراض. يقول جون شمينتي، عالم الوراثة في جامعة «كورنيل» في إيثاكا بولاية نيويورك الأمريكية: هناك تقنيتان ثوريتان في عالم الهندسة الوراثية هما «كريسبر»، و«تفاعل البوليميريز المتسلسل»، حيث تؤثر تقنية «كريسبر» في العديد من علوم الحياة من عدة جوانب، وهي في ذلك تشبه تقنية «تفاعل البوليميريز المتسلسل» لتضخيم الجينات، التي أحدثت ثورة في الهندسة الوراثية، بعد التوصل إليها في العام 1985. ورغم إمكانات تقنية «كريسبر» الواعدة، فإن هناك مخاوف أخلاقية، ومخاوف من أن تؤدي إلى تعديلات جينومية شاذة أو خطيرة، والشعور بالقلق من أن تتسبب الكائنات المعدلة وراثيّاً في إحداث اضطرابات أو انهيارات في الأنظمة البيئية كلها، لأنه يسهل استخدام هذه التقنية في المختبرات، فلا حاجة إلى معدات كثيفة أو باهظة، كما لا يحتاج الباحثون إلى سنوات طويلة من التدريب لإجراء التعديلات الوراثية.
كثيرة هي الأبحاث والدراسات التي تستخدم هذه التقنية المتطورة والسهلة وغير المكلفة، في مختلف مجالات الحياة، سواء على الإنسان أو النبات. ومن ناحية استخدامها على الإنسان، أجرى دانييل أنديرسن وزملاؤه في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» تجاربهم على الفئران، بغرض تصحيح الطفرات المرتبطة بمرض أيضي يصيب البشر، يُسمى «تايروسينيميا»، ويرى أندرسون أن التجارب الإكلينيكية الأولى لمثل هذا العلاجات أصبحت واقعاً. وستكون هذه التجارب الأولية على الأرجح سيناريوهات يمكن فيها حقن مكونات «كريسبر» مباشرة في الأنسجة، مثل الحَقن في العين، أو نزع الخلايا من الجسم، وهندستها في المختبر، ثم إعادتها للجسم مرة أخرى. فعلى سبيل المثال، من الممكن تصحيح الخلايا الجذعية التي تشكِّل الدم، لعلاج أعراض معينة، مثل أمراض فقر الدم المنجلي، أو الثلاسيميا. وثمة تحدٍّ أكبر، يتمثل في إدخال الإنزيم والحمض النووي الريبي الإرشادي في العديد من الأنسجة الأخرى، وبرغم ذلك يأمل الباحثون في استخدام هذه التقنية يوماً ما، لعلاج عدد أكبر من الأمراض الوراثية.

انتهى





موضوعات ذات صلة
  • دمُ بقرة يظهر جلياً في أحشاء بعوضة "الزاعجة المصرية" (Aedes Aegypti) لدى مختبر "أنتوني جيمس" في "جامعة كاليفورنيا". يمكن استخدام تقنية "كريسبر" لتعديل نسخ من هذا النوع الناقل لفيروس "زيكا" وحمى الضنك، فيلدُ حشرات عقيمة. "كريسبر": مفتاح جديد لشفرة الحياة

    لو جال المرء بنظره في مكتب "أنتوني جيمس"، لَمَا صعُب عليه تخمين عمله؛ فالجدران مغطاة برسوم البعوض، والرفوف مصطفة بكتب عن هذه الكائنات. عُلقت بالقرب من

أضف تعليقك
اشترك معنا

اثر معارفك مع مجلة ناشيونال جوغرافيك العربية وضع العالم بين يديك

اشترك معنا